ثقافة وفن

دراسات عامة

مصاعب الغرب في التأهل للحوار مع العالم الإسلامي (2)

د. محمود الذوادي

خامسا: الرؤية المعرفية القرآنية للثقافة

يتجلى مما سبق أن للقرآن رؤية معرفية إبستيمولوجية بخصوص الرموز الثقافية باعتبارها مَعلما مميزا للجنس البشري. فالنفخة الثقافية الإلهية في آدم دون غيره هي إذن نفخة ذات جذور وطبيعة ميتافيزيقية حسب الرؤية القرآنية. فمصدرها ليس عالم الأرض وإنما عالم السماء الذي حرم منها جميع كائنات الأرض ووهبها فقط للإنسان. فالقرآن يتحدث بصراحة كاملة عن الطبيعة الميتافيزيقية للنفخة الثقافية التي اختص بها الإنسان وحده فيقول: “فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين”؛ أي أن النفخة الثقافية في صميم آدم صادرة من الذات الإلهية نفسها. فلا مجال إذن للشك في الرؤية القرآنية في جوهر الطبيعة الماورائية (الميتافيزيقية) للرموز الثقافية التي يتميز بها الجنس البشري عن سواه من الأجناس الحية.

وفي المقابل، فإن جل أدبيات العلوم الاجتماعية الغربية المعاصرة حول مفهوم الثقافة تصمت صمتا شبه كامل عن الجوانب الميتافيزيقية للثقافية5. فهي تدرس وتحلل ثقافات المجتمعات بطريقة وصفية أو وضعية Positivist  دون أن تهتم بإثارة الأسئلة المعرفية الإبستيمولوجية عن طبيعة الثقافة باعتبارها مَعلما ينفرد به أفراد الجنس البشري ومجتمعاته. لقد نجحت تلك العلوم في إرساء رصيد علمي ضخم حول الثقافة من الدراسات المتعددة لعلماء الأنثروبولوجيا والاجتماع على الخصوص في القرن العشرين، وهو رصيد فكري يغلب عليه الوصف الوضعي للثقافة وعناصرها. فلا يكاد المرء يجد أي إشارة واضحة، كما هو الأمر في الرؤية المعرفية الإسلامية، إلى الطبيعة الميتافيزيقية للرموز الثقافية. أي أن هذه الأخيرة وقعت دراستها في علمي الأنثروبولوجيا والاجتماع الغربيين بالمنظور الوضعي أو غيره الذي ينفر من النظر في ملامح الأشياء التي لا تخضع إلى عالم الحس والكم. فلا مناص، من وجهة المنظور العلمي الموضوعي أن يكون لهذا الموقف المنكر حضور اللمسات الميتافيزيقية، رغم وجودها القوي، في صلب الرموز الثقافية انعكاسات جد سلبية على صدقية المفاهيم والنظريات الكثيرة التي تستعملها العلوم الاجتماعية المعاصرة في دراسة الثقافة وتجليات آثارها في سلوك الأفراد وحركية المجتمعات والحضارات. فالمأخذ الإبستيمولوجي على هذه العلوم مأخذ خطير، إذ أنه يتجاهل معلما جوهريا للرموز الثقافية. فكيف ينتظر كسب رهان الثقة في ما تتوصل اليه بحوث العلوم الاجتماعية التي تدرس الثقافة عارية، بسبب إبستيمولوجيتها، من معالمها الجوهرية والمتمثلة في لمساتها الميتافيزيقية؟ ومن هنا نرى أن لا تقتصر عودة العلوم الاجتماعية الغربية اليوم على الاهتمام بدراسة العوامل الدينية لفهم سلوكات الأفراد وحركية المجتمعات، بل ينبغي أيضا أن تصبح، مثلا، الرؤية المعرفية الإبستيمولوجيا للديانات مصدرا لفهم طبيعة الأشياء والتنظير حولها في هذه العلوم6 كما تحاول هذه الدراسة إبراز ذلك حول طبيعة الثقافة.

سادسا: مؤشرات الملامح الميتافيزيقية للرموز الثقافية

بالنظر المتعمق إلى جوهر طبيعة الرموز الثقافية عند الجنس البشري يتبين أنها تتسم بلمسات متعالية ميتافيزيقية تجعلها تختلف عن صفات مكونات الجسم البشري وعالم المادة. فهوية الإنسان هي إذن هوية ثنائية: منظومة الرموز الثقافية، من ناحية، والعناصر العضوية البيولوجية والفيزيولوجية، من ناحية أخرى. وتبقى الرموز الثقافية هي الطرف الأبرز والأكثر حسما في تحديد هوية الإنسان ومن ثم سلوكه7. ولشرح ما نعنيه باللمسات المتعالية الميتافيزيقية للرموز الثقافية، نقتصر هنا على ذكر خمسة منها نعتبرها رئيسة:

1. ليس للرموز الثقافية وزن وحجم كما هو الأمر في المكونات البيولوجية الفيزيولوجية للكائنات الحية وعالم المادة الجامدة. إن فقدان الرموز الثقافية لعاملي الوزن والحجم يبدو أنه هو الأساس في تأهل الرموز الثقافية للاتصاف بالأبعاد المتعالية، الأمر الذي يجعل عالمها مختلفا عن كل من العناصر البيولوجية الفيزيولوجية وعالم العناصر المادية.

2. تتمتع الرموز الثقافية بسهولة سرعة انتقالها عبر المكان والزمان بسبب ما ورد في النقطة السابقة (1). ينطبق هذا بصورة مجسمة كاملة على استعمال الفاكس اليوم. فما يرسل في لمح البصر بهذا الأخير من رسائل ووثائق كان يحتاج في الماضي القريب إلى أيام أو أسابيع أو شهور حتى يصل إلى المرسل اليه بسبب إرساله بالبريد الجوي أو البري أو البحري. فلماذا هذا الفرق المدهش بين الفاكس والبريد في سرعة وصول نفس الشيء المكتوب المرسل؟ لأن الإرسال بالفاكس يلغي بكل بساطة صفتي الحجم والوزن من الشيء المرسل.

يجوز أيضا تعميم قانون سهولة سرعة الانتقال على كافة الرموز الثقافية الخالية من عاملي الحجم والوزن كالكلمة المنطوقة المرسلة عبر صوت الإنسان أو عبر الهاتف أو عبر المذياع أو التلفزيون أو أجهزة الاتصال الأخرى الحديثة. وينطبق ذلك أيضا على كل من الكلمة المكتوبة والمرسلة إلكترونيا بواسطة الإنترنت وعلى سرعة انتقال الصورة الحية أو الجامدة اليوم في لمح البصر عبر آلاف الأميال. ويرجع ذلك في المقام الأول إلى نزع عاملي الحجم والوزن منهما. فالكلمة المنطوقة والمرسلة مكتوبة على الأنترنت وصورة الفضائيات تفتقد كلها لعاملي الوزن والحجم.

3. لا تتأثر الرموز الثقافية بعملية النقصان عندما نعطي منها للآخرين كما هو الأمر في عناصر عالم المادة. فإعطاء الآخرين خمسين دينارا من رأس مالنا وقنطارا من قمحنا وعمارة من عماراتنا… كلها عمليات تنقص مما هو عندنا من ممتلكات مادية. أما إذا علّمنا (منحنا) الآخرين شيئا من معرفتنا وعلمنا وفكرنا وعقيدتنا وقيمنا الثقافية ولغتنا.. فإن ذلك لا ينقص شيئا من كل واحد من رموزنا الثقافية هذه.

4. للرموز الثقافية قدرة كبيرة على البقاء طويلا عبر الزمان في المجتمعات البشرية إذ قد يصل مدى بقائها درجة الخلود. فاللغة، وهي أم الرموز الثقافية، لها قدرة فائقة على تخليد ما يكتب بها بغض النظر عن محتوى المكتوب)8.

فالفكر البشري لا يكتب له الاستمرار والخلود الكاملين دون أن تحتضن مضمونه اللغات المكتوبة. فما كان لفكر كل من إخناتون وسقراط وأرسطو وابن رشد والغزالي وابن خلدون وروسو وديكارت وهيوم وغيرهم من المفكرين والعلماء… أن يتمتع بمدى حياة طويل من البقاء بدون تسجيله في حروف وكلمات اللغات البشرية المتنوعة التي تؤهله لكسب رهان حتى الخلود. أما على مستوى الحفاظ وتخليد التراث الجماعي للمجموعات البشرية، فإن للغات دورا بارزا بهذا الشأن. فاللغات المكتوبة على الخصوص تمكن المجموعات البشرية من تسجيل ذاكرتها الجماعية والمحافظة عليها وتخليدها رغم اندثار وجودها العضوي والبيولوجي ككائنات حية، ورغم تغييرها للمكان وعيش أجيالها المتلاحقة في عصور غير عصورها. فمحافظة لغة الضاد محافظة كاملة على النص القرآني خير مثال على مقدرة اللغة التخليدية بالنسبة لحماية الذاكرة والتراث الجماعيين من واقع الفناء المتأثر كثيرا بعوامل الزمن والبيئة والوجود الجسمي العضوي البيولوجي لذات تلك المجموعات البشرية.

5. ولا تقتصر هذه الأبعاد المتعالية المتافيزيقية للغة المكتوبة فقط، بل إن الاستعمال الشفوي للغة يقترن هو الآخر بدلالات متعالية ميتافيزيقية. أفلا يلجأ البشر من كل العقائد والديانات إلى استعمال الكلمة المنطوقة في تأملاتهم الكونية وتضرعاتهم وابتهالاتهم إلى “آلهاتهم” أو إلى أي شيء آخر يعتقدون في أزليته أو قدسيته؟ فبانفرادهم بنوعية اللغة البشرية عن بقية الكائنات الحية الأخرى يستطيع أفراد الجنس البشري أن يحرروا أنفسهم من العراقيل المادية لهذا العالم ويقيموا علاقات وروابط مع العالم المتعالي الميتافيزيقي. فبهبة اللغة البشرية ينجح بنو البشر في فك حصار المشاغل الدنيوية والآنية. وهكذا يصبح لقاءهم بالبعد الميتافيزيقي في شتى مظاهره أمرا لا مفر منه، فهم يرونه في أحلامهم ويحفل به خيالهم ويلتقون به عن قرب في تجاربهم الدينية.

6. تملك الرموز الثقافية قوة هائلة تشحن الأفراد والمجموعات بطاقات كبيرة تمكن أصحابها من الانتصار على أكبر التحديات بكل أصنافها المتعددة. فعلى سبيل المثال، قد أثبتت قيم الحرية والعدالة والمساواة عبر التاريخ البشري الطويل على أنها رموز ثقافية قادرة على شحن الأفراد والمجموعات بطاقات هادرة جبارة تشبه إلى حد ما القوى الماورائية الصاعقة التي لا يستطيع اعتراض سبيلها أحد. وهذا ما يوحي به قول الشاعر العربي التونسي أبي القاسم الشابي:

إذا الشعب يوما أراد الحياة

فلابد أن يستجيب القدر

فمصدر إرادة الشعوب الحقّة يكمن في عالم الرموز الثقافية؛ أي عندما يجمع الناس أمرهم للدفاع عن الحرية والمساواة والعدل وغيرها من القيم البشرية وعن حقهم في الاستقلال واحترام الذات يصبح رد فعلهم كرد فعل القدر الذي لا يبقي ولا يذر. وهذا ما يفسر لجوء الناس إلى الحديث عن المعجزات في بعض الأحداث الفردية أو الجماعية التي تدخل سجل التاريخ بالرغم من عدم توفر المعطيات المادية لذلك. إنها، في نظرنا، أحداث متأثرة في العمق بالسمة الخامسة المتعالية للرموز الثقافية كما وصفناها هنا.

سابعا: حوار وصدام الثقافات

كما أشرنا من قبل، نفضل هنا استعمال كلمة “الثقافات” بدل “الحضارات” في تحليل مسألة الحوار أو الصدام بين الأمم والمجتمعات. إذ أن الثقافات هي المؤسسة للحضارات وتجلياتها بما فيها القدرة على الحوار والصدام مع “الآخر”، كما أكدنا في بداية البحث.

ما من شك أن قضية حوار صدام الثقافات هي اليوم موضوع الساعة. يساعد مفهومنا للرموز الثقافية على المساهمة في فهم وتفسير حيثيات هذا الموضوع. يسهل الاشتراك أو التشابه في منظومة الرموز الثقافية بين الأمم والمجتمعات والجماعات على التواصل والحوار بينها؛ فالاشتراك أو التشابه بين تلك التجمعات البشرية في الرموز الثقافية أعز وأهمّ شيء يملكه الجنس البشري يعزز بالتأكيد من الاستعداد والتحمس والقدرة على الحوار والتفاعل على المستويين الفردي والجماعي بين تلك التجمعات. واللغة، أم الرموز الثقافية جميعا، هي أهم عناصر المنظومة الثقافية لفتح أبواب الحوار والتواصل بين الأفراد والمجموعات البشرية. ومن ثم يمكن القول بأن حوار الثقافات بين العالم الإسلامي، من ناحية، والعالم الغربي، من ناحية أخرى، يتطلب في المقام الأول من الطرفين معرفة لغات بعضهم البعض. وهذا ما هو مفقود عند الطرف الغربي نخبويا وشعبيا، وينطبق هذا أكثر على المجتمع الأمريكي ليس في فقدانه لمعرفة لغات العالم الإسلامي فحسب بل أيضا في عدم معرفته للغات الأجنبية بصفة عامة… وعلى العكس من ذلك، فإن لنخب العالم العربي الإسلامي معرفة واسعة ومتمكنة بلغات المجتمعات الغربية المتقدمة وفي طليعتها اللغتان الإنجليزية والفرنسية. وبازدياد نسبة التمدرس منذ استقلال المجتمعات العربية الإسلامية، فإن انتشار تعلم إحدى تلك اللغتين أو هما معا وغيرهما من اللغات الغربية؛ كالألمانية والإسبانية والروسية… أصبح واقعا اجتماعيا شعبيا لأغلبية فئات تلك المجتمعات. إن هذا الواقع اللغوي الشعبي يهيئ بالضرورة المجتمعات العربية الإسلامية ويعزز عندها هاجس التفتح والحوار مع المجتمعات الغربية وخاصة الأكثر تقدما، أما المجتمعات الغربية المتقدمة فليس لها ما يحفزها على نطاق شعبي واسع على تعلم ولو لغة واحدة من لغة العالم العربي الإسلامي. فهذا الأخير عالم متخلف لا يجذب الغربيين لتعلم لغاته. ويقتصر الأمر في أغلب الأحيان على تعلم بعض لغات العالم العربي الإسلامي لعدد محدود جدا من الأفراد من العلماء والمستشرقين والدبلوماسيين ورجال الأعمال والاستخبارات، كما يتجلى ذلك في الاهتمام المتزايد عند إدارة بوش في تعلّم اللغة العربية من طرف العاملين بوكالة الاستخبارات الأمريكية CIA.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق