ثقافة وفن

تفاهة الشر … حنة أرندت في القدس (2)

كريم محمد

مرّة أخرى، لم تكن النازيّة مجرّد حزب سياسي في ألمانيا، كما يوضّح زيجمونت باومن[4]، بل هي قدر ميتافيزيقي لحداثة سياسيّة كانت تعمل منذ قرون عدّة، وليس هتلر سوى حُلم تأجّل تحقيقه. ومن هنا، نفهم لماذا وقع فلاسفة كبار ألمان في فخّ هتلر. هل من المعقول أن يقع فيلسوف القرن الكبير مارتن هيدغر في النازيّة؟ هل يُعقل انضمام القانوني والفيلسوف السياسي كارل شيمت -“هوبز القرن العشرين”- في مصافّ النازيّة؟ علينا أن نتذكّر إجابة جيل دولوز، حين قال معلّقاً على وقوع هيدغر المريب في النازيّة بقوله: “كان على العار أن يدخل إلى الفلسفة[5]”.

ولنقف قليلاً مع تورّط هيدغر وشيمت وغيرهما في حركة نازيّة كهذه، حيث يمكننا القول إنّه في تاريخ الفكر، هناك دائماً وصمات عار على جبينه، كما استعرنا من دولوز قوله إنّه كان على العار أن يدخلَ إلى الفلسفة. صحيحٌ أنّ دولوز قال ذلك في سياقِ تعليقه على ‘نازيّة هيدغر، لكنّ العار كامنٌ في الفلسفة منذ القدم، حتى وإنْ صاحبَه السموّ حذوَ النّعل بالنّعل (إن كنّا هيغليين لوهلةٍ). كيفَ للهيدغريين المستميتين في هيدغيريّتهم أنْ يمسحوا عن جبين الفلسفة نازيّتها في العشرينيّات، والتي استدخلها هيدغر ممارسةً استدخالاً، وفكراً عن طريق التعظيم من شأن الألمانيّة كـ”لغة للكنيونة”؟

والحال أنّ كلّ الفلاسفة المعادين للسياسة، ومنهم هيدغر بلا منازع، لا بدّ وأنْ يكونوا فاشيين. ثمّة طهوريّة يظنّها البعضُ لدى مَن لا “يلوّثون” أنفسهم بالسياسة أنّهم الأحكم والأكثر تؤدةً ورويّة. إنّ ذلك مكمن الخطإ ولا بدّ. وههنا أنا أدافع عن حنّة أرندت وسبيلها النّظريّ في السياسة ضدّ هيدغر لا محالة. فهيدغر كلّ ما يقوله، بعد الأحداث النازيّة، هو أنّه ‘لا يحبّ السياسة‘، ‘لا يفهمها‘، فكيف نحاسبه على ذلك الإثم؟ وههنا إشكالٌ طريف. فالانفصال عن الواقع لا ينتج سوى الفاشيّة، العزلة فاشيّة، احتكار السياسيّ فاشيّة أيضاً. ولذلك نرى أنّ كلّ الأخلاقويين الذين ينأون بأنفسهم، في عالمنا  عن معترك السياسة هم، في واقع الحال، يؤيّدون كلّ اليمين أيّاً كان.

لقد كان ألتوسير محقّاً حينما اعتبرَ أنّ النظريّة هي سياسة بوسائل أخرى، أو هي الأيديولوجيا. لا يمكن أن تحتقر المجال الفعليّ للإنسانيّ (أي السياسة) إلّا إذا تمسّكتَ بما هو مستحيل. ولذلك، تعلّمنا أرندت أنّ السياسة هي مجال الفعل البشريّ الممكن. إنّها تحقيقٌ للإنسانيّ في أقصى صورته إمكانيّةً. ولا مناصَ منها ما دمنا نؤمن بفاعليّة الإنسان في التاريخ.

عوداً إلى ما سبق، فالنّازيّة مثّلت الشرّ في تجلٍّ سياسيّ مخيف، في واقعة أودت بحياة الملايين من اليهود، تحت ذريعة البحث عن الآريّة؛ وكأنّ الشر الأوروبيّ كان له أن ينفجر في لحظة تاريخيّة وقعت في ألمانيا. والشرّ النازي ليس شرّاً مُفاجئاً، بل هو صنيعة سياسيّة قد دُبّر لها منذ أمد.

  

2- –

الفيلسوفة اليهوديّة والألمانيّة –في آن- حنّة أرندت، كانت من الذين طالتهم يد النازيّة، وتم ترحيلها إلى خارج ألمانيا، حتى وجدت ملجأً وسافرت إلى أمريكا كي تقيم هناك ثمّ تتولّى مهامّ جامعيّة وتكمل مسيرتها هناك في أمريكا، في تلك الأرض التي نبتت بلا ذاكرة، والتي كانت بالنسبة إلى حنة أرندت في ذلك الوقت بمثابة “فردوساً أرضيّاً[6]”، بحسبها. أن تُهجّر يعني أن تصير بلا اعتراف، وقد عاشت أرندت في أمريكا ردحاً بلا اعتراف قانوني، عاشت كلاجئة، بكلّ بساطة وقسوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق