سياسة

الإسلاميون في السودان … السلطة والدين والأيدي السارقة

أحمد محمود أحمد

مدخل اول: تعتبر علاقة الدين بالسلطة و في تاريخ الاسلام علاقة معقدة و شائكة..و لقد ادت السلطة تاريخيا و في التجربة الاسلامية عموما، الي انتاج خطاب يتماهى مع مصلحة الحاكم و بطانته، و من ثم تم تجيير الدين لخدمة السلطة و السلطان ، و بالتالي و صل المسلمون الي ما وصلوا اليه نتيجة لهذه العلاقة الملتبسة و التي اعلت من السلطة و جعلتها فوق البشر و اصبح الحاكم هو ظل الله في الارض ، و هذا ما حكم تطور الحقب الاسلامية و في اغلبها، و اصبح الفرد الحاكم هو الذي تقاس عليه بنية الدولة كلها، فاذا كان عادلا انصلح حال الأمة، و اذا كان ظالما فقد لا يستطيع احد الاعتراض عليه لأنه يمثل السلطة الإلهية و ليست البشرية، و لهذا غابت المؤسسة عبر هذه الحقب و برزت سلطة الفرد الاوحد و القابض علي مقاليد الحكم و حتي يتوفاه الله..هذا القول لا يحجب بعض الجوانب المشرقة في هذا التاريخ و الذي يجب ان نحاكمه و فق ظروف تطوره، دون  تبرير الجانب السالب فيه و بالذات من خلال  اداة القمع و باسم الدين و التي تمت ممارستها ضد الخصوم و كذلك توظيف اموال الدولة وفق اهواء الحاكم و دون محاسبة، لانه تصعب محاسبة من يتحدث باسم الله و الذي قانونه هو السيف..

مدخل ثان: بدلا من الاستفادة من هذا التاريخ و الذي شكلته علاقة السلطة و  الدين و البحث عن مخرج يسعي لفك العلاقة بينهما و تجاوز تاريخ القهر و مصادرة حقوق الاخرين، جاء الاسلاميون  السودانيون ليعيدوا ذلك التاريخ و استعادة اللحظة الساكنة فيه و ليتم تغييب وجود الانسان و ينصٌب الاسلاميون انفسهم علي رأس السلطة و يجسدون عبرها ثقافة الايدي السارقة بديلا لثقافة الأيدي  الطاهرة و التى تحدث عنها الدين، كيف حدث هذا و لماذا؟

فساد التاريخ وفساد الحاضر

لقد خطب ابا جعفر المنصور يوما قائلا (أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، اسوسكم بتوفيقه و تسديده و تأييده. و حارسه علي ماله، اعمل فيه بمشيئته و إرادته و اعطيه بإذنه، فقد جعلني الله عليه قفلا اذا شاء ان يفتحني فتحني لإعطائكم و إذا شاء ان يقفلني عليه اقفلني)..هذا جزء من التاريخ الذي حاول ترحيله الاسلاميون في السودان و خارج السودان و هو النموذج الذي يمنح الحاكم السلطة المطلقة ليتحكم في سرقة العباد و باسم الله..و لهذا و عبر التاريخ الاسلامي فان بيت المال قد كان عرضة للنهب اذ استخدمه بعض الخلفاء و الامراء من اجل مصالحهم الخاصة و هذا ما سبب كارثة في التاريخ الاسلامي  ، اذ بهذا السبب قتل الخليفة عثمان بن عفان بعد ان اعتقد البعض انه قد استخدم اموال بيت المال لصالح عشيرته من بني أمية،  و انقسم بعد قتله المسلمون إلى شيعة و سنة و تواصل هدر المال العام في تاريخ الاسلام الي ان وصلنا للتاريخ الحديث..هذا  الحديث لا ينفي وجود من تصدي لصيانة المال العام و ترفع عن استخدامه من اجل مصلحته الخاصة..و هذا التاريخ كان يجب ان نستفيد منه في عدم ربط السلطة بالدين حتي لا تكون سرقة المال العام مبررة عبر الدين، لكن ما حدث في الواقع فان الاسلاميين و بمختلف مشاربهم قد واصلوا في ربط السلطة بالدين و هو ما سبب الكارثة علي مستوى السودان و في مناطق اخري حكم فيها الاسلاميون..

الأيدي السارقة

الناظر لتاريخ السودان فانه قد لا يجد تلك الاسر الارستقراطية و الاغنياء الذين يشيدون البنايات الفارهة..اذ يتكون السودان طبقبا من فئات فقيرة و هي غالبية الشعب، و من طبقة وسطي يمثلها الموظفون و صغار التجار، و قد كانت هنالك بيوتات معروفة للسودانيين تمتلك وفرة من المال لكنها لم تتمايز طبقيا عن بقية الشعب، و كل هذا التقسيم كان قبل ان يأتي الاسلاميون للحكم و الذين كانوا من بسطاء الشعب و غالبيتهم من ابناء القري و الارياف..و بصعود الاسلاميين للسلطة تم ازالة الطبقة الوسطى و البيوتات و تحول كل الشعب الي فقراء و كادحين و سيطر الاسلاميون علي مقاليد السلطة و الثروة مجسدين ثقافة نهب بيت المال عبر التاريخ الاسلامي، و بدأت تبرز في الواقع السوداني البنايات الشاهقة و السيارات الفارهة و تحول الاسلاميون الي لصوص ، اذ اصبحت بيدهم السلطة و الدين، اذ تم استخدام الدين لتبرير مشروعهم و الذي جعلوا فيه الحدود عنصرا جوهريا لتغطية افعالهم، فقطعوا ايدي البسطاء و جلدوا النساء حتي يقول الناس انهم حريصون علي المال العام و العفة، لكن في الجانب الآخر فقد تمت عملية منظمة لسرقة المال العام  و استغلال النساء عبر زيجات متعددة طابعها الشهوة و ليس اي شيء غير ذلك..و السمة التي يمكن ان نطلقها علي الاسلاميين في السودان هي صفة اصحاب الأيدي السارقة بديلا عن الأيدي المتوضئة و التي استخدم الدين فيها كغطاء، اذ تمت و عبر عملية منظمة نهب خيرات بلد كالسودان و توزعت امواله و اراضيه بين هذه الايدي السارقة، و لقد كشفت لجنة ازالة التمكين عن الأموال و الاراضي التي سرقها الاسلاميون في السودان..و قد يقول قائل بان هذه السرقة لم يقم بها كل الاسلاميين في السودان، و هذا قد يكون صحيحا في جانب من الواقع، لكن و ضمن المنهج، فكل اسلامي هو مشروع لليد السارقة طالما يتم استغلال الدين في السلطة و يتم تغييب المؤسسات القادرة علي محاسبة الحاكم و غير الحاكم، و من حيث المنهج فأن استغلال الدين في السلطة يعتبر جزءا من التركيبة العامة للإسلاميين و بمجرد ان يحكموا فانهم يفٌعلون هذه الآلية و يبررون بها قمع الآخر  و مصادرة ثروات البلد، و هذا هو المنتظر من الاسلاميين في السودان اذا ما عادوا للسلطة خارج المؤسسة الديمقراطية و التي ينكرون وجودها لأنها تتنافي مع السلطة المطلقة ،سلطة الله في الأرض و التي جسدها ابا جعفر المنصور اولا عبر خطبته المذكورة سابقا، و التي جسدها الاسلاميون في السودان و سرقوا من خلالها بلدا كاملا اذ لا يستطيع السودانيون نسيان الشعار الذي دخل به الاسلاميون للسياسة، و هو( لا لدنيا قد عملنا نحن للدين فداء) و قد تحول الإسلاميون و من خلال تجربة الحكم الي النقيض لهذا الشعار و قد عطلوا من الدين من اجل دنياهم و مصالحهم، و هنا تكمن خطورة الدين عندما تحوله السياسة الي مجرد شعار، و بهذا نستطيع القول بأن كل ما طرحه الاسلاميون في السودان يقع في مستوي الشعار، و بالتالي فان فك السلطة عن الدين ينقذ الدين من مستغليه و ينقذ السياسة من الشعار الديني، اذ يتحول الدين دوما و عند ربطه بالسياسة الي مجرد شعار و الشعار يلغي الجوهر اذا لم يتجسد عبره..

عودة الاسلاميين

يحاول الاسلاميون العودة للسلطة لان السلطة منفعة، لكنهم يلبسون ذلك بالحرص علي الدين و قد بدأوا يروجون الي فكرة ان الدين في السودان قد اصبح مهددا و بدأوا يشنون حملات مكثفة ضد بعض الشخصيات و ضد الحكومة الانتقالية ، و بدأ اعلامهم يصرخ تجاه الدين الذي دكت اركانه في السودان..و هذه العقلية هي عقلية المصالح و الرامية لتعطيل المسار الديمقراطي من اجل اختطاف السلطة و باسم الدين للمواصلة في عملية نهب البلاد،  و السؤال الذي يطرح نفسه، لماذا يريد الاسلاميون العودة للسلطة و هم الذين حكموا البلاد لمدة ثلاثة عقود دمروا من خلالها وطن بأكمله و ضربوا الدين في مقتل عبر تشويه صورته؟ انهم يتطلعون للعودة من اجل الحفاظ علي مصالحهم و مواصلة ربط الدين بالسلطة لمزيد من الخراب و التدمير…في الختام يجب ان تعلمنا تجربة حكم الاسلاميين ضرورة ابعاد الدين عن السلطة و التأسيس لدولة المؤسسات و هذا هو العامل الوحيد الذي يجنبنا منهج الأيدي السارقة..اي منهج السلطة الدينية الزاحفة من ركام التاريخ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق