سياسة

قراءات

عوامل تكوين إسرائيل (5)

محمد المنتصر حديد السراج

يمنح هرتزل … وهو المنظر للدولة اليهودية …يمنح مهمة نقل المهاجرين و توطينهم بعد الحصول على الأرض في … فلسطين، الارجنتين، قبرص ، العريش أو يوغندة … الى شركة يهودية . تعمل هذه الشركة بالتعاون مع (جمعية اليهود) وتمثل في الواقع جهازها العملي الذي يجري بواسطته تطبيق الفكرة القومية وتنفيذها. وتقوم بأعمالها وفقا لأساليب مخططة تشمل انتقال اليهود من أماكن ترحيلهم الى مرحلة غير محددة في مراحل تقدمهم الى الأرض التي يستوطنونها. هناك ظل لطريقة حياة تجنيدية يلقي بثقله على واقع (الدولة اليهودية). ويمهد السبيل أمامها سلوك الجماهير اليهودية الذي يشبه قطيع الأغنام. بينما يعترف التخطيط الشامل (للشركة اليهودية) بظهورها ويدل عليه.

وقد وصف هرتزل طريقة ترتيب سفر المهاجرين، ونوع المساكن المقترحة لإقامتهم وتوطينهم. ومراكز العمل ومكاتبه، و مدة ساعات العمل، و نوع الأجور التي يستحقها العمل و غير ذلك، واضعا إياها كلها تحت إشراف (الشركة اليهودية) و سيطرتها. ومع أن طريقة الحياة المستقبلة في (الدولة اليهودية) تعبر بهذه الصورة عن بساطة تملى عليها، فإن هناك التباسا يكتنف ديناميتها. فلا يتاح أمام اليهود المجال الكافي للتعبير عن إرادتهم، بل يقوم بذلك عنهم (الوكيل) أو (جمعية اليهود). بينما يأخذ المسؤولون في الشركة اليهودية (المنفذون) على عاتقهم مهمة إحداث توازن بين قوى الحياة اليومية.

يتوقع للحركة القومية اليهودية (آنذاك) أن تتمتع بزعامة وإدارة ارستقراطيين. فهناك ارستقراطية واضعي السياسة وصانعيها، وارستقراطية المديرين. بينما تنعكس مشاركة الجماهير على أفضل وجه عن طريق انصياعها وطاعتها. ويحذر هرتزل من خطر الطرق المختلفة لحكم الحركة وإدارتها. فيقول بأن وضع الخطة السياسية يتم في الطبقات العليا ثم يجري تطبيق ذلك على الطبقات الدنيا. ثم يضيف: (يجب أن تكون الجماهير اليهودية ممتنة للدستور الذي يعطيها الحفاظ على النظام في الأرض. أما إذا ظهرت دلائل التمرد والعصيان، فسوف يتم سحقها في الحال. إذ لا يمكن للجمعية أن تسمح لأفراد قصيري النظر أو من أصحاب النوايا السيئة أن يعيقوا ممارستها لوظائفها).

لذلك يرسم هرتزل خطا فاصلا بين الزعامة اليهودية والجمهور. فالبروليتارية اليهودية، مثلا، وهي التي يعتبرها عنصرا هاما في مخططه العام، تمثل هنا عاملا سلبيا يجري تحريكه بما يتلاءم مع بناء الخطة القومية ويناسبها. ويشرح هرتزل ذلك بالتفصيل: (يجري تجنيد عصابات من العمال، بصورة منتظمة، تنتقل من مكان الى آخر لتكون بمثابة هيئة جند. ولن يكون هؤلاء الرجال قاعدين بالطبع، بل عليهم أن يعملوا نهارا سبع ساعات فقط، و على الرغم من تغيير أماكنهم، فإنهم سوف يحافظون على تنظيمهم العسكري، و يتممون مدة خدمتهم، و ينالون الأوامر و الترقيات و التقاعد).

إن تقسيم هرتزل هذا يعكس نوعا من التصلب أو التحجر الطبقي، مما يؤدي بدوره الى حال من فقدان التوازن تتبدى فيها عناصر الفوضى والتشويش الكامنة. فما إن تسير عملية الاستيطان اليهودي على طريق التنفيذ، حتى تتضاءل إمكانية التحالف بين (جمعية اليهود) و (الشركة اليهودية) في البقاء على التدعيم الوثيق الذي كان متوقعا. وتبرز من جراء ذلك جماعتان تتنافسان وجها لوجه على زعامة الحركة. وكذلك ترتفع جماهير الركب الخلفي بصورة تدريجية الى حالة تحقق فيها منافذ مختلفة للتعبير عن نفسها. (توجد هناك، مثلا، في دولة إسرائيل الحاضرة وضمن دائرة المنظمة الصهيونية العالمية أحزاب وتكتلات وفئات مختلفة). وهكذا يتم خلق القوى التي تعمل على التفتيت من الداخل.

من هنا قد يتبين لنا بأن ما جمعه هرتزل من عناصر القوة الإيجابية للعمل على إنجاح تجربته العملية قد أدى الى نشوء نمط من الحركة القومية التي تتضمن نسبة كافية من القوى القاضية على نفسها بنفسها، مما يقلل من قدرة تلك الحركة على اجتذاب المؤيدين والمناصرين ويحد من نطاقها ومداها. ولنا في التراث الذي خلفه هرتزل وفي نمو إسرائيل وتطورها خير ما يؤيد هذا الرأي ويبرره.

إعلان الاستقلال

لم يخيب اليهود آمال هرتزل، لكنه تعذر عليهم البقاء ضمن حدود مخططه القومي. إن فلسطين في نظرهم هي أرض (دولتهم)، ولا يمكن لأي بلاد أخرى أن تحل محلها. فالتوراة حسب اعتقادهم تقلل من أهمية الحصول على براءة أو رخصة للاستيطان في البلاد، إذ أن وعد الله الى (شعبه) يتعدى الاعتبارات العلمانية. لذلك لا يترتب على الهجرة الى فلسطين أن تنتظر حصول الاعتراف بوضعها السياسي، كما بشر بذلك ثيودور هرتزل.

فقد كانت هناك الفكرة النامية المتطورة التي أيدت نتائج (الحق الإلهي) في فلسطين وأعطت الأسبقية لبناء أساس اقتصادي في البلاد. و بناء عليه جرى الإسراع في عملية الهجرة لكي يتم استعمار الأرض و استيطانها و لتصبح في الوقت نفسه بمثابة قاعدة حرية بالاعتراف السياسي.

لذلك نجد القضيتين الرئيسيتين اللتين احتلتا مكان الصدارة خلال المرحلة الأولية للحركة الثورية اليهودية هما: فلسطين هي أرض إسرائيل، الاستعمار الاقتصادي هو الشرط المسبق للاعتراف السياسي.

هذا مع العلم بأن حدود أرض إسرائيل المزعومة ليست معينة بصورة واضحة في التوراة. يتبع ذلك أن ادعاء اليهود لفلسطين على أسس توراتية يتضمن سماحا بالتوسع الاقليمي. هذا السماح تكمله القوى الكامنة للاستعمار الاقتصادي.

وما لبثت نغمة الحركة القومية اليهودية، في ضوء هذه التطورات الرئيسية، أن تحولت الى نغمة أخرى تختلف عما وضعه هرتزل. وتحولت الجماهير اليهودية التي كانت في انتظار صدور براءة تتيح انخفاض ضغطها العددي في بلدانها الأصلية، الى جمهور من المحررين يسير نحو استعادة (أرض ميعاده) وذلك بمثابة عمل جماعي توراتي. فأضاف الحماس والاندفاع الاشتراكي نبرة للنغمة الجديدة. وهكذا أصبح جوهر الاشتراكية الأمثل، العمل، شديد الارتباط بالتربة (الموعودة).

يؤكد إعلان الاستقلال من جديد على الحق اليهودي التوراتي في فلسطين ويعلن تطور (اليشوف) (الأساس الاقتصادي الدولة اليهودية) ثم يعبر عن الاستمرار الطبيعي للثورة اليهودية. وبتعبير آخر، فإنه ينطق بحق معلن غير قابل للرد في ملكية أرض فلسطين التي جرى اكتسابها عن طريق الشراء أو الغزو. ويعكس في الوقت نفسه، نجاح الصهيونية التركيبية وتعريفا معزز للحركة القومية اليهودية.

ولو شئنا حصره في عبارة بسيطة، لبدا لنا إعلان الاستقلال بمثابة استعراض لعملية الاستعمار اليهودية … أي ثورة اقتصادية عرقية. وتمثل الدولة التي تم تحقيقها في سياق الأحداث هذا مرحلة من مراحل نمو كائن عضوي استعماري. لذلك نجد ضمن سياق (الدولة اليهودية) المتطور مراحل مختلفة للتقدم العضوي، أي مراحل مختلفة للتوسع الاستعماري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق