آراء

كوكاسيات

شعوب في قاعة ‬الانتظار

عبد العزيز كوكاس

لو استطعنا أن نحصي بعدّاد دقيق ساعات أيامنا، لوجدنا أن أكثر من ثُلثي عمرنا نقضيه في غرفة الانتظار، كلنا أصبنا بلعنة الانتظار.. فمنذ أن نستيقظ في الصباح إلى أن نضع رأسنا على الوسادة لنستدرج النوم إلى أجفاننا، هناك مساحة زمنية رخوة، مليئة ببياضات شاسعة من الفراغ والانتظار حتى يبدو كما لو أن المجتمع بجميع أفراده وبنياته ومؤسساته قد أصيب بهذه اللعنة.. الأمر يمس الأفراد كما الجماعات حتى لتبدو شعوبنا كلها في قاعة انتظار واسعة.

يبدو الزمن العربي في بعده النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي شاسعا وبطيئا، وحين يتسارع فجأة، يبرز كما لو أنه يختزل ما فاته. في كوارثه وأعطابه، مثل الموت التي نقول إنها وحدها تأتي دفعة واحدة!

إن أحد المفاتيح الأساسية لبوابة الحداثة تتمثل أساسا في الإحساس بالزمن.. وهو ما لا يدخل في صياغة أسئلتنا الجوهرية، حتى أن جزءا من علبة عقلنا لا يشتغل إلا في حالات الانتظار، في الغياب لا في الحضور..  يضع الاحتمالات ويضرب أخماسا في أسداس، ويرتب الأحلام ويخمن الممكنات، مما يبعد جسدنا الواقعي بكل تجلياته من أن يعيش تاريخيته.

والانتظار أنواع، من انتظار المعلوم إلى انتـظار المجهول، الذي قد يأتي أولا يأتي كما غودو.. فالتلميذ ينتظر نهاية السنة أو العطلة مثلما ينتظر غياب الأستاذ، والموظف البسيط ينتظر نهاية الشهر بصبر أيوب، والفلاح الصغير ينتظر هبة السماء لتنزل مطرا، والإداريون ينتظرون يوم الجمعة ليس للصلاة وإنما ليغيبوا عن العمل منذ صباح الجمعة حتى يوم الاثنين، إذ أن أطول جمعة هي لدى موظفي إدارتنا، وحين يطلب المواطن ورقة إدارية أو شهادة رسمية تقول له الموظفة بتكشيرة بارزة: “انتظر، الموظف المسؤول لم يأت بعد، عليك أن تنتظر”، وحين يأتي الموظف يقول له: “انتظر لأن المدير الذي سيوقع الوثيقة غائب”، وبعد طول انتظار يقول له: “عد غدا أو بعد غد”، والبسطاء ينتظرون الحافلة “الثقيلة” المزدحمة أو القطار الثقيل الذي يتأخر دوما لساعات طويلة بدون اعتذار، والفقراء ينتظرون شراء موادهم وسلعهم حتى ترخص الأثمنة في السوق ليوفروا بعض السنتيمات لسد ثغرات حاجيات أخرى ضرورية، وهناك من ينتظر موت قريب ليستولي على ماله وأشيائه.. أو ينتظر أوراقا إدارية ظلت الطريق في دواليب وأروقة العمالة والمقاطعة، وشباننا ينتظرون العمل الشحيح ويحلمون بليلاهم والشابات تحلمن بقيس حياتهن… شعب بكامله في قاعة الانتظار، يربي آماله ويروض أحلامه وينتظر، نحن لا نعمل من أجل أن نحصل على ما نريد، شعوب كسولة تنتظر أن يجود عليها الحاكم ببضع فسح من الحرية والديمقراطية التي يتم تقطيرها في ساعات الغضب والاحتجاج، وسرعان ما يتم الزحف عليها واستردادها كما لو أنها عارية يجب أن تعود إلى صاحبها التي أقرضها طوعا لهذا الجمهور الذي غصت به قاعة الانتظار.. شعب ينتظر المهدي المنتظر، الذي تتخيل شعوبنا أنه هو وحده الذي سيملأ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا.. لذلك لدينا شعوب كسولة تستهلك ولا تنتج، خاملة تنتظر القوت كما الحرية والعدالة والديمقراطية.. في ظل الزمن الرخو للانتظار لا يهم كيف ننتظر وماذا ننتظر، المهم إن وجودنا كله قائم على انتظار حدوث شيء غالبا ما يتأخر عن موعد حدوثه، وحين نحصل عليه نفتش بقوة في لائحتنا عما يجب أن ننتظره المرة الموالية، وهكذا دواليك…

وبين لحظة الانتظار الطويلة وحدوث الفعل الواقعي أو السراب، نعبر مساحات فارغة من الزمن، لحظات هاربة، مملوءة بالتوقع والتوجس والخوف والقلق واليأس، إنها لعنة الانتظار التي تطاردنا في كل مكان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق