ثقافة وفن

قراءة في كتاب

النقد الأدبي في مقدمة ابن خلدون ... قراءة أولية (2)

د. عبد الرحيم العلمي

يتابع ابن خلدون عملية التأريخ لهذه الثورة المغربية على القصيدة العربية الكلاسيكية، فينتقل إلى المرحلة الأخيرة؛ أي الزجل، حيث لا يكتفي الشاعر باللحن أحيانا، بل يتجاوز الفصحى كليا، ويعتمد العامية كلغة شعرية.

لقد كانت آراء ابن خلدون هنا بالذات تتميز بالجرأة في تبرير هذه الثورة، إذ يوظف مجموعة من الاصطلاحات التي نجدها عادة في الكتابات النقدية القديمة مؤكدا أن لهذا الفن كذلك بلاغته، وفحوله، ومحاسنه، وعيوبه، ونوادره، ومدارسه النقدية: ولما شاع فن التوشيح في أهل الأمصار على منواله، ونظموا في طريقته الحضرية من غير أن يلتزموا فيها إعرابا. واستحدثوا فنا سموه بالزجل، والتزموا بالنظم فيه على مناحيهم إلى هذا العهد. فجاءوا فيه بالغرائب، واتسع للبلاغة فيه مجال بحسب لغتهم المستعجمة وأول من أبدع في هذه الطريقة الزجلية أبو بكر بن قزمان وإن كانت قيلت قبله في الأندلس، لكن لم يظهر حلاها، ولا انسكبت معانيها، واشتهرت رشاقتها إلا في زمانه…”[30] ثم يقوم بسرد مجموعة من النصوص الزجلية التي استحسنها عند أهل الأندلس.

على هذا النحو سار أهل المغرب كذلك في تجاوز القصيدة الخليلية. فقد استحدثوا نمطا شعريا على لغتهم يتكون من أعاريض مزدوجة سموه: “عروض البلد” ثم لما لقي استحسانا لدى أهل فاس، وولعوا به، عملوا على تطويره، فظهرت فيه عدة أصناف، مثل: المزدوج، والكاري، والملعبة، والغزل… ووصلوا به إلى مستوى الفحولة: “… فمن المزدوج ما قاله ابن شجاع من فحولهم، وهو من أهل تازا…”[31].

إن “الفحولة الشعرية” بهذا المعنى، ترتبط بالملكة التي يكتسبها الشاعر في لغة بعينها. ولذلك فهي لا تقتصر على العربية فحسب بل تتوفر في جميع اللغات.

للبرهنة على ذلك، يشرع ابن خلدون في اصطياد عدد من “النكت البلاغية” الجيدة، الموجودة في هذه الأزجال، مبديا الإعجاب الشديد ببلاغتها. من ذلك قوله مثلا: “…وكان لهذه العصور القريبة من فحولهم بزرهون من ضواحي مكناسة رجل يعرف بالكفيف أبدع في مذاهب هذا الفن. ومن أحسن ما علق له بمحفوظي، قوله في رحلة السلطان أبي الحسن وبني مرين إلى إفريقية يصف هزيمتهم ويعزيهم عنها… يقول في مفتتحها: وهو من أبدع مذاهب البلاغة في الإشعار بالمقصد في مطلع الكلام وافتتاحه، ويسمى: براعة الاستهلال:

سبحان مالك خواطر الأمرا

ونواحيها في كل حين وزمان

إن طعناه عطفهم لنا قسرا

وإن عصينا عاقب بكل هوان[32]

إذ يقوم بعملية نقدية تستند إلى مقومات النقد والبلاغة العربيين، ولذلك أشار إلى براعة الاستهلال، والبديع، وحسن التخلص،…الخ.

يخلص ابن خلدون من خلال كل ما ذكرناه، مرة أخرى إلى أن الذوق في لغة ما، إنما يحصل لمن خالطها. فلا المغربي يدرك بلاغة شعر الأندلسي، ولا العكس، ولا يدرك كل منهما بلاغة شعر المشرقي ولا العكس…لأن كلا منهم مدرك لخاصيات لغته الدقيقة وجمالياتها، متذوق لشعرها بحكم خبرته بها[33].

ولابد من الإشارة هنا إلى أن أسلوب ابن خلدون في عرض هذه النظرية يدل مرة أخرى على هيمنة المنهج التاريخي على فكره، إذ لا يحلل ولا يؤسس التصورات والاستنتاجات إلا بعد استعراض تطور الظاهرة من خلال الجرد التاريخي.

والواقع أن ابن خلدون لو لم ينسب إليه في النقد الأدبي إلا هذه الرؤية المتطورة، لكانت كافية لتصنيفه ضمن كبار النقاد في تاريخ الأدب العربي، لقد كان بذلك يلغي، كما يقول إحسان عباس، مهمة الناقد الكلاسيكي، ويفتح الباب أمام البيئات الشعبية لتخرج نقادا يقننون لتلك الفنون[34]. وكان يؤسس طفرة كبيرة في تاريخ الأدب. إلا أنها كانت متقدمة جدا عن سياقها التاريخي. ولذلك بقيت خارج نطاق البحث والدراسة، مجمدة بين أسطر الكتاب إلى حدود أواخر القرن 19م وبداية القرن20، حيث سيظهر علم الفلكلور (كلمة لاتينية: علم= Lore – وشعب =FOLK) المتخصص في دراسة التراث الشعبي.

5. اللفظ والمعنى

يذهب ابن خلدون في هذا المبحث مذهبا قريبا من مذهب الجاحظ حين جعل المعول على اللفظ في نصه الشهير: “والمعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي والبدوي والقروي”، وأبي هلال العسكري الذي جعل مدار البلاغة على تحسين اللفظ في النثر والشعر…[35]. فهو يرى كذلك أن المعاني موجودة في الضمائر عند كل فرد، وأن الفرق بين الشعراء إنما يكون في الملكة اللغوية المتوفرة لدى كل واحد منهم، ولذلك شبه المعاني بماء البحر الذي لا يختلف في ذاته، وإنما تختلف الآنية التي يغرف بها. وبها يرتفع أو يتضع شأنه، حسب كونها من ذهب، أو فضة، أو صدف، أو زجاج أو خزف. إنه تشبيه بعيد إلى الأذهان أيضا تشبيها قديما معروفا مفاده أن المعاني روح والألفاظ جسد لها. يقول ابن خلدون: “اعلم أن صناعة الكلام نظما ونثرا إنما هي في الألفاظ لا في المعاني. وإنما المعاني تتبع لها وهي أصل، فالصانع الذي يحاول ملكة الكلام في النظم والنثر إنما يحاولها في الألفاظ.. والذي في اللسان والنطق إنما هو في الألفاظ. وأما المعاني فهي في الضمائر، وأيضا فالمعاني موجودة عند كل واحد وطوع كل فكر منها ما يشاء ويرضى، فلا تحتاج إلى صناعة. وتأليف الكلام للعبارة عنها هو المحتاج للصناعة كما قلناه، وهو بمثابة القوالب للمعاني. فكما أن الأواني التي يغترف بها الماء من البحر، منها آنية الذهب والفضة والصدف والزجاج والخزف، والماء واحد في نفسه، وتختلف الجودة في الأواني المملوءة بالماء باختلاف جنسها لا باختلاف الماء، كذلك جودة اللغة وبلاغتها…”[36].

وفي إطار هذه العلاقة بين اللفظ والمعنى، وتفاعلهما كمكونين أساسيين داخل النص الأدبي بشكل عام، يذهب بعض الباحثين بقول ابن خلدون: “والذي في اللسان والنطق إنما هو الألفاظ، وأما المعاني فهي في الضمائر”، إلى حد قرنها بالنظريات الألسنية الحديثة، مثل: الألسنة اللبنانية الأمريكية. متجلية في كتابات هاريز، وبلو مفيلد.. التي تولي الشكل اللغوي كل اهتماماتها داخل نسيج العملية الإبداعية، وتقوم في المقابل بإقصاء دراسة الدلالة من مجال هذه الاهتمامات؛ ومثل الألسنية التوليدية والتحويلية التي تسعى إلى تأسيس قواعد توليدية شكلية تقرن الدلالة بالصوت اللغوي[37].

6. تأسيس التجربة الشعرية: (الملكة، وطريقة النظم)

ينطلق ابن خلدون هنا (مثلما هو الحال بالنسبة لكثير من نظرياته) من تجربته الذاتية، فقد أشار في ترجمته الذاتية إلى أن أستاذه ابن حجر نصحه بحفظ كتاب الأشعار الستة، والحماسة للأعلم، وشعر حبيب، وطائفة من شعر المتنبي، وكتاب الأغاني. غير أنه لاحظ ولع الناس بتعلم اللغة. وهو أمر غير كاف في نظره، لأن الشعر يحتاج إلى “نوع تلطف”، وهذا التلطف لا يتحقق بإتقان العروض والنحو واللغة، بل بالحفظ الذي يمكن الطالب من كيفية انسجام الأوزان والألفاظ مع المعاني لدى شعراء العرب القدامى وهي ملكة يفهم من كلام ابن خلدون أنها ذوقية لا ترتبط بتعلم.

لذلك ينصح طالب الملكة الشعرية بأن يحفظ نماذج من الشعر العربي “حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها”، وأن يتخير لذلك أجوده، لأن جودة الشعر من جودة المحفوظ. وأقل ما يكفي فيه، شعر شاعر من الفحول الإسلاميين كابن أبي ربيعة، وكثير، وذي الرمة وجرير، وأبي نواس، وحبيب والبحتري، والرضى، وأبي فراس، وأكثر شعر الأغاني. ومن قل حفظه جاء شعره رديئا. لأن كثرة المحفوظ تمنح شعرا ذا طلاوة ورونق، وقلته تنتج “نظما” ساقطا. وبعد هذا تأتي مرحلة نسيان المحفوظ، فتمحي رسومه الحرفية ولا يبقى منها إلا الأسلوب الذي ينتقش في الذهن في صورة قوالب (حسب اصطلاح ابن خلدون دائما)، فإذا أراد المرء أن ينظم قصيدة، استحضر القالب في ذهنه، ثم نسج على منواله بتشكيل قوالب جزئية أو مركبات صغيرة داخله وبالتالي يكون مؤلف الكلام أشبه بالبناء أو النساج الذي يلتزم قوالب معينة لا يخرج عنها إلا فسد بناؤه أو نسجه.

إن المطلوب بهذا المعنى هو تكوين مفهوم “الملكة الشعرية” التي تختلف ـ تماما ـ عن امتلاك الأدوات التعبيرية من نحو، وعروض وقواف: “والشعر من بين فنون الكلام صعب المأخذ على من يريد اكتساب ملكته بالصناعة من المتأخرين… فيحتاج من أجل ذلك إلى نوع تلطف في تلك الملكة حتى يفرغ الكلام الشعري في قوالبه التي عرفت له في ذلك المنحى من شعر العرب… ولنذكر هنا سلوك الأسلوب عند أهل هذه الصناعة وما يريدون بها في إطلاقهم، فاعلم أنها عبارة عندهم عن المنوال الذي ينسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ فيه. ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته أصل المعنى الذي هو وظيفة الإعراب، ولا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التركيب الذي هو وظيفة البلاغة والبيان، ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب فيه الذي هو وظيفته العروض. فهذه العلوم الثلاثة خارجة عن هذه الصناعة الشعرية. وإنما ترجع إلى صورة ذهنية للتراكيب كلية…، اعلم أن لعمل الشعر وصناعته شروطا أولها، الحفظ من جنسه أي من جنس شعر العرب حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها… وربما يقال أن من شروطه نسيان ذلك المحفوظ لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة، إذ هي صادة عن استعمالها بعينها. فإذا نسيها وقد تكيفت النفس بها، انتقش الأسلوب فيها كأنه منوال يأخذ بالنسيج عليه”.

إضافة إلى ذلك، أشار ابن خلدون إلى جملة ملاحظات منهجية من شأنها الرفع من قيمة الشعر:

    أن يحرص الشاعر على الخلوة، وعلى اختيار المكان المناسب بكل عناصره من منظور ومسموع، لأن شرط استجماع القريحة توفر الجمام والنشاط والسرور، ملخصا ما ذكره بعضهم من تخصيص حالات بعينها كوقت التبكر عند الهبوب من النوم، وفراغ المعدة ونشاط الفكر. وكالعشق والانتشاء وغيرها.

    إذا استعصى عليه الشعر رغم توفر هذه الشروط، فليتركه لوقت آخر ولا يكره نفسه عليه.

وليضع الشاعر نصب عينيه قافية يبني عليها قصيدته لأن ذلك يسهل عليه البناء.

وإذا ورد عليه بيت لم يناسب قصيدته فليحتفظ به لموضعه المناسب.

وبعد الخلاص من الشعر، ينبغي الرجوع إليه بالتنقيح والتهذيب، وأحيانا بالترك، رغم أنه قد يبخل به الشاعر لإعجاب كل امرئ بإبداعه.

لا يستعمل إلا الأفصح من التراكيب. وليهجر الضرورات اللسانية التي تنزل بالكلام عن طبقة البلاغة.

وعليه أن يجتنب المعقد من التراكيب، ويقصد إلى ما كان منها سهل المعنى للفهم.

وعليه أن يتحاشى كثرة المعاني في البيت الواحد. لأن فيها تعقيدا على الفهم وحشوا. وبالتالي تتطلب من الذهن جهدا للغوص عنها. وهذا أمر مستكره لأنه يمنع الذوق من استيفاء مقصوده من البلاغة. ولذلك، فأحسن الشعر ما تسابق معانيه ألفاظه، إلى الذهن سهولة. وحشد المعاني في البيت الواحد، هو ما جعل شيوخ ابن خلدون يعيبون شعر ابن خفاجة مثلما عابوا شعر المتنبي والمعري، لعدم نسجهما على الأساليب العربية، مما جعل شعرهما عبارة عن كلام منظوم. والحاكم في ذلك هو “الذوق” الذي أكد ابن خلدون أنه وحده الفارق بين النظم والشعر. وهو الذي عبر عنه في موضع آخر بـ “الظفر بالمدلول”، الذي هو من أسباب اللذة، (ولنلاحظ هنا أن ابن خلدون يكشف عن السبب الحقيقي الذي جعله فيما قبل يخرج المعري والمتنبي من طبقة الشعراء، أي حشد المعاني في البيت الواحد وطغيان الفلسفة على الشعر بحيث تفقده “الماء”).

    ثم يتجنب الحوشي والمقصر، وكذا السوقي المتبذل من الألفاظ لأنه ينزل الشعر عن طبقة البلاغة، ويقربه من عدم الإفادة، وهما طرفان متلازمان، لأن الثاني ينتج عنه الأول. ولذلك كان شعر الربانيات والنبويات قليل الإجادة إلا نادرا، لأن معانيهما متداولة بين الجمهور فتصير مبتذلة لذلك، (وهنا نلاحظ بعض التعارض مع ما سجله سابقا من أن المعاني متوفرة في الضمائر لكل الناس ولا فرق بينهم إلا في اللفظ).

    إذا تعذر الشعر بعد كل هذا فعلى المرء أن يراوده في القريحة، فإنها مثل الضرع تدر بالامتراء وتجف بالترك والإهمال.

    وفي الأخير يشير إلى أن هذا كله مستوفى بتفصيل في “العمدة” (الذي يبدو أنه كان متأثرا به إلى حد كبير). ثم يذكر مقطوعتين شعريتين لبعضهم في تلخيص هذه التوجهات[38].

بعد هذا ينبه ابن خلدون إلى مسألة مثيرة هي أن جودة الملكة إنما تحصل بكثرة وجودة المحفوظ. ولذلك فإن من كثر محفوظه في العلوم، جادت ملكته في العلوم وقصرت في الشعر. والعكس صحيح. ولذلك كان الفقهاء قاصرين في البلاغة نظرا لما يسبق إلى محفوظهم من القوانين العلمية والاصطلاحات الفقهية الخارجة عن أسلوب البلاغة. ويستشهد على ذلك بحكاية طريفة: “ذاكرت يوما صاحبنا أبا عباس بن شعيب كاتب السلطان أبي الحسن، وكان المقدم في البصر باللسان لعهده، فأنشده مطلع قصيدة ابن النحوي، ولم أنسبها له، وهو هذا:

لم أدر حين وقفت بالأطلال

ما الفرق بين جديدها والبالي

فقال لي على البديهة: هذا شعر فقيه، من قوله: ما الفرق، إذ هي من عبارات الفقهاء وليست من كلام العرب، وكان كذلك”.

ويحكي ابن خلدون أيضا أنه شكا لابن الخطيب، ولأبي القاسم قاضي غرناطة استصعابه الشعر كلما رامه، ثم علل ذلك بكلام نال إعجاب الاثنين، مفاده أن ما سبق إلى محفوظه من أشعار الفقه والأصول والقراءات والمنطق والتسهيل وغيرها، خدش ملكته الشعرية التي استعد لها بمحفوظه من القرآن والحديث وكلام العرب، فعاق القريحة عن بلوغها.

وفي هذا السياق يشير أيضا إلى أن كلام الإسلاميين (حسان، عمر، جرير، الفرزدق، الحطيئة، نصيب…) أعلى طبقة من كلام الجاهليين (النابغة، زهير، عنترة، ابن كلثوم، علقمة، طرفة…) لأن الإسلاميين سمعوا بالطبقة العالية المعجزة من القرآن والحديث، وامتزجت بها نفوسهم، فنهضت طباعهم وارتقت ملكاتهم على ملكات أهل الجاهلية ممن لم يسمع هذا الكلام المعجز، ولذلك جاء كلامهم أحسن ديباجة ورونقا ومبنى وتثقيفا، وهذا من أغرب ما ذهب إليه ابن خلدون، إذ خالف فيه جل النقاد القدماء.

7. على مستوى الممارسة: (أسلوب كتابة ابن خلدون)

بشكل يختلف تماما عن أسلوب الكتابة السجعي السائد آنذاك الذي انتقده بشدة، التزم ابن خلدون في كتاباته بالنثر المرسل، فلم يوظف تقنيات البديع والسجع والتصنع اللفظي… مما أكسبه تميزا وخصوصية، وأهله لشغل منصب كتابة السر في البلاط[39]. وإن كنا نجد بعض السجعات أحيانا، إلا أنها نادرة، وتتميز ببساطتها وقصر فواصلها، وعذوبة موسيقاها…مثال ذلك ما ورد في ديباجة المقدمة، وفي بعض الفصول في مجال محدود جدا.

ويبدو أن الذي دفعه إلى هذا المنحى، هو إيمانه بالفكرة قبل كل شيء. إذ هي المقصود من النثر الذي ينشأ عادة للإقناع وتبليغ الخطاب، بصرف النظر عن شكله على عكس الشعر الذي يقصد منه في العادة المتعة أو: “الظفر باللذة” على حد تعبيره لذلك جاء نثره سهل المأخذ، لين الجانب في غير ابتذال ولا تعذر، وقد شهد له بذلك عدد من الأدباء والعلماء كابن الخطيب، والمقريزي، وابن حجر العسقلاني، وأبي الوليد بن الأحمر، وغيرهم.

لكن، يتساءل غاستون بوتول عن السبب الذي جعل العدد الكبير من معاصري ابن خلدون (باستثناء الذين ذكرناهم)، يتجاهلونه كمرحلة مهمة في تطور النثر العربي فيسجل أن خطأ ابن خلدون هو أنه لم يكن نموذجا لجمال الأسلوب وفق المعنى الذي يطلق على هذه الكلمة في الشرق. إذ كان يكتب بلغة مستقيمة خالية من التكلف والتحذلق والدقائق النحوية التافهة، وغيرها مما استحوذ على القرون القادمة[40].

هكذا بقي أثر ابن خلدون محدودا في معاصريه ومن بعدهم، إلى أن جاء العصر الحديث حيث ضاق الأدباء ذرعا بالأساليب الكلاسيكية خصوصا أواخر القرن19 وبداية القرن 20، وكان أسلوب ابن خلدون أقرب إلى تحقيق ميولهم نحو التحرر، وربما ذهب بعض الباحثين إلى أنه هو الذي أنقذهم إنقاذا ناجحا، وإلى حد اعتباره “الأستاذ الأكبر” لكتاب الصحف والمجلات، ولزعماء التجديد والإصلاح كالأفغاني ومحمد عبده وغيرهما فيما دعوا إليه على المستوى اللغوي[41]. وهو رأي رفضه د. عبد الله الطيب الذي اعتبر الأمر “وهما” عرض للنقاد. لأن ابن خلدون، في رأيه، لم يكن أصيلا في ترسله، ولا زعيما لهذا المذهب، وإنما اقتفى أثر العلماء في العمد إلى النثر الخالص في باب التأليف العلمي، كالغزالي، وابن تيمية، وابن القيم، والسيوطي، وغيرهم[42].

والواقع أن الترسل في الكتابة مألوف لدى العلماء بالفعل، إلا أن تجديد ابن خلدون يبدو على الخصوص في نقله من الكتابة العلمية إلى النثر الفني متجليا في الرسائل السلطانية والإخوانيات، إضافة إلى كتاب “التعريف” الذي يعتبر أول سيرة ذاتية بلغت مستوى النضج والجودة، لأنها كتبت على نسق أدبي “عال ومعاصر”[43].وعدها بعضهم مقدمة أدبية رائعة لتاريخه[44]، رغم مطاعن طه حسين وتلاميذته فيها باعتبارها مظهرا لتضخم الأنا عند ابن خلدون.

وفي ختام هذه القراءة السريعة، لابد من الإشارة إلى أن ابن خلدون كان أيضا شاعرا. وكانت قصائده تتميز، عموما، بالنفس الطويل ومعظمها في غرض المديح إلا أنها تفتقر إلى الجمالية الفنية العالية، وإن لم تخل من حسن الوصف. (ولعل هذا بالذات ما اعترف به بنفسه لبعض أصحابه كما سبق الذكر).وعلى مستوى المعجم، تغلب عليها بعض الاصطلاحات العلمية، وتخلو من الحوشي الغريب. وعلى العموم، لقد كان شعره شعر مفكر مؤرخ وفيلسوف، أكثر منه شعر أديب.

انظر العدد 13 من مجلة الإحياء

النقد الأدبي في مقدمة ابن خلدون.. قراءة أولية

الهوامش

ابن خلدون في حياته، د. جمال الدين الرمادي، ص95.

الإحاطة في أخبار غرناطة، ابن الخطيب، 3/508.

نثير الجمان في شعر من نظمني وإياه الزمان، أبو الوليد بن الأحمر.

ابن خلدون في حياته، ص 95.

القاضي عياض الناقد، د. عبد الله الطيب ص 200.

تاريخ الأدب العربي 6/588.

العرب وابن خلدون ص 23.

دراسات حول مقدمة ابن خلدون ص 582.

الأدب المغربي ص 73.

قصة الأدب في الأندلس ص 326.

الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير ص 198.

تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 616.

لسان الدين بن الخطيب د. أحمد مختار العبادي ص 352.

ابن خلدون ص 12.

انظر مثلا: د. ميشال زكريا: الملكة اللسانية في مقدمة ابن خلدون.

المقدمة ابن خلدون 3/1277.

المرجع نفسه.

المرجع نفسه، 3/1283.

تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 624.

المقدمة 3/1295.

العمدة 1/119.

المقدمة 3/1305.

المرجع نفسه، 3/1296.

لسان الدين بن الخطيب د. أحمد مختار العبادي ص 88.

المقدمة 3/1299.

المرجع نفسه، 3/1324.

المرجع نفسه، 3/1326.

المرجع نفسه، 3/1337.

حسب الاصطلاح الجاحظي.

المقدمة 3/1350.

المرجع نفسه، 3/1353.

من المثير هنا ما ذهب إليه غاستون من أن هذه الأشعار العامية اصطنعها ابن خلدون بنفسه (ولم يعلل هذا الرأي). انظر: ابن خلدون ترجمة عادل زعيتر ص 12.

المقدمة 3/1364.

تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص 629.

المرجع نفسه، ص 98.

المقدمة 3/1312.

الملكة اللسانية في مقدمة ابن خلدون د. ميشال زكريا ص 55.

المقدمة 3/1306إلى 3/1313.

التعريف بابن خلدون ص 70.

ابن خلدون – غاستون بوتول ص 123.

قصة الأدب في الأندلس، عبد المنعم خفاجة، ص 326 وانظر أيضا: الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير د. محمد رجب البيومي ص 198.

المرشد 3/807.

العرب وابن خلدون محمد كرو ص 66.

ابن خلدون غاستون بوتول ص 12.

(مجلة الرابطة المحمدية)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق