سلايدرسياسة

الصادق المهدى: رحلة في العقل العرفاني الجريح (6)

خالد موسى دفع الله

يقول لايش واهرون في كتابهما عن التعلى الطلاق

مكاء صلاة اليمين عليك

وحج اليسار إليك نفاق

تعرف أن المنابر سوق

وان البضاعة انت.

وليس هناك امام وليس هناك رفاق

انى اخاف عليك اليمين اليسار

اخاف عليك بقايا التتار

وان تتحمل ما لا يطاق.

يمكن القول بعد هذا النقاش أن الصادق المهدى استطاع أن يحفر رافدا جديدا في مجرى المهدية الجديدة تحت مظلة ونهج مؤسس المهدية الثالثة الإمام عبد الرحمن المهدى. وسيظل السؤال الذي يؤرق الباحثين والدارسين لتراثه هل استطاع الصادق المهدى أن يؤسس للمهدية الرابعة.

في اعتقادي أن الإمام الراحل استطاع أن يحدث تحولات جوهرية في كيان الانصار وحزب الامة وكذلك في محيط السياسة السودان، وقدم إسهامات مرموقة في مجالات الثقافة والفكر. كما قال البروفيسور حسن احمد ابراهيم ان الإمام عبد الرحمن كان رائد المهدية الجديدة واستطاع بقيادته الحكيمة وإتقان فن المناورة أن يعيد تأسيس المهدية على اسس جديدة وأنقذها من الاندثار ولعنة التاريخ.

رغم إشادة الباحثة هيزر شاركى بكتاب الدكتور حسن احمد ابراهيم عن السيد عبد الرحمن المهدى ودراسته عن المهدية الجديدة وتقريظ الكاتب لمناقب السيد عبد الرحمن من انه رائد حركة استقلال السودان الا انها تنتقد اعجابه الزائد كباحث أكاديمي محايد وقالت لا شك أن د. حسن ابراهيم وهو يشيد بالإمام عبد الرحمن كانت في ذهنه أنظمة الحكم في السودان كمثال للإسلام العقلاني المعتدل الوسطى المهموم بالقضايا الاجتماعية كرجل مسلم عملي وليس بمتطرف.

إضافة لدوره الريادي في بعث المهدية الجديدة فإن الإمام عبد الرحمن نجح في ذلك بفضل مكانته الروحية وتميزه بالحس الواقعى واهتمامه بالرعاية الاجتماعية لكن العامل الحاسم هو الاقتصاد من خلال دائرة المهدى.

اما الصادق المهدى فلم تعرف له اهتمامات اقتصادية في إعادة بعث النفوذ الاقتصادي لدائرة المهدى التي قضت عليها السياسات المايوية خاصة برامج الإصلاح الزراعي والتأميم التي أشرف عليها الراحل أحمد سليمان المحامي. وركز الصادق المهدى على اربعة عوامل مثلت رافدا هاما في مجرى المهدية الجديدة:

اولا: نجح في مسعاه نحو تحديث الحزب والكيان ونفخ في روحهما طاقة تحديثية واعادة بنائهما على شكل مؤسسي حديث. ويعد هو شخصيا أن هذه هي أبرز انجازاته. إضافة لذلك سعى حسب قوله في بث روح الديمقراطية في اتخاذ القرارات. وهذا يعد استدراكا على قول المحجوب عام ١٩٦٦ عندما قال ان بيت المهدى أصبح يصطرع على كراسي الحكم باعتباره استحقاقا طبيعيا، مجردا أعضاء حزب الأمة من غير عائلة المهدى من أي دور سياسي في الحكم.

ثانيا: ترك الإمام الراحل الصادق المهدى تراثا فكريا ومنتوجا ثقافيا وعلميا كبيرا مثل قاعدة حقيقية وانطلاقة جديدة لتصالح التراث المهدوى مع الحداثة المعاصرة. اذ لم يكتفي بتنقيح او اعادة تفسير التراث المهدوي بل قدم اجابات على أسئلة الحاضر

خاصة دور الإسلام في الدولة الحديثة. ولا شك ان اهم إسهاماته الفكرية إضافة لتحرير الموروث من المهدية العقدية إلى المهدية الوظيفية في إعادة إدماج المهدية من جديد في التيار الرئيس main stream في مجريات الفكر ومذاهب الفقه الإسلامي. إذ لم يعتد بمنهج المهدى في إلغاء المذاهب أو حصر مصادر التشريع في مظان الرؤية الصالحة مثل أنبأني سيد الوجود كفاحا أو في رؤية منامية. واعتمد الصادق في اجتهاداته ومقارباته التجديدية على المصادر المتفق عليها بين الائمة من قرآن وسنة وإجماع وغيرها مع ضرورة تحرير الاجتهاد من شروط التعجيز ومحاربة الجمود والتقليد. وتبنى في أدبياته المنشورة الاعلان العالمي لحقوق الإنسان وغيرها من الوثائق العالمية التي تحض على الكرامة الانسانية والديمقراطية والعدل.

ثالثا: اعاد الاعتبار للعقل في نهجه التجديدي في مقارباته لإحياء تراث المهدية في إطار حدا ثوى معاصر. ورغم غلظة الانتقادات التي انتاشته أنه أفرغ تراث المهدية من الطاقة الجهادية بدعوى التحديث الا انه يقدر بأنه استبدل الطاقة الجهادية لدى الانصار بالفعالية المدنية وهي ما تتسق مع اجتهاداته التحديثية.

رابعا: الإيمان بالديمقراطية في العمل السياسي طيلة فترة نشاطه في العمل العام.

ولم يكن السيد الإمام اعتذاراي في منهجه ومقارباته الدينية. بل كان يصدر عن ثقة واعتزاز بمكانة الدين في نفوس المسلمين وان التجارب التي شوهت الدين لا يعتد بها وهي ليست حكما على عدالة الإسلام. ولعل الجانب الأبرز في شخصيته أنه لم ينطو على عقد نفسية ودونية تجاه (الخواجات) بل كان يتعامل معهم بندية في مجال السياسة والفكر والثقافة.

لعل أبرز صفاته كمثقف أنه لم يكن يتهرب من مواجهة الأسئلة الحرجة خاصة اتهامات المهدية في نشر وتنشيط تجارة الرق

في يوليو ٢٠١١ صفق الصادق المهدى في كوالالمبور للباحث المغربي شوقي الحامل في ورقته عن الرق في شمال أفريقيا والتي صدرت لاحقا في كتاب صادر عن جامعة كمبريدج بعنوان Othering the black Afrians in Islamic tradition

احتفي الصادق المهدى بالورقة الناقدة لتاريخ الرق في شمال أفريقيا في الوقت الذي انزعج فيه علماء آخرين داخل المؤتمر انبروا للمدافعة عن تجربة الرق في شمال افريقيا زاعمين أنها أخف وطأة من غيرها.

رغم أن الإمام الراحل كان عقلانيا في اجتهاده ومقارباته التجديدية الا انه كان عرفانيا أيضا يأخذ من فيوض الغيب والالهام ما يغذي به جدل الواقع، وكما كان وجدانه جريحا بمثقالات التاريخ كذلك كان عقله وهو يوائم بين تقاليد موروثه وقيم الحداثة المعاصرة محاولا تقريب المسافة والمعنى والبون الشاسع بين اكسفورد والجزيرة ابا دون تفريط في اصالته او افراط في حداثته. وهي المقاربة التي اسقطت معاوية نور شهيدا للعقل بين تطلعات عقله المرتبط بالمدنية والفكر والادب الاوروبي وبين واقعه في ام درمان كما قال عنه ادوارد عطية، هذا رغم اختلاف السياق التاريخي والموضوعي بين الحالتين، حيث تنعدم المقارنة الا على سبيل الاستطراد وتوسيع الاستشهاد.

تجلى الانسانيات:

على المستوى الشخصي تشرفت بمقابلة الإمام الراحل بضع مرات في سنوات الادراك والنضج والتمييز، ورغم انها قليلة العدد الا انها كانت غنية بالمعاني والدروس والعبر. وأسرني بحسه الإنساني الباهر واهتمامه بالناس من مختلف الاجيال. حيث قابلته في عهد الطلب، وتشرفت بحضور نشاطه العام أثناء زيارته إلى واشنطن في العام ٢٠٠٢ وانا دبلوماسي صغير يخب في مداخل الترقي الدبلوماسي. كما قابلته في داره بالقاهرة بمساعدة الأستاذ محمد زكى صاحب السخاء والوفاء والأيادي البيضاء واستمتعت بالحوار والنقاش معه في دروب الثقافة والتاريخ والفكر والسياسة. وسعدت عندما ختم حديثه بشهادة أعتز بها وقد انعم على بصفة إنني مثقف منفتح، متفاعل وجاد. وانه ما قتل نزعات المثقفين الا التهاون في اخذ قضية الثقافة والفكر بالجدية المطلوبة أكثر من ازياء وزركشات المشافهة وطق الحنك.

عرجت على داره في ام درمان لأقدم له كتابي (سيرة الترحال عبر الأطلنطي) الذي تضمن مقالا مطولا عن تجليات كسبه السياسي والمعرفة بعنوان (الصادق المهدى آخر زعماء المهدية) بمناسبة الاحتفاء بعيد ميلاده السبعين. وعندما قدمت له الكتاب باحترام وتواضع قال ان أعظم الهدايا هي التي تناقش قضايا العقل والوجدان. وشكرني على الصنيع والتأليف.

ان التراث المكتوب الذي خلفه الامام الراحل الصادق المهدى يحتاج كما نوه الدكتور أحمد أبو شوك إلى دراسة موضوعية أبستمولوجية بعيدا عن العواطف

والأفراط في التقدير أو التقتير. ولا شك ان سيرته ستكون ملهمة لأجيال قادمة تعترف له بالريادة والحكمة والشخصية الفذة والعطاء والتميز، وتشفع له تصاريف زمانه وتقديرات مواقفه. فقد مضى الامام وترك تراثا غنيا وبصمة لا تمحى في تاريخ السودان الحديث. وتبقى كلماته ومواقفه شاهدا على كسبه، اذ لا يزال يسهر الخلق جراءها ويختصموا. كما ترك جبلا من المحبة في قلوب مريديه، ما وسعهم الا ان يزيدوا على صخره وطوله فيرتفع ولا ينقص.

اللهم تقبل عبدك الصادق المهدى قبولا حسنا واجعل الجنة مثواه، ونحسب صادقين أنه حقاني عاد إلى الحق وان إلى ربنا الرجعى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق