سياسة

المفكر في مواجهة النزاعات القبلية

محي الدين جمعة

من المؤسف أن تستمر النزاعات القبلية في دارفور ومناطق أخرى في السودان، المؤسف أن هذا السلوك غير الحميد كان سلوك النظام البائد، وعقلية السودان القديم، العقلية التي ظلت تدير، وتنظم هذه النزعات القبلية لمصالحها السياسية، واستخدام سياسات فرق تسد، وهي منهجية قديمة أستخدمها النظام الكولونيالي من أجل فتك النسيج الاجتماعي ما بين القبائل السودانية، وقد وظف هذأ المنهج في مستعمراته في أفريقيا. وهذا النهج لايزال باقياً في حقبة ثورة ديسمبر 2018م المجيدة، وهي واحدة من أزمات النخبة السودانية التي لم تفلح في إدارة التنوع الإثني والثقافي في البلاد منذ قيام هذه الدولة، بل تمادت في تبني العقلية الكولونيالية لإدارة القضايا الوطنية الداخلية بدلاً عن التفكير حول رفاهية هذه الشعوب، ولذلك وصفها البعض بالاستعمار الداخلي. أذ أن مسببات هذه النزاعات لاتزال قائمة كمفاهيم بين زعماء الإدارة الاهلية، وكما ذكرت في مقالات سابقة أن الاشكالية تكمن في اذهان الناس، الذين استهلكوا خطابات نظام الثلاثين من يونيو، وما قبله من خطابات السودان القديم و التي تُكرس لتأجيج النزاعات القبلية و العرقية والثقافية والدينية والعنصرية….الخ.

ويدير زعماء القبائل أفراد قبائلهم كأنما يديرون جيوش، وأفراد ينتمون الى الاجهزة الانتظامية، شُهد هذا في دارفور و جبال النوبة، افراد نظامين يتناقض عليهم الانتماء ما بين حماية الوطن، والدفاع عن القبيلة، وعند التخلص من مشاركتهم في هذه المعاك يصفونهم بمجهولي الهوية و الانتماء، (إشكالية حقيقة). إذ يوجهونهم اينما يشاؤون، إلى قود معارك قبلية، ثم يصلهوأ بينهم، ثم يقودون معركة أخرى وهكذا دواليك النزاع. ويمتلك بعض من زعماء هذه المكونات العرقية مدافع، وسيارات الدفع الرباعي، واسلحة ثقيلة، ومن الأشياء المؤسفة حقاً، هو مشارك المفكر في هذه النزاعات، ونقصد به، أي المفكر، بالشخص الذي تحصل على كم هائل من المعارف، وأصبح مؤهلاً فكرياً، وهو ينتمي إلى جماعته ثقافياً وبيولوجياً، الا أنه في نهاية الأمر، نجده الداعم الأساسي في تأجيج الصراعات، المخطط لها. فإن لم تصلح نفسك لا تستطيع أن تصلح الآخرين، فالدور الذي يلعبه المفكر، أو الناشط، أو المثقف، كبير، في مرحلة البناء، دوره في أعداد هؤلاء الزعماء الذين تربوا على قود هذه النزعات ولا شيء غيرها، تربوا على الاستعلاء العرقي، ولا شيء غيره، تربوا على عدم قبول الآخر، المختلف، ولا شيء غيره. فنقد ثقافياً لمكونك لا ينتقص من حقهم الوجودي أنما يسهم ذلك في تطور تلك الجماعة في تبني قضايا أخرى أكثر حيوية ووجودية، بدلاً عن قود الحروب، وفقدان الأفراد الأبرياء، المستغلين، المنتهكة حريتهم الفردية، وحقهم في الحياة، لصناعة أيديولوجيا وهمية، كما وصفها بنديكت أندرسون الجماعات المتخيلة.

دورهم في تقديم نقد تاريخي ثقافي التكوينات العرقية والثقافية، وتفكيك منابع خطابات الكراهية، وتأسيس وضعية ثقافية جديدة، على أسس جديدة، (السودان الجديد). مع توفر الحريات النسبية التي وفرتها ثورة ديسمبر المجيدة، نلاحظ هنالك حراك ثقافي كبير في جميع أقاليم السودان، نتمنى أن يستهدف هذا الحراك جذوة الازمة السودانية بشتى تمظهراتها وتمثيلاتها، والتي تعيد أنتاج نفسها بعد لحظة وأخرى، وهذا يتطلب التصدي لها بخطاب ثقافي نقدي مضاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق