سياسة

خارج المتاهة

الحكم العسكري يصادر الوطن

محمد عتيق

بالبشر والتأييد والفرح البالغ استقبل شعب السودان انتصارات قواته المسلحة في الحدود السودانية الأثيوبية، استبشر بالأداء، أيد القرار، وأسعدته النتائج لأنه أحسن النية في النظر للأمر، إذ لم يفهمه بأنه استغلال لانشغال الجارة الشقيقة بمعاركها في اقليم التقراي، ولا بأنه جزء من تأكيد المكون العسكري (اللجنة الأمنية) على فشل المدنيين في إدارة البلاد تمهيداً لانقلاب عسكري أو تنفيذاً لرغبة مصرية في إشغال الجارة إثيوبيا حتى تتمكن من تعطيل العمل في “سد النهضة” .. استبعد شعب السودان تلك الظنون والاحتمالات ووقف خلف قواته المسلحة باعتبار أن هذا هو الوضع الطبيعي..    فالقوات المسلحة هي النصف الآخر للدولة والمجتمع الذي يتكون من قسميه المدني والعسكري،  ولكل واجباته ؛ المدني يعمل وينتج،  يمارس العمل السياسي والاقتصادي،  يسدد الضرائب المباشرة وغير المباشرة للإنفاق علي خطط الدولة ونشاطاتها في الموازنة العامة ومن بينها بنود الصرف علي القوات المسلحة لكي تقوم بواجباتها المحددة دستورياً في المحافظة علي سلامة الدولة وحماية حدودها البرية والبحرية والجوية من أي اعتداء خارجي ومساعدة الأهالي في ظروف الكوارث الطبيعية وحمايتهم في كل الأحوال،  وعليه فإن ممارسة النشاط السياسي والحزبي وما ينتج عنه من واجبات الحكم وإدارة البلاد هو من صميم مهام القطاع المدني في المجتمع .. وجود القوات المسلحة في مقاعد الحكم والنشاط السياسي والاقتصادي هو الوضع الشاذ وغير الطبيعي وهو الوضع القائم الآن على الأقل في حدود القيادات العليا للأجهزة المسلحة، بمعنى أن الاتفاق الذي قاد إلى وجود مكون عسكري في الحكم جاء نتيجةً لرغبة القيادات العليا (وليس الجسم العسكري في مجموعه) في الحكم بدوافع مختلفة، وتلك القيادات في الأساس هي “اللجنة الأمنية” للنظام الساقط.. هذه “اللجنة” وامتداداتها في القيادات العليا للأجهزة النظامية وصلت إلى هذه المواقع الرفيعة بحكم انتمائها وإخلاصها لنظام “الاسلامويين” الساقط إما عقائدياً أو من خلال الارتباطات الطبقية والمصالح الاقتصادية المتشابكة..

إذاً، المكون العسكري في الحكم محصور في قيادات القوات المسلحة بعيداً عن رغبة المراتب الوسطى والقاعدية في الجيش.. وجود انقلاب عسكري لممارسة الحكم والسياسة يأتي خصماً على المهام الأساسية للقوات المسلحة في حماية البلاد فتقع الانتهاكات على الأراضي الحدودية كما هو الحال في الفشقة وحلايب وغيرها..

 ومن مظاهر انصراف القوات المسلحة عن واجباتها الأساسية أنها كانت مطيةً للأنظمة العسكرية التي حكمت السودان لتتخذ من حماية تلك الأنظمة واجباً أساسياً، وتجلى ذلك في قمع الاحتجاجات والمطالب المشروعة للشعب وخوض الحروب الأهلية في سبيل ذلك ..

إذاً، الطبقات العسكرية التي حكمت البلاد بأيديولوجياتها المختلفة استخدمت الأجهزة العسكرية والنظامية المتعددة في حماية حكمها والدفاع عن نفسها في مواجهة المطالب المشروعة للأفراد والجماعات والأقاليم؛ خطأ التغول على واجبات لا تخصها قاد إلى استخدام القوى العسكرية في قمع النصف الآخر من المجتمع (المدنيين) .. اختطاف مهمة الحكم من المدنيين وقمعهم في نفس الوقت لحماية ذلك الاختطاف..

 تجربة النظام الساقط، فوق ذلك الاختطاف ونتائجه، أنجبت من ناحية، حركات مسلحة نهضت تعبيراً عن مصالح وتطلعات جماهيرها في مناطق مختلفة من القطر في مواجهة قوى النظام المسلحة، النظامية وغير النظامية، ومن ناحية أخرى، أنجبت مليشيات مسلحة لتنفيذ بعض خططها العرقية والعقائدية، وهي المليشيات التي اشتهرت باسم “الجنجويد” وأصبحت حرساً لحدود النظام وتطورت إلى “قوات الدعم السريع” في أخريات عهد البشير الساقط وعنصراً هاماً في حمايته وتأمينه.. وعليه:

١/ “اللجنة الأمنية” للنظام الساقط إصراراً عنيداً على البقاء في الحكم لأسباب مختلفة منها: الهروب من المساءلة عن بعض الجرائم،  إعادة إنتاج النظام الاسلاموي بصورة أفضل وتأمين المصالح المتنوعة ..الخ..

٢/ قوات الدعم السريع (الجنجويد)، من أهم خطوط الدفاع عن البشير، ذات التركيبة البدوية-قيادةً وقواعد- قادرةً على شراء العقول الاستشارية، وهي تبني داخل الدولة دولةً بكامل أجهزتها الاقتصادية والسياسية والقانونية والإعلامية.. الخ..الخ

٣/ حركات الكفاح المسلح، وهي من ردود الأفعال الشعبية على سياسات الدكتاتورية العسكرية الساقطة، والأصيلة في صفوف ثورة ديسمبر العملاقة، كان المأمول أن تلعب أدواراً أفضل في السلام: صناعةً وتحالفاً مع الامتداد الطبيعي وتغليباً للسياسي الانساني.. لحسابات خاصة عملت على تعطيل السلطة الأهم من سلطات الحكم الانتقالي: المجلس التشريعي، فضاع وقت ثمين من عمر الفترة الانتقالية في التشريع والرقابة وتصحيح الأوضاع الدستورية وعلى احداث ثورة في الاجهزة العدلية؛ قوانينها وإداراتها، ومحاكمة الطغاة والفاسدين..

وفي ختام الأمر، وذروة التحالف مع المكون العسكري، جاءتنا بما أسموه (مجلس شركاء الفترة الانتقالية) بديلاً لقوى الثورة الشعبية، قوى الحرية والتغيير، جاعلةً (اللجنة الأمنية للبشير) في الموقع الأسمى بين مكونات الثورة العظيمة!!

٤/ ثم تنظيمات حزبية، سياسية ونقابية، تتحالف وتتخاصم، تتنابذ وتجتر الأوصاف المكرورة محصورةً في ذواتها وطموحاتها الذاتية، ضعيفة الأداء وبالتالي ضعيفة الأثر والتأثير..

   ومع كل ذلك، هنالك أمل، فالثورة جاءت لتبقى وتصعد وتنتصر، فهي أمنيات جيل كامل وعنفوانه، مستقبله وآماله وحياته.. وستعود القوى النظامية إلى مهامها الأصلية الأصيلة وتسود الديمقراطية وحكم القانون في ربوع الوطن..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق