سياسة

قراءات

مناظرة تاريخية (10)

محمدالمنتصر حديد السراج

نواصل في هذا الجزء الأخير من المناظرة التاريخية بين المؤرخ الفيلسوف البريطاني بروف أرنولد توينبي والسفير الإسرائيلي في كندا الحاخام ياكوف هرتزوج في موضوع العلاقات العربية الإسرائيلية، والتي دارت في قاعة هيلل بمونتريال يوم الثلاثاء 31 يناير 1961.

في الجزء التاسع، وفي معرض حديث هرتزوج عن أن الأمم المتحدة اتخذت قرارا في نوفمبر 1947 بإنشاء دولة يهودية في فلسطين.

كان بروف توينبي عارض هذا الفهم من قبل بقوله إن المراد من وعد بلفور (وطن قومي) لليهود وهم أقلية.

ثم انتقلت المناظرة الى قرار الأمم المتحدة بعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم. وقد أنكر هرتزوج قرارا بذلك المعنى.

ثم بدآ مناقشة مسألة عودة اللاجئين التي أفاض هرتزوج في التهرب منها بحجج غير موضوعية، فقد قال في آخر ما نشرناه في الجزء التاسع: إن مشكلة اللاجئين العرب أيها الأستاذ هي واحدة من من عديد مشاكل مشاكل اللاجئين المعقدة.  وأعتقد أنه منذ 1940 بلغ عدد اللاجئين 35 مليون نسمة في جميع أنحاء العالم، من كوريا وفيتنام وألمانيا وفنلندا…وهي مشاكل إما حلت أو قاربت الحل، ليس عن طريق العودة الى ديارهم بل عن طريق امتصاصهم في البلاد التي لجأوا إليها.  (وهنا يتساءل القارئ الواعي…ولماذا لم يبق اليهود حيث كانوا مشتتين في بلدان العالم…أم أنهم كان يصعب امتصاصهم؟!).

ويواصل هرتزوج حديثه عن اللاجئين العرب: والحق أن عدد اللاجئين.. طبقا لإحصاءاتنا.. 550.000 نسمة. ولدينا من الأسباب ما يحملنا على الاعتقاد أن 160 ألفا منهم قد تم استيعابهم. فهذه إذن مشكلة فريدة. وليست لها صعوبة اقتصادية، بل لقد اعتمدت الأمم المتحدة الأموال اللازمة.  وهناك الوعد الذي تقدمت به الولايات المتحدة التي عرضت قرضا.  وليست مشكلة اجتماعية فهم يعيشون بين ظهراني أهلهم. فالعربي الذي يعيش في معسكر في الأردن…لا يعيش في بريطانيا…بل إنه يعيش في محيطه.

إن العرب يريدون أن يظل اللاجئون على حالهم لاستخدامهم كسلاح سياسي، هدفه القضاء على حكومة إسرائيل.

إنا نحس بأشد الاستياء لاستمرار هذه المشكلة الإنسانية. ولكن الأمر ليس في أيدينا.  ونحن لا نستطيع لها حلا.  إن في إسرائيل اليوم 10 في المائة عرب أي حوالي200.000 نسمة.  وهم يتمتعون بكل ما يتمتع به مواطنوهم اليهود من حقوق.  فهل تريدون منا أن نرد الى البلاد قوما ربوا على الكراهية مدة ثلاثة عشر عاما أولئك الذين ربوا على الكراهية والانتقام والقومية.  نعيدهم الى دولتنا التي 10 في المائة من سكانها عرب؟ ولماذا؟ حتى يمكنهم تمزيقنا؟ يجب أن يكونوا مصابين بانفصام الشخصية إذا قبلوا هذا.  أن يتركوا محيطا عربيا خالصا يستطيعون العيش فيه والانتاج اقتصاديا واجتماعيا ودينيا ليصبحوا أقلية في دولة يهودية؟ إن الحرب التي شنت علينا سنة 1948 خلقت مشكلتين للاجئين.. الأولى تتصل بخمسمائة وخمسين ألف عربي.  والثانية بأربعمائة ألف يهودي و70.000 عربي.  لقد حللنا المشكلة الثانية واستوعبنا أكثر من 400.000 يهودي من البلاد العربية الذين عاشوا في تلك البلاد عهدا أطول من عرب فلسطين، كما أقررنا 70.000 عربي لاجئ في البلاد وهم اللاجئون العرب الوحيدون الذين حذفوا من قوائم وكالة الإغاثة.  أما المشكلة الأخرى فإنها لم تحل ولأنها مشكلة إنسانية أصبحت أداة سياسية إرضاء لمطامع ديماغوجية في الشرق الأوسط.

إن مندوبا عن اللاجئين العرب ارتقى الشهر الماضي منبر الأمم المتحدة ليتحدث عن تدمير إسرائيل، وإبادة إسرائيل والأغلب أن بعض حكومات الشرق الأوسط قد لقنته هذا القول.  وأنتم تقولون الآن: (في سنة 1948 كانوا يقولون بأنهم سيعودون للعيش في سلام والآن بعد انقضاء ثلاثة عشر سنة تقولون لنا خذوهم.  ولم لا؟ كي يمزقوا أوصالكم.  تقولون لنا انتحروا حتى لا تضطر الجيوش العربية أن تهاجمكم من الخارج).

بروف توينبي:

أعتقد أن هناك نقطتين فيما أدلى به السفير الآن.  الأولى عودة اللاجئين الى ديارهم.  والثانية استخدام اللاجئين كسلاح سياسي.  وأعتقد أن هناك تناقضا في الموقف الإسرائيلي.  فأنتم تطالبون بعودة اليهود الى فلسطين رغم أنهم تركوها منذ عام 135 ميلادية ولم يكن في فلسطين قط كتلة ملحوظة من السكان اليهود.  وإن كنت أوافق السفير أن قلة من اليهود عاشت بصورة مستمرة في فلسطين.  وهي أقلية قليلة.  ومنذ عام 64 قبل الميلاد لم تقم دولة يهودية في فلسطين.  لقد ادعيتم الحق في العودة لا كما نص وعد بلفور في صورة وطن قومي ولكن في الصورة المتطرفة للدولة.  ولكنكم تنكرون في نفس الوقت على العرب الذين أرغموا على مغادرة فلسطين، الجزء الإسرائيلي في فلسطين، عام 1948، تنكرون عليهم ما يعتبر الحجة الأساسية التي يستند إليها الشعب اليهودي.  هذا موقف متناقض.  عليكم أن تتأملوه.  ثم نقطة استخدام اللاجئين كسلاح سياسي، لقد أتيحت لي فرصة تجاذب أطراف الحديث مع ممثلي الدول العربية خلال السنوات القليلة الماضية… وأعتقد أن المنظمة الصهيونية وحكومة إسرائيل تعيشان في بيت زجاجي بالنسبة لموضوع استخدام اللاجئين كسلاح سياسي.  ذلك أني أرى شبها بليغا بين استخدامهما اللاجئين اليهود كسلاح سياسي وما ينسبونه للعرب في هذا المجال.  وقد حدث الكثير وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية مما يوضح كيف وجهت الصهيونية اللاجئين اليهود الى فلسطين، استغلالا لمحنتهم في سبيل توطيد السياسة الصهيونية، بدلا من إقرارهم في أستراليا أو أمريكا الشمالية حيث كان ينتظرهم المأوى والمستقبل.

هرتزوج:

أرجو أن تتاح لكم فرصة زيارة إسرائيل حتى تتبينوا صحة الحكم الذي تصدرونه عليها وسيسعدني إذذاك أن نطلعكم على أحوال البلاد ونرد على أسئلتكم.  ولا اعتراض لدينا على الإطلاق في أن تزوروا البلاد المجاورة حتى يتهيأ لكم النظر في الموقف بصورة عامة. 

بروف توينبي:

شكرا، سيدي السفير.

وهنا أعلن الرئيس المشرف على المناظرة نهايتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق