آراء

أجراس المدائن

أما آن لليل القبيلة الأحلك أن ينجلي؟

عاصم البلال الطيب

ومحونا الفواصل والحدود

كنا ولا زلنا صِحاباً ورفاقاً سودانيين متحابين متآنسين، جمعتنا قاعات الدرس من شتى بقاعنا، عقود مضت وتتالت وتلك الوجوه لآلئ في سماء الذاكرة نجوماً لاصفة ووجنات ضاحكة، قبيلة واحدة كنا، تجاورك المقعد زميلة بالسودانية والإنسانية فتشدد عليها وتعضض أختاً لا تسألها مطلقاً من اية قبلة وقبيلة، زميلنا جريء كان بيننا، سأل أستاذاً أفريقياً يدرسنا بعضاً من حروف الإنجليزية عن ديانته فأجابه بأن هذا سؤال غير لائق، ولو سأله جنسه واوغل عن قبيلته لاحتج بشدة واحتد! كنا والله من كل الأنحاء والجهات نتآزر لدى المسرات والملمات ونتبادل الحب العفيف والطاهر الشريف، ولو مشروعاً  كان لتحصلينا للزواج مصاحباً لانصهرنا ومحونا الفواصل والحدود، لم تكن صورة حصرية علينا بل لوحة مرسومة فى كل تجمع يلم أبناء السودان في كل مدنه وقراه مذوباً القبلية والجهوية منهياً كل أسباب التناحر والتقاتل والتناحر، نحن دولة  قامت بعد فرجة على تجارب غيرية مريرة، انطحنت شعوب هنا وهناك بالحروب بكل تشكيلاتها وتنويعاتها، كتبت تاريخاً للآخرين عن كيفية البناء  والتطور دون إراقة للدماء بالاستفادة من مراراتها، الأوربيون والغربيون أسياد العالم، ذاقوا كل مرارات الطحن والاقتتال في ما بينهم، ولما تيقنوا من الخسران المبين لجأوا للمصالحات والمساومات التاريخية وإنهاء القبلية في أعقاب ثورات شعلاتها عقول ثقاب الفكر والاستنارة المؤسسة لمراحل ما بعد التطاحن وذيوع الديكتاتورية والنزعة لتغليب الإقطاعية على الجماعية، فعمرت الحياة بعد خراب ولم يعد مطاق ولا مستساغ حديثاً يولد المرارات ويفشى الغبائن بين الأوربيين بعد ذواقة مريرة لحنظل التناحر بين مختلف الأجناس بعد تجمع فى رقعة جغرافية  يؤهلها لإقامة دولة لا تحتمل للبقاء التفرق والتشتت وتنبذ التعصب والتحزب، تبدو متغيرات آنية جمة وصعبة بين هذه الشعوب لكنها تنأى قدر مستطاعها عن ما يزلقها مجدداً لأنفاق الحروبات والاقتتالات والنزاعات العبثية وقد جربت نعيم حياة التراضي التوافق والتواطن بعيداً عن إثارة النعرات وليست هي على استعداد لتقبل دعاة إحياء الفتن  والعودة لجحيم حياة التنازع الكاسب فيها خاسر ولو أصاب مصالح تدور عليها ذات دائرة الخسران،

علينا في سودان اليوم البناء على تجارب الآخرين من الناهضين دون خوض غمارها حروبات ونزاعات قبلية وما بيننا اقوى وأمتن ونماذجه عايشها وعاصرها كل السودانيين الذين حظوا بقدر من التعليم خالطوا فيها بعضهم بعضا وتعلموا على أيادي أساتذة من كل أنحاء البلاد، هي تجارب حية تجايل بها كل قيادات المرحلة السودانية الحساسة التي تشهد الآن نزاعات قبلية تمتد لنواحٍ ظنناها آمنة تشهد الآن اخطر الاشتعالات القبلية بلا دواع ويؤججها من يؤججها من تجار النزاعات، وتستبد بنا الأحزان وغول القبلية الدميم والبغيض يلتهم نفوساً ذكية فى صراعات عبثية بدارفور الجريحة التي لم تتداو بعد لا بالثورية ولا بالانتقالية، زميلنا العزيز وائل محمد الحسن استطلعني بوصفه مراسلاً للنهار اللبنانية حول مآسي غرب دارفور وجنينتها في سياق تقرير مفصل عن الأحداث الحالية الاسيفة نشرته الصحيفة اللبنانية واجتزئ منه بتصرف  ما قلته شفويا وحرره وائل كتابياً:

مآلات الصراع القبلي

«النهار العربي» سأل الكاتب والمحلل السياسي والخبير في شؤون دارفور عاصم البلال رأيه فقال: «حوادث غرب دارفور التي أدت الى أن تسيل دماء غالية وتزيد من حالات النزوح، تتعدد أسبابها ما بين التاريخية وتلك التي تجمع بين المكوّنات القبلية والصراعات التي أحدثتها سياسات حكومة البشير.

وأضاف البلال أن تصاعد الحوادث في الجنينة وعلى فترات متقاربة يدل الى أن هناك من لا يريد لنار الحرب أن تخبو، ويستفيد من إذكاء نار الفتنة القبلية من تجار الحرب. هناك أيضاً من يريد أن يرسل رسالة بأن انسحاب قوات «اليوناميد» ليس في وقته المناسب وأن القوات السودانية غير قادرة على ردع التفلتات وأن هذا الإقليم لا يزال تحت نير الحرب ويحتاج لقوات أممية، ويبدو أن هناك مستفيدين من وجود «اليوناميد» ولا يريدون مغادرتها. 

ورجح البلال أن تكون الصراعات القبلية مرشحة للتصاعد، خصوصاً أن اتفاقية جوبا للسلام التي أوجدت حلولاً جذرية للمشكلة هناك تباطؤ في تنفيذها، أو فلنقل عدم قدرة الشركاء على تنفيذ بنودها، خصوصاً إعادة توطين اللاجئين وما تحتاجه من فواتير مالية ليست في قدرة الحكومة التي تعاني مشكلات مالية واقتصادية طاحنة. وأكد البلال أن الأوضاع تتفاقم ككرة الثلج المتدحرجة، وبالتالي فالإسراع الى إيجاد الحلول هو الطريق الناجع لصد ما يمكن أن يحدث لاحقاً، وذلك بتدخل كل مكوّنات المجتمع السوداني، وعلى رأسها الإدارة الأهلية والطرق الصوفية ومنظمات المجتمع المدني بخلق مبادرات خلاقة. ولم يستبعد البلال أن تكون هنالك أدوار لآياد خارجية لا تريد للسودان الاستقرار وتجد في ازدياد أزماته وخلخلته داخلياً مصلحة لها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق