سياسة

خارج المتاهة

الجيش والجنجويد ... حتمية المواجهة

محمد عتيق

   لم يعد هنالك شك مطلقاً في أن “المكون العسكري” “لجنة البشير الأمنية” “المجلس العسكري” “الفريق البرهان ومن ورائه فلول النظام الساقط”، أياً كان الاسم، يعمل على الانقضاض على السلطة. هذا المكون مدعوماً من “الدولة الموازية” ومن تحالف قائم في الإقليم، يعمل على استلام السلطة، وفي سبيل ذلك يجتهد في اختيار الوسيلة والأسباب المعلنة.

فالمكون العسكري،  ومن خلال الانضباط المعروف،  يتقدمه الفريق البرهان باعتباره الرتبة الأعلى والأقدم والقائد العام،  وعلى الصعيد الشخصي تواجهه اتهامات تتعلق بجرائم في دارفور وفي فض الاعتصام بالقيادة العامة (٣ يونيو ٢٠١٩)، وهي اتهامات تدفعه للتمسك بالحكم والإصرار عليه،  وكراس للرمح هو الذي يقوم بإجراء الاختبارات الشعبية اللازمة : كإعلان فشل السلطة الانتقالية والحكم المدني،  تبني ما حدث في الفشقة والقفز إلى هناك وكأنه قاد القوات المسلحة “لتحرير” الفشقة تصعيداً وتهيئةً لمناخ الانقلاب العسكري تحت شعار معارك “تحرير الأرض” الوطنية.. الخ.

أما الدولة الموازية “الكيزان”، ومن خلال سيطرتهم حتى الآن على المقدرات الاقتصادية: مصارف، شركات البترول والاتصالات، شركات التعدين والذهب، الدواء، تجارة الحبوب والمطاحن والمضاربة في العملات..الخ،  تعمل على خلق حالات الندرة والعدم في كافة مقومات الحياة : الخبز،  الوقود والمواصلات،  الكهرباء والغاز  وحتى الماء،  ثم الصعود اليومي في قيمة العملات الأجنبية وقهر المحلية لتصبح ملايينها ثمناً لسلعة بسيطة.

المكون العسكري على حلف تلقائي/طبيعي مع الدولة الموازية إذ هو واجهتها وسلاحها في معركة العودة إلى السلطة بوجوه ولغة جديدتين..

دول المنطقة لا تحتمل أنظمتهاقيام ديمقراطية مستدامة في السودان تصبح واحةً للتحرر والحقوق وسيادة حكم القانون ؛ جراثيم معدية تهدد عروشها. ومنها من لها مصالح مادية وإستراتيجية ضخمة في السودان لا تستطيع تحقيقها واستخدامها الا في ظل نظام دكتاتوري قابض، خائن، فاسد، مرتبط بها وبأحلافها الامبريالية والصهيونية. هذا التحالف القائم بين بعض دول الإقليم وبين اللجنة الأمنية للنظام الساقط من جهة،  وبينها وبين قوات الدعم السريع “الجنجويد” من جهة أخرى،  هو تحالف معاد لثورة شعب السودان بالضرورة والواقع،  فهذا المحور الإقليمي،  وإضافةً لتحالفه مع بقايا النظام الساقط ولجنته الأمنية،  له تحالف آخر مع نبتة أكثر خطورة زرعها النظام الساقط في (حشا) الوطن وشعبه ؛ “الجنجويد” المعروف على نطاق العالم تنظيماً عرقياً بدوياً مندفعاً وشرساً،  استقدمه الرئيس الساقط إلى العاصمة ليحتمي به أمام الغضب الشعبي المتصاعد ضده،  وأسبغ عليه اسم (قوات الدعم السريع) والرتب العسكرية الرفيعة على قيادته،  وقدمه للغرب الأوروبي أيضاً لحماية دوله من الهجرات الافريقية غير الشرعية اليها ولمحاربة الاتجار بالبشر،  و “بلعت” أوروبا الطعم ؛ تمويل مالي كبير سنوياً لمليشيا (لتحارب نفسها وسلوكها)!

“الإقليم” يدعم الجانبين: (اللجنة الأمنية والدعم السريع) كل على حدة لاختطاف الثورة بشعارات مزيفة خادعة وتأسيس سلطة قابضة تعتمد عليها دول الإقليم في نهب موارد البلاد وإخضاعها ضمن ارتباطاتها الامبريالية الصهيونية.

   قوات الدعم السريع بطبيعتها الجهوية العنصرية، سلوكها البدوي المتغطرس، وطموح قائدها المتطلع لقيادة السودان رئيساً وزعيماً لشعبه، تمضي هذه القوات في بناء دولتها داخل الدولة السودانية: مؤسسات وشركات اقتصادية، مؤسسات اعلامية، أجهزة أمنية وعدلية بسلطة مطلقة في الاعتقال والقتل داخل أقبية خاصة، متوسعةً في بناء القوات بالتجنيد القبلي والجهوي وتأسيس المزيد من الفروع كسلاح الطيران والمدرعات..الخ،  وقد فرض قائدها نفسه نائباً أول لرئيس المجلس السيادي.

   هذه القوات لا تخضع إلا لقائدها وعائلته وطموحاته التي لن تسكت عليها القوات المسلحة (في مراتبها الوسيطة والقاعدية)، فإذا مضت الأمور كما هي الآن لا بد من مواجهة عنيفة ستقع بينها (المراتب متمردةً على قياداتها العليا أو محطمةً لها) وبين تلك القوات (الجنجويد)، مواجهة ستكون ساحتها الشعب والوطن! فالسلطة لن تسع لقائدين ولا الوطن سيسع دولتين.

   قوى الثورة (الحرية والتغيير)، وقد مثلت الطبائع والخصال السودانية أجود تمثيل، سلباً وإيجاباً، تم اختراقها من الداخل والخارج – البعض بالمال والبعض بالمناصب – تم اختراقها والتحكم في خياراتها واختياراتها حتى في تشكيل حكومة الفترة الانتقالية.. فتمزقت قحت بين أطراف منسحبة منها – مبدئياً أو تكتيكياً – وأخرى تتقلب في المواقف، وفئة منها هيمنت على مقودها باسم المجلس المركزي (٤ أطراف) تتنازعها أمراض السلطة والتسلط، حصرت عيونها في المناصب والنفوذ، أدارت ظهورها لأوجاع الشعب ونواقص حياته، متماهيةً مرةً مع البرهان وأخرى مع حميدتي. وهي في الحكومة من جهة وتنتقد اتجاهاتها الاقتصادية في نفس الوقت، وتنقسم إزاء التطبيع مع “اسرائيل” (بينما الأمر يجري بمعرفة رئيس الوزراء ووزير العدل)!! يقيناً ستكون عاكفةً على رعاية هيمنتها الواهية و “روما” تحترق!

ومع ذلك، نتوقع صحوة، ائتلافاً بين الفصائل الصادقة الوطنية للنأي بالشعب والوطن من شرور المواجهة المسلحة المتوقعة، والعودة إلى الشعب ولجانه المقاومة وللثورة وقيمها الناصعة واستئناف صعودها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق