سياسة

جنسك شنو؟!

وليد دبلوك

لا قوى الحرية والتغيير، ولا الجبهة الثورية، ولا مجلسي السيادة والوزراء ولا من يعارض حكام اليوم او من يساندهم، كل أولئك لا يستطيعون حل مشكلات السودان المعقدة او حتى البسيطة منها 

    ولو توفر المال وهطل كما المطر على خزانة المالية، ايضا لن ينصلح الحال، ودونكم مليارات البترول في تسعينات القرن الماضي، مليارات وفرها البترول للخزينة العامة في عهد الانقاذ، ولم يتغير شيء سوى انتفاخ الجيوب والخدود والسامقات من البنايات وغيرها من مظاهر الترف، ويا ليتهم استغلوا تلك الفرصة ورفعوا الدعم كليا عن كل شيء لان ذلك كان هو الوقت الانسب لذلك عبر ضخ المليارات التي توفرت آنذاك …

لا إمكانية لحل المشكلات لان أساسها هو الانسان نفسه، المشكلة بكل بساطة ووضوح موجودة في الدواخل، في النفوس وفي الضمائر…

تتوافر الموارد بكل اشكالها، من كثافة سكانية متوازنة، موقع جغرافي مميز، معادن وبترول وذهب، والارض التي لاحد لخيراتها، فوق سطحها وتحت تبرها على امتدادات شاسعة واغلبها ارض خصبة …

بلد غريب يثير الحيرة والدهشة، ويبرز التساؤل المستمر، لماذا نحن متخلفون عن ركب الحضارة، لماذا نملك كل شيء، كل شيء، وليس لدينا شيء كاقتصاد.. هذا التساؤل يتسآله ايضا غير السودانيين، اجانب يسالوننا لماذا انتم في ما عليه الان وقد توافر لكم كل شيء .. ولا نجد سوى اجابة معهودة ومكررة وخاطئة ولكن كذبنا وصدقنا كذبتنا حتى صارت زورا وبهتانا حقيقة ..

ننسب التخلف ونجيب على السؤال ونرمي اللوم على شماعة الحكومة، ليست الحكومة الانتقالية الحالية وحدها، بل كل الحكومات، فما اتت عليه الانتقالية اليوم كان من اثار الذين من قبلهم، و أولئك يلقون الملام على من كانوا قبلهم، وذلك موجود بالصوت والصورة في البيان الاول وقائد الانقلاب يبرر الفعلة بان الاوضاع ساءت ووصلت الى حد لا يمكن السكوت عليه، لهذا انقلبنا لنصلح الحال الذي افسده الذين من قبلنا ..

ومنذ الاستقلال وعلى فترة الازهري، وتدخل البيتين الكبيرين في شأن البلد السياسي، وتبني كل بيت من بيوت السادة لحزب من الاحزاب، كانت المكايدة حاضرة وانصرف كل سيد بحزبه ليكيد للسيد الاخر وحزبه، ولم ينصرف اهتمامهم للوطن في شيء، وبلغ الكيد مداه بتسليم السيد عبدالله خليل مقاليد الحكم للعسكر، فكانت تلك الفعلة مدعاة وفاتحة لشهية العسكر في الحكم …

حتى الحكومات تلوم بعضها وتنسب اليها الفشل. تأتي حكومة وتذهب اخرى وبين هذه وتلك تبقى الاجابة التي تبرر بها كل حكومة سبب التخلف والمشكلات حتى تبرئ ذمتها من الحمل الثقيل …

لم تأت حكومة واحدة نسبت الى نفسها القصور او تحدث راس النظام عن تحمله مسؤولة الوضع ..

   لماذا؟ لماذا لا يتحدث مسؤولينا عن دورهم في تدهور وضع ما ناهيك عن ثبات التدهور في وضعه الراهن؟ …

الاجابة هي انه ما ان نصل الى نقطة النفس او الضمير يتغير الامر وتتشكل دفاعات الصد لتحمي النفس والضمير وتنسب الامر الى الغير ، افرادا وحكومات  ..

    تلك هي أزمتنا ومشكلتنا بكل وضوح .. نفوسنا غير متصالحة مع الغير. لا يوجد اتفاق او توافق جماعي على الوطن ..

التوافق والاتفاق فقط يتم بين البعض والبعض على البعض والاخر ..

الانفاق السري الغير ظاهر للعيان مهول وضخم جدا، وهو انفاق موجه لتدعيم النفس او الرأي او الفعل، وليس للوطن ..

نفوسنا بها خلل كبير، وعقد معقدة تعقيد عصي على الحل، نميل للعداء تجاه الاخر سياسيا ونخلق لأنفسنا خصوما من العدم ان لم نجد من نخاصمه.

نفوسنا ميالة لحب ذاتها، تتباهى بقبليتها وتضع لها المراتب العلا في تصنيف المكون البشري في المجتمع السودان، الشرف يتحقق وفق الانتماء للقبيلة وليس للوطن ..

يسال المرء اخيه (جنسك شنو)؟! فيرد في خيلاء عن جنسه ولأعزاء لجنسيته ..

تلك احدي إشكالاتنا العميقة وليس كلها .. القبلية والعنصرية إن لم تزول وتنمحي من الخارطة الاجتماعية في السودان فلن يتعافى الوطن.. وهي معضلة لها جذور عميقة للغاية ولكن ليس من المستحيلات قلعها وان كان ذلك صعب بعض الشيء لأننا نرضع اطفالنا لبن القبلية فينشأ وهو موقن بانه ابن القبيلة التي رضع لبنها ونبت منه لحمه ..

  ينبغي محاربة القبلية بداية بسحب كل سؤال في كل ورق ومستند رسمي يوضح او يسأل عن الانتماء من باب القبيلة. ومحاربة تلك المشكلة لها اسسها وطرقها وباحثوها المتخصصين..

نمت جنوب افريقيا من قبل ان تنال حريتها ويتقلد مانديلا الرئاسة، ولكنها واصلت النمو والازدهار بفضل سياسة مانديلا التي قامت على تذويب كل الاجناس والقبائل في عقيدة واحدة هي جنوب افريقيا الوطن، وعمد الى المصالحة الذاتية بين كل مكونات المجتمع فصفت النفوس ووجهت اعينها نحو الوطن فنما واذدهر لان القلوب مالت اليه لا لذاتها …

والمعجزة رواندا مثال عظيم يحتذى به ..  منذ تولي الرئيس (بول كانغامي) مقاليد الحكم بدأ بالحل من الذات والنفس، عمد الى تصفية نفوس المواطنين فيما بينهم، وانجز العدالة بحق من ارتكبوا المذابح والتصفيات العرقية، وسكنت النفوس .. ثم استنفر الجميع نحو رواندا لتصير دولة بمعنى الكلمة، وسار كل الروانديين خلفه موحدين قلوبهم تجاه بلدهم، فصارت رواندا في فترة وجيزة الدولة الثانية في النهضة وفق المؤشرات المختصة برصد معدلات نهضة الدول عالميا، وتخطط ليكون مستوى دخل الفرد فيها فوق المتوسط عام 2035، ومستوى دخل عالي عام 2050 … واطلقت قمرا فضائيا خاص بها، واصبحت مركز للتكنلوجيا المتطورة على مستوى القارة، وجذبت رؤوس الاموال العالمية، وشيدت شركة فلوكس فاغن مصنعا ضخما لصناعة السيارات في رواندا .. وتسير رواندا نحو العالمية المتقدمة بسرعة الضوء … وكل ذلك لان الحل فيها ارتكز على قاعدة الانسان والذات المتصالحة مع الغير ثم تكاتف الجميع بمختلف ميولهم وانتماءهم لأجل رواندا الوطن وليس القبيلة …

ونظل نحن في (جنسك شنو) 

مالم تتغير ثقافتنا لن يتغير حالنا.. ننظف منازلنا ونرمي النفايات في الشارع امام المنزل حاصرين الوطن في المنازل فقط.. مالم يسكن الوطن في القلوب فلن تذوب مشاكلنا مطلقا. وتلك مهمة تبدا من الاسفل، من النشء من غرس للقيم وحب الوطن منذ الصغر، ليكبر الوطن مع بنيه يبادلونه الحب بالحب، يعطونه السواعد التي تبني والعقول التي تبدع، ويعطهم الارض وخيراتها وسماءه وغيثها ..

    وعلى الساسة الدرس اقسى، يصعب تعليم الكبار حب الاوطان، وكل الخشية ان يكون بريق السلطة وجاه المنصب، قد اعمى قلوبهم وهم الذين يفترض فيهم القدوة في حب الوطن ..

لن يأتينا الحل على طبق من ذهب، ولن تمطر السماء علينا ذهبا، ولن تنبت الارض اموالا، ولن يسكب العالم ماله علينا إذ لأبنية تحتية جاذبة، ولا استقرار سياسي مطمئن ..

   الحل موجود عندنا وفينا، في استنهاض الهمة وبذل العذيمة للعمل الجاد المخلص، في الاحساس بان كل منا مدين لهذا الوطن ، ونحن من ينبغي علينا مسك زمام الامر ، حكام ومحكومين ..

انجزوا العدالة لتسكن النفوس وانبزوا القبلية واجمعوا الكل على الاحساس بالانتماء للوطن ..

اعلم جيدا ان حديثي جميل في متونه ولكن كيف يتحقق ذلك فعليا وساستنا يسوسون كيدا وغيظا وحسدا فيما بينهم!

من باب الامانة الاخلاقية التي تملي علينا ككتاب أن نكتب الصدق والحق والصحيح، نبصر الاخرين بالدروب الصحيحة من وجهة نظرنا، ولهم الخيار في سلك المسار للذي يشاءون.. ولا صلاح ولا تنمية ولا رفاهية إلا بسلك مسار تصحيح النفس والتسامح الذاتي بين كل مكونات المجتمع بكافة توجهاتهم التي لاتهم الغير في شيء طالما ليس هناك سعي لفرض رؤية ما على الغير، وتلك صورة مثلى لممارسة الحرية السليمة، وما نكتبه هو دور نمارسه بضميرنا وفاء منا للوطن وامانة نحملها لأجله ونكتب عل حديثنا يبلغ من بيده الامر …

والله عز وجل في كتابه الكريم قال :( إِن اللَّهَ لا يغير ما بِقوم حتى يغيروا ما بِأنفسهم) الرعد 11 ..

غيروا ما بأنفسكم وصارحوا ذاتكم واخلصوا النية للوطن .. وقد يتساءل البعض لمن اوجه قولي، إني اوجه قولي لنفسي بدءا، وللذين سألوني ولمن هو حاكم الان ومن هو معارض ولكل سوداني في السودان وخارجه ،، للجميع .

المكايدات السياسية، والكيد فيما بين الساسة، لن يجدي في شيء، وكل من يسعى ليحكم او يتمكن فإنه لن يخلد في الحكم ابدا    انما هي ايام معدودة ويذهب .. فليجعل عمله للوطن ويبذل كل جهده لأجل الوطن عله يترك سيرة طيبة تخلده، فالأعمال العظيمة تظل خالدة في التاريخ ..

اننا نملك الكثير من مقومات النهضة وتنقصنا فقط الارادة والعزيمة لتفجير كل الطاقات والمقومات ليصبح الوطن من رواد دول القارة ويحتل موقعه الطبيعي ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق