سياسة

قراءات

عوامل تكوين إسرائيل (2)

محمدالمنتصر حديد السراج

نجد أن هرتزل صاحب كتاب (الدولة اليهودية) …يعتبر اليهود شعبا وأمة مميزة، استطاعت أن تحافظ على هويتها القومية خلال فترات التجوال والاضطهاد.  ويقول: (لا توجد أمة على سطح الأرض استطاعت البقاء عبر ذلك الصراع الذي مررنا نحن به).  غير أن العوامل والقوى الخارجية قد أدت في هذه الحالة الى قيام عناصر موحدة تفوق العناصر المفتتة وتتعداها، ان لم تعادلها في الثقل.  ويؤكد هرتزل: (كل ما هو غير صالح للبقاء يمكن القضاء عليه وسوف يتم القضاء عليه أو يجب القضاء عليه.  لكن قومية اليهود المميزة لا يمكن ولا يجب القضاء عليها ولن يتم القضاء عليها.  فلا يمكن القضاء عليها لأن الأعداء الخارجيين يعملون على تدعيمها.  وسوف لا يقضى عليها، إذ قد برهنت على ذلك 2000 سنة من العذاب الأليم.  ولا يجب القضاء عليها.  وهذا ما أحاول أن أبرهن عليه مرة أخرى في هذا الكراس، بصفة كوني خلفا لذلك العدد من اليهود الذي لا يحصى والذين رفضوا اليأس.  قد تذوي غصون وفروع بأكملها من اليهودية وتتساقط، لكن الجذع باق).

لقد تعرض اليهود، كأمة تتحلى بتلك الصفات، الى الاضطهاد.  لذا يغدو اضطهاد اليهود موافقا للشخصية القومية اليهودية ومناسبا لها.  لكن اليهود، كما يتحدث عنهم هرتزل، كانوا خاملين سياسيا خلال فترة شتاتهم.  وكانت تنقصهم (الزعامة السياسية الموحدة).  هذا ما يعتبره هرتزل السبب لشقائهم.  وبناء عليه يصبح الاضطهاد اليهودي مرادفا لحالة السبات اليهودي السياسي.  وبتعبير آخر، إن اضطهاد اليهود والقومية اليهودية ليست سوى وجهين لعملة واحدة. 

إن إعادة خلق القومية اليهودية الصحيحة تتم عن طريق استعادة الزعامة السياسية و إعادة بناء الدولة اليهودية.  ويتضمن ذلك حلا طبيعيا للمشكلة اليهودية.  فما إن يكتسب اليهودي شخصيته القومية من جديد، حتى يعقد صلحه مع العالم.  لذلك تصبح الخطة لإعادة الأمة الى قوميتها، وكما يراها هرتزل، من قبيل بذل الجهد الفعلي لأجل إحلال السلام:

(فقد تمر سنوات كثيرة، حتى في ظل ظروف مؤاتيه، قبل الشروع بإقامة الدولة.  وفي تلك الأثناء يتعرض اليهود في شتى الأماكن المختلفة للشتم والإهانة وسوء المعاملة والاعتداء بالضرب والانتهاك والتحقير والموت.  غير أن الخطوات الأولية نحو تنفيذ الخطة لن تضع حدا نهائيا لمعاداة السامية الى الأبد بهذه الطريقة.  ما نسعى إليه هو معاهدة للسلام.

يعتمد الإحياء القومي اليهودي، الذي يعتبره هرتزل حلا للمشكلة اليهودية، على (إرادة) اليهود.  (يريد اليهود.. سوف تكون لهم وسوف يكسبونها بأنفسهم).  إن قوة العزم والتصميم المتضمنة تستمد، في هذه الحالة، من التصور اليهودي التاريخي للأمة القومية ومن الحدة المتراكمة للمشاعر اليهودية.  (فقد لعب اليهود أدوارا رئيسية في الحركات الثورية التي قامت داخل بلدان شتاتهم.  وساعدهم ذلك على إيجاد متنفس لموقفهم الثائر إزاء الوضع الراهن.  بينما حركتهم الثورية الخاصة بهم تخدمهم بصورة فضلى، لأنهم يحققون يهوديتهم الصحيحة عن طريق تحقيقهم لإقامة الدولة الخاصة بهم).  هناك عامل جوهري آخر لدفع الحركة في طريق النجاح، بالإضافة الى (الإرادة).  هذا العامل هو (الإمكانات والثروات المادية).

وعلى الرغم من أن الثورة القومية اليهودية تحظى بتأييد مباشر من جانب (المتهورين)، فهي سوف تتغلغل في جميع طبقات الشعب اليهودي وفئاته.  فلا يرى هرتزل من حاجة هناك الى (بذل الجهود الكبيرة) لحث الحركة.  بل يفترض أن (اللاساميين (المعادين للسامية) سوف يزودونها بالدوافع والحوافز اللازمة).  وهو يقول: (أنا أعتقد، وليسائل كل إنسان نفسه فيما إذا كنت مصيبا أم لا، بأن الضغط الذي يلقي بثقله علينا يولد رغبة في الهجرة حتى بين الطبقات الموسرة والرخية في المجتمع.  لكن أفقر طبقاتنا تكفي وحدها لإقامة دولة، لأن هؤلاء يشكلون أقوى الغزاة، ولأن القليل من اليأس لابد منه في تكوين مشروع عظيم).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق