ثقافة وفن

قراءة في كتاب

النقد الأدبي في مقدمة ابن خلدون ... قراءة أولية (1)

د. عبد الرحيم العلمي

تخلق قراءة الفكر الخلدوني، باهتماماته غير المتناهية، لدى القارئ حالة من الاندهاش المتواصل عبر فصول المقدمة، وغيرها من الكتابات، مثلما تخلق لديه قناعة راسخة بأربعة ثوابت تصاحبه عند قراءة كل العلوم التي تناولها ابن خلدون، بما فيها النقد الأدبي طبعا:

ـ أولها: أن عبد الرحمن كان يجسد مفهوم “المشاركة” بمعناها الانسيكلوبيدي المتعارف عليه في القرون الوسطى. فمن حيثما تناوله الباحث، يجده متخصصا دقيقا، عميق التحليل. إن من يدرس ابن خلدون يجد نفسه أمام مخزون معرفي لا آخر له، “لقد اهتم بكل شيء لكي يغير كل شيء” كما يقول.د. محمد عزيز الحبابي.

ـ ثانيها: أنه كان عملاقا في سعة علمه، لكن أيضا في جرأته ومنهجه المتطور في معالجة الأمور. لقد كان صاحب رؤية متميزة تبتغي التجديد في كل المجالات التي تناولها إلى حد التشابه في كثير من الأحيان مع النظريات الحديثة.

ـ ثالثها: لكن هذا النزوع: إلى تجاوز فكر العصر: لا يسمح بمحاكمة ابن خلدون خارج سياقه التاريخي كمفكر عاش في مرحلة القرون الوسطى، مما قد يفضي، وهو ما حصل فعلا، إلى الحكم عليه بالرجعية والتخلف في المنهج والفكر.

ـ رابعها: أنه واحد من أكثر المفكرين المسلمين إثارة لفضول الباحثين المعاصرين واستقطابا لدراستهم، مؤرخا، واجتماعيا، واقتصاديا، وفيلسوفا، ومربيا، وسياسيا، وقاضيا، وسفيرا، ورحالة…الخ، إلا أن هناك جوانب هامة من فكره غابت عن أصحاب هذه الدراسات، كالتصوف مثلا الذي ألف فيه كتابا على جانب كبير من الأهمية هو: شفاء السائل بتهذيب المسائل”، وأهلته تجربته فيه لأن يتولى مشيخة الخانقاه (الزاوي) البيبريسية بالقاهرة… وكالشعر الذي خلف فيه عددا كبيرا من النصوص الجيدة، وكتب عنه فصلا طويلا في المقدمة يدل على تمكن من أدواته، وتاريخه، وكالفقه والمنطق… إضافة إلى النقد الأدبي موضوع هذا البحث.

فالنقد الأدبي، كاهتمام فكري وكممارسة فعلية تدخل في صميم التجربة الأدبية، واحد من بين العلوم التي خفيت عن الدارسين، رغم أن ابن خلدون انشغل به، واجتهد في تجديد مناهجه وأحيانا تجاوز بعض الضوابط. والمسلمات الكلاسيكية فيه. وإن انتبه إليه بعضهم – وهم قليل جدا- فمن باب الإشارة العارضة فحسب.

من هؤلاء نذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني المؤرخ الذي ذكر في كتاب “رفع الإصر عن قضاة مصر” أنه اجتمع بابن خلدون مرارا وسمع من فوائده ومن تصانيفه خصوصا في التاريخ. وأنه: “كان لَسنا فصيحا حسن الترسل، وسط النظم، مع معرفة تامة بالأمور، خاصة متعلقات الملكة. وأنه كان جيد النقد للشعر، وإن لم يكن بارعا فيه”[1].

وأثنى عليه أيضا صديقه ابن الخطيب لسان الدين، وأشاد بإجادته في الأدب والشعر: “.. كثير الحفظ صحيح التصور. وأما نثره وسلطانياته السجيعة، فخلج بلاغة ورياض فنون، ومعادن إبداع يفرغ عنها يراعه الجريء…”[2]. وكذلك فعل أبو الوليد بن الأحمر[3]، والمقريزي[4].

وفي العصر الحديث، تنبه أستاذنا الدكتور عبد الله الطيب إلى هذا الأمر، وأشار إلى أن ابن خلدون ظُلم مثلما ظُلم القاضي عياض اليحصبي، وابن جرير الطبري، وأبو حامد الغزالي، وغيرهم، الذين اكتفى الباحثون بما اشتهروا به من علوم لدى الناس، وغضوا الطرف عن ما سوى ذلك. يقول متحدثا عن عراض الناقد: “هذا ولا يخفى أن كبار العلماء قد كانوا – بحكم تبحرهم في العلوم ومعرفتهم بالعربية وآدابها أيضا أدباء. وإنما غلب عليهم اسم العلم لقوتهم فيه. وربما كان الرجل من هؤلاء موسوعة ضخمة من ألمعكم والإتقان فاشتهر بما نظن أنه تخصص فيه دون سواه، مع دقة غوصه وبعد نظره في ذلك. مثلا محمد ابن جرير الطبري قد ضمن كتبه الاختيار النادر في الشعر، والحجج الجيدة في تحليل المعاني، والنظر الفاحص في مسائل النحو، مع الموازنة القليلة النظير بين مذاهب أهل الكوفة وأهل البصرة. وابن خلدون قد تناول موضوعات جيدة مما يدخل في صميم النقد وتاريخ الأدب. والغزالي قد تناول مسائل من أمهات علوم الاجتماع لاشك أن ابن خلدون قد انتفع بها في المقدمة”[5]. وقال عنه أيضا د. عمر فروخ أنه: “أديب وشاعر وناقد”[6].

وكما أشار أبو القاسم محمد كرو إلى الشهرة الأدبية الملحوظة لابن خلدون[7] فإن أستاذه في هذا المجال، ساطع الحصري أثبت أنه كان صاحب اطلاع واسع، وتعمق كبير في النقد الأدبي، وبالأخص منه ما ورد في كتاب الأغاني[8] الذي ذكره في المقدمة أكثر من ست مرات. وذهب إلى مثل هذا الرأي أيضا محمد بنتاويت والصادق عفيفي[9]، وعبد المنعم خفاجي[10] ومحمد رجب البيومي[11] وغيرهم.

غير أن د. إحسان عباس ذهب إلى أبعد من هذا حين جعل ابن خلدون: “أعظم ناقد في هذا العصر، رغم أنه لم يزاول النقد الأدبي ولم يمنحه من جهده الشيء الكثير”[12].

والواقع أن النقد الأدبي لم يكن بعيدا عن مجال اهتمام ابن خلدون خصوصا إذا علمنا أنه قبل اشتهاره بالعلم كان أديبا وشاعرا، يشهد بذلك ما ذكره ابن الخطيب من أنه شرح البردة، وشرح ألفية له، أي لابن الخطيب، في أصول الفقه هي “الحلل المرقومة في اللمع المنظومة “شرحا” لا مزيد عليه من البراعة والكمال”[13].

هذا بالإضافة إلى ما تجده بكثرة في الإحاطة من أشعار فيها الكثير من المهارة الدالة على تمرس بنظم الشعر. ولعل هذا ما دفع بغاستون بوتول إلى أن ينسب إليه ؛ (أي إلى ابن خلدون) ما أورده في آخر المقدمة من أشعار باللغة العامية إذ رأى أن هذه الأغاني “مفتعلة” على حد تعبيره[14].

هذه كلها مجموعة مؤشرات تكشف أساسا عن انتباه المفكرين إلى عمق اهتمام ابن خلدون بالأدب ممارسة ونقدا، وإن كانت لم تتجاوز مستوى الانتباه والملاحظة إلى الدراسة.

وجدير بالإشارة هنا أننا سنحاول أن نتحاشى نظريات ابن خلدون الألسنية واللغوية، وإن كانت ذات علاقة وطيدة بالنقد الأدبي، فقد تناولها بالتفصيل عدد من الباحثين[15]. كما أننا لم نلتفت إلى تعليقاته النقدية التي ترد على مدى صفحاتها المقدمة حول بعض النصوص الشعرية والنثرية، لأننا ركزنا على أهم المحاور الأساسية في الموضوع، وإلا فالموضوع، لسعته وتعدد جوانبه، في حاجة إلى عدة أبحاث متخصصة سنوردها في موضع لاحق.

1. مفهوم الأدب

إن أول ما يسجله الباحث هنا، هو أن ابن خلدون لم يقدم تعريفا صريحا للأدب بمعنى دقيق. بل أورد ما يشبه “مجموعة إيضاحات” حول هذا العلم. فهو يعتقد أن الأدب لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور (سيعرفهما فيما بعد كلا على حدة). ويلاحظ أن هذا التقسيم الثنائي يتكرر عشرات المرات في المقدمة. مؤكدا انفصال الفنين من حيث الأدوات والخصائص، واتصالهما من حيث انتماؤهما إلى علم الأدب.

بعد هذا يستعرض ابن خلدون مجموعة من الأدوات المفيدة لطالب البراعة في هذا العلم: “… وإنما المقصود به عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم. فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الملكة من شعر عالي الطبقة، وسجع متساو في الإجادة، ومسائل في اللغة والنحو مبثوثة أثناء ذلك متفرقة يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية، مع ذكر بعض أيام العرب يفهم به ما يقع في أشعارهم منها، وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة والأخبار العامة. والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه، لأنه لا تحصل الملكة من حفظه إلا بعد فهمه”[16]. ويحتاج الأديب كذلك إلى معرفة علوم أخرى لا مناص له عنها كالقرآن والحديث والاصطلاحات العلمية[17].

بعد هذا يحدد ابن خلدون أمهات المصادر الضرورية لتأسيس ثقافة أدبية في أربعة: “أدب الكاتب” لابن قتيبة، و “الكامل” للمبرد، و” البيان والتبيين” للجاحظ، و “النوادر” لأبي علي القالي. وأما سواها: “فتبع وفروع”. على أنه ألح في غير ما موضع من المقدمة على أهمية كتابين آخرين أثنى عليهما كثيرا، هما: الغاني والعمدة اللذين يبدو أنه تأثر بهما إلى حد كبير حسبما تدل عليه كثرة استشهاده بأقوالهما وآرائهما. كما أن تعريفه للآداب لا يخلو من تأثر بالأصبهاني في إدراج الغناء ضمن فنون الأدب[18]. في حين أن كثيرا من العلماء أدرجوه ضمن: ” علم الأصوات”.

2. ماهية الشعر

الواقع أن ابن خلدون أوهم بعض الدارسين بوجود تناقض في تعريفين أوردهما للشعر. وذلك ما جعل د. إحسان عباس[19]، يتجاهل أحدهما ويثني على ملامح التجديد في الآخر.

1. التعريف الأول يقول فيه: “اعلم أن لسان العرب وكلامهم على فنين: فن الشعر المنظوم، وهو الكلام الموزون المقفى…”[20] وهو تعريف مألوف لدى أغلب النقاد العرب القدامى كابن رشيق[21]، الذي أثنى عليه ابن خلدون في عدة مواضع من المقدمة. إلا أن ابن خلدون سوف يسخر منه ويستخف بأصحابه في موضع آخر. ولعل ذلك راجع إلى أنه أورده في معرض الحديث عن العلوم والفنون والملكات، التي تستلزم تعريفات وصفية ظاهرية فحسب. فكان الغرض منه وصف الشعر بشكل عام كنمط تعبيري من حيث قواعده الكبرى وضوابطه ولذلك جاز أن نسمي المعرف هنا “نظما” (إذ ليس كل نظم شعرا). لكن حين ينتقل ابن خلدون إلى مستوى آخر، يتغاضى عن التعريف الأول، ويطرح تصورا نقديا دقيقا لخصائص وجزئيات العملية الإبداعية، مما يمكن إدراجه في صميم الممارسة النقدية. وكأنه يخاطب في التعريف الأول قارئا من مستوى أول (الباحث عن تعريفات عامة للعلوم، وفي التعريف الثاني الباحث عن وسائل وأدوات التمكن من الملكة الشعرية).

2. التعريف الثاني، وفيه يرفض ما أثبته أولا. يقول، بعد أن تحدث عن الشعر والملكة الشعرية كيفية تحصيلها؛ وقول العروضيين في حده إنه الكلام الموزون المقفى ليس بحد لهذا الشعر الذي نحن بصدده، ولا رسم له، وصناعتهم إنما تنظر إلى الشعر باعتبار ما فيه من الإعراب والبلاغة والوزن والقوالب الخاصة. فلا جرم أن حدهم ذلك لا يصلح له عندنا، فلابد من تعريف يعطينا حقيقة من هذه الحيثية فنقول؛ الشعر هو الكلام البليغ المبني على الاستعارة والأوصاف، المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وبعده، الجاري على أساليب العرب المخصوصة به”[22].

يفهم من النص إذن، الشعر ينبني على ستة مقومات:

أ. البلاغة.

ب. توظيف الاستعارات والأوصاف.

ج. الوزن.

د. الروي.

ﻫ. وحدة البيت.

و. الجريان على الأساليب المخصوصة به عند العرب. وإلا فهو نظم فقط. (على أن كلام ابن خلدون كان عاما في هذا الشرط الأخير، فلم يوضح بدقة أساليب العرب الواجب جريان الشعر عليها، وإن كان قد أشار في موضع آخر إلى أن خلوه منها هو ما أخرج المتنبي والمعري من دائرة الشعر. ولعله كان يقصد بذلك ما اصطلح عليه “بكثرة الماء” في الشعر. يفهم ذلك من خلال ما استشهد به أشعار الجاهليين التي تخلو من الطابع العقلي الفلسفي وتمتلئ بالقوة والجزالة مع الطبع).

3. الحد بين الشعر والنثر

إن تحديد مفهوم الشعر يقود بالضرورة إلى المقارنة بينه وبين النثر ورسم مجال كل منهما كنمطين تعبيريين لهما من التداخل والتمايز ما يجعل طرح هذه المقارنة جزءا أساسيا من فهم العملية الإبداعية الأدبية بشكل عام.

يحاول ابن خلدون في هذا السياق أن يضع لكل منهما حدا خاصا به، منتقدا بذلك الخلط السائد عند كتاب زمانه، الذين يستعملون السجع المفرط والقافية، ويقدمون النسيب بين يدي الأغراض، وما إلى ذلك من المبالغات التي تجعل النثر شعرا دون وزن، وهذا في رأيه غير صواب في باب البلاغة: “…واعلم أن لكل واحد من هذه الفنون أساليب تختص به عند أهله ولا تصلح للفن الآخر… وقد استعمل المتأخرون أساليب الشعر وموازينه في المنثور من كثرة الأسجاع والتزام التقفية وتقديم النسيب بين يدي الأغراض. وصار هذا المنثور إذا تأملته من باب الشعر وفنه، لم يفترقا إلا في الوزن. واستمر المتأخرون من الكتاب على هذه الطريقة واستعملوها في المخاطبات السلطانية، وقصروا الاستعمال في المنثور كله على هذا الفن الذي ارتضوه وخلطوا الأساليب فيه، وهجروا المرسل وتناسلوه، وخصوصا أهل المشرق”[23].

والواقع أن ابن خلدون التزم بهذا التصور فعلا في نثره عموما، وفي كتاباته ومراسلاته السلطانية، إذ اعتمد على الترسل وخلا من البديع والسجع الذي هيمن على أسلوب الكتابة في القرن 8ﻫ.

أما ما تجده في الثناء على ابن الخطيب بأنه: “آية من آيات الله في النظم والنثر والمعارف والأدب، لا يساجل مداه… ولا يهتدى فيها بمثل هداه… فهو إمام النظم والنثر في الملة المحمدية من غير مدافع”… مع ما عرف عن ابن الخطيب من الولع بالسجع والتكلف فيه، من إقرار بجمالية هذا الأسلوب، فإنه ثناء أدبي صاحبته شروط تختلف، وسياق يستدعي المجاملة والتودد أكثر مما يستدعي التقويم والممارسة النقدية[24].

ويدافع ابن خلدون عن هذا الموقف انطلاقا من القاعدة الجاحظية: “لكل مقام مقال”، فيخلص إلى أن للشعر أمورا تناسبه كالتزيين (ومنه القافية، واللوذعية، وخلط الجد بالهزل والوصف، وضرب الأمثال، والتشبيهات والاستعارات، وغيرها) مما لا يتناسب والمخاطبات السلطانية التي ينبغي أن تستجلب الرهبة في قلوب المخاطبين. وفي المقابل يرى أن مما يناسب النثر: الترسل ونبذ السجع إلا في النادر، وإعطاء المقام ما يستدعيه من إيجاز أو إطناب، وحذف أو إثبات، وتصريح أو إشارة وكناية واستعارة. وأما نقل مواصفات الشعر إلى النثر. فمذموم عنده.

ويتساءل ابن خلدون عن أسباب هذه الظاهرة، فيخلص إلى أنها ترجع إلى ما شاب لغة أهل العصر من عجمة وضعف في الملكة جعلاهم، وبالأخص منهم المشارقة، يجتهدون في التستر على عجزهم ذلك بالتزويق اللفظي، فولعوا بالبديع والتجنيس ولو على حساب الإعراب والنحو.

4. مفهوم البلاغة (الزجل والشعر

غير العربي)

الحقيقة أن موقف ابن خلدون في هذه القضية يمثل ثورة على مفهوم البلاغة الكلاسيكي. فمن المعلوم أن المشددين من قدماء النقاد العرب وخصوصا الفقهاء منهم جعلوا الفصاحة مقتصرة على اللغة العربية لأنها القرآن ولغة أهل الجنة… وسموا من سواهم من الأمم الأخرى الأعاجم تشبيها لهم بالحيوان العجم لأنهم يتكلمون لغات لا تبين ولا تعرب.

لم يكتف ابن خلدون بإقرار وجود الإفصاح في اللغات الأخرى بل أقر بوجود الشعر فيها أيضا، باعتبار أن لكل لسان لغة بلاغة وفصاحة تخصانهما. يقول: “هذا الفن من فنون كلام العرب وهو المسمى بالشعر عندهم، يوجد في سائر اللغات، إلا أننا الآن إنما نتكلم في الشعر الذي للعرب، فإن أمكن أن تجد فيه أهل الألسن الأخرى مقصودهم من كلامهم، وإلا فلكل لسان أحكام في البلاغة تخصه، وهو في لسان العرب غريب النزعة عزيز المنحى[25].

وفي موضع آخر، يطلق ابن خلدون القاعدة الأدبية التي لا نعلم أن أحدا من النقاد العرب القدماء التفت إليها قبله. وهي المنطلق الأساس الذي لا يمكن بدونه خلق أي شكل من أشكال التواصل مع الثقافات الأخرى غير العربية. إنها بمعنى آخر دعوة إلى الانفتاح على الآخر من خلال النص الإبداعي: “اعلم أن الشعر لا يختص باللسان العربي فقط، بل هو موجود في كل لغة، سواء كانت عربية أو عجمية. وقد كان في الفرس شعراء، وفي اليونان كذلك وذكر منهم أرسطو في كتاب المنطق أو ميروس الشاعر، وأثنى عليه. وكان في حمير أيضا شعراء متقدمون”[26].

ومن جهة أخرى، كان لسان مضر قد تحول في القرن 8ﻫ تدريجيا إلى مجموعة من اللهجات المتباينة فيما بينها حسب المناطق سميت آنذاك “بلغة أهل الأمصار” التي تمخض عنها شعر ملحون ينظمه أهل كل مصر بلغتهم، ولا يراعون فيه الإعراب والقواعد النحوية. فنبذه المتأدبون ورفضه النقاد، وأنفوا عن تسجيله في مصنفاتهم رغم أنهم قد يستحسنونه خفية، فباستثناء ما أورده الشعراء الزجالون من آراء في مقدمات دواوينهم (كابن قزمان مثلا) فإن هذا الشعر الملحون بقي على هامش النقد والأدب العربيين مدة ثلاثة قرون على الأقل إلى أن كتب عنه ابن خلدون ودافع عنه بقوة في فصلين كاملين من مقدمته هما: “أشعار العرب وأهل الأمصار لهذا العهد”، و”الموشحات والأزجال للأندلس”.

في البداية يعرض ابن خلدون تطور اللغة العربية وفسادها في الأمصار، ثم يشرع في استعراض التغيرات التدريجية التي دخلت على القصيدة الخليلية، لقد لجأ الشعراء أول الأمر إلى اللحن فيها كي تناسب إيقاع الموسيقى في الغناء. (ويشير إلى أن معاصريه من علماء اللسان كانوا يستنكرونها). وقد أعلن ابن خلدون عن موقفه صريحا من هذه الأشعار. فوصفها بالبلاغة، ونعت أصحابها بالفحولة: “ولهؤلاء العرب في هذا الشعر بلاغة فائقة، وفيهم الفحول والمتأخرون والكثير من المنتحلين للعلوم لهذا العهد، وخصوصا علم اللسان، يستنكرون هذه الفنون التي لهم إذا سمعها، أو يمج نظمهم إذا أنشدوا، يعتقد أن ذوقه إنما نبأ عنها لاستهجانها وفقدان الإعراب منها، وهذا إنما أتى من فقدان الملكة في لغتهم. فلو حصلت له ملكة من ملكاتهم لشهد له طبعه وذوقه ببلاغتها إن كان سليما من الآفات في فطرته ونظره. وإلا فالإعراب لا مدخل له في البلاغة. إنما البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى المقصود ولمقتضى الحال”[27].

إن البلاغة، بهذا الاعتبار، قد تتحقق في غياب الإعراب (بالمعنى المتعارف عليه). لأن الإعراب عند هؤلاء الشعراء اللاحنين يتحقق بقرائن يتعارفون عليها ولا ينبغي أن تخضع للنحو العربي الموروث. ويمثل على بلاغة هذا الشعر بثلاثة عشر مقطوعة بعضها من المطولات، مشيرا إلى اختلاف الإطلاقات الاصطلاحية، فهو يسمى لدى المشارقة “بالبدوي” ولدى المغاربة “بالأصمعيات”، وإذا غنوه سموه بـ”الحوراني” نسبة إلى حوران من أطراف العراق والشام.

أما أهل الأندلس، فقد استحدثوا بدورهم فنا شعريا سموه: “الموشح”، وبرعوا فيه حتى أتوا “بالبديع العجيب”: “… ينظمونه أسماطا أسماطا وأغصانا أغصانا يكثرون منها ومن أعارضيها المختلفة، ويسمون المتعدد منها بيتا واحدا، ويلتزمون عند قوافي تلك الأغصان وأوزانها متتاليا فيما بعد… وتجاروا في ذلك إلى الغاية، واستطرفه الناس جملة، الخاصة والكافة لسهولة تناوله وقرب طريقه…”[28]. ثم يورد مجموعة من الموشحات (تدل على محفوظه الكبير في هذا الباب)، لأبي بكر ابن زهر، وعبادة القزاز، وابن أرفع رأسه، والأعمى الطليطلي، ويحيى بن بقي، وأبي بكر الأبيض، والحكيم أبي بكر بن باجة، ومحمد بن أبي الفضل بن شرف الدين حاتم بن سعيد بن موصل، وأبي إسحاق الرويني، وأبي الحسن بن سهل، وابن حيون، والمهر ابن الفرس، وابن جرمون، وأبي الحسن بن الفضل، وأبي بكر بن الصابوني، وابن خلف الجزائري، وابن هزر البجائي، وابن الخطيب…

غير أن المشارقة عندما نظموا على نمط الموشح، جاؤوا بالرديء المبتذل نظرا للتآكل الظاهر عليه. وهو أمر ينسجم في نظر ابن خلدون مع منطق الأشياء. إذ أن لكل مصر سعرا يعبر عن حال أهله. فإذا كانت القصيدة الخليلية في المغرب تتسم عموما بالتكلف “وقلة الماء”[29] لأنها واردة عليه من محيط مغاير، فإن الأمر نفسه حصل مع الموشحات التي برع أهل الأندلس فيها، فلما وردت على المشارقة وحاولوا النظم فيها جاءوا بالرديء المتكلف.

(مجلة الرابطة المحمدية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق