ثقافة وفن

حصار الأمكنة … الوقوع في الفخ (2)

بدر الدين العتاق

• ص 13 : ( يغلفه ظل الضوء ) هل سمعتم باستيفن هوكنج ؟ كلا ولا عتب ! الضوء ليس له ظل من ذاته وإنَّما المادة هي التي لها ظل في الفيزياء كما هو معروف ، ألست ترى معي أيها القارئ الكريم إلى خذلان اللغة لمد الكاتب منها ؟ ثك ما المراد من التغليف :” غلفه ” .

• ص 13 : ( أشعل سيجارة وامتصها في عمق وهو يدندن ) والخطأ هنا ظاهر ! في كلمة : ” امتصها ” والصواب أن تقول : أخذ نفَسَاً عميقاً … إلخ ! فالسيجارة لا تمص بل تؤخذ بالنفس العميق .

• ص 13 : ( انبثقت في خاطره بعض أبيات شعر أعجبته ) والضعف هنا بائن ! والصواب أن تقول : تبادر بدلاً من ” انبثقت ” فالبثوق غير لائق .

• ينتهي الفص الأول بلا معنى أراه أمامي ، لكن الملفت في ص 15 قولها : ( الذي لم يمنعها من أكل لحوم الضأن … إلخ ) هذه عند تذكر الفتاة لأحد أقربائها وهي تجلس على النيل قبالة جزيرة توتي الواقعة عند مقرن النيلين وسط العاصمة السودانية الخرطوم ويحيطها الماء من كل جانب ، السؤال هنا : ما هو الرابط بين تداعيات الذاكرة الحزينة مع قولها من نفس الصفحة : ( مشهد خرافي الجمال والسطوة ) ؟ ثم ما هو الداعي أو المغزى من حرمانها أكل لحوم الضأن في هذا الموقف المتداعي بالتحديد.

قال أحد الأعراب عندما جاء إلى الحكيم / يعني : الطبيب / يشكو له مرضاً ألمَّ به : أكلت من لحم الجوازي فطسأت طسأة فأصابني ألم ما بين الوابلة إلى دابة العنق ، وما زال يربوا وينمو حتى خالط الشراسيف ، فصف لي دواء ! قال الحكيم : خذ شرسفاً وخوفقاً وخنفقاً وأغسله بالماء وأشربه ! قال المريض : ما علمت ما تقول يا طبيب !! قال الحكيم : ولا أنا ! ما دريت ما قلت يا مريض .

• ص 16 : ( أجفلت وهو يقرصها على خدها في شوق ) وهنا تناقض الفعل الحركي مع الجملة الحدثية غير منسجم ، لأنَّ الجفول هو الإبتعاد بسرعة وشدة وعنف ويكون بأضطراد ولا يكون مع هدوء الموقف – حسب النص – عملياً فإمَّا أن تجفل وإمَّا أن تُقرص ، لكن الإثنين معاً لا يستقيمان ، خانها التعبير كالعادة .

• ص 16 : ( قال ديكارت : أنا أفكر فإذن أنا موجود ) والخطأ اللغوي واضح ! فإذن ، لا تكتب بثبوت نون التوكيد الخفيفة ولكن بثبوت التنوين آخرها نصباً ” إذاً ” .

•ص 16 : ( حيث إنَّ ذلك كان ) ومما يثير الإمتعاض والغيظ مثل هذه الجملة فبها : حرف العطف ” حيث ” وأداة نصب ” إنَّ ” ثم اسم إشارة ” ذلك ” وكذلك كان ” كان ” فكيف رُكِبَّت الجملة على هذا الصياغ الغريب ؟ .

• ص 17 : ( والأجساد اللدنة الممتلئة التي تتجشأ لبناً رائباً و ” فَرْصَة ” … إلخ ) هنا خطأ في الوصف الإنشائي أو التمثيلي قبيح ! لأنَّ أهل توتي – حسب تسلسل التداعيات – ولأنهنَّ من البندر – العاصمة – وإن كانوا في الأصل من أهل الريف الشمالي السوداني المعروفين بالمحس ومن شاكلهم ، ولكن توتي متحضرة بشكل كبير جداً ولا ينطبق عليهنَّ الوصف ( والأجساد اللدنة الممتلئة التي تتجشأ لبناً رائباً و ” فَرْصَة ” … إلخ ) حال ينطبق على أهل القرى والريف البعيدة ، ثم كلمة : ” تتجشأ ” لا تستقيم مع النص الوصفي لأنَّ / الجُشاء وهو خروج الهواء في المعدة من طريق الفم / ثقافة القروي غير ثقافة الحضري عندنا في السودان وأكاد أجزم بثقافة أهل توتي وحضارتها بلا ريب وتبرئتهم من الوصف عاليه ، ثم ما هو الربط بين الوصف أعلاه وقولها من ذات الصفحة : (الخشبات تهتز كلما طرقتها أقدام رجل أو طفل ، وتطقطق وتهتز بشدة حين تلامسها أقدام إمرأة تمشي الهوينى ) / قال الشاعر أعشى قيس وهو أبو بصير ميمون بن قيس :

غراء فرعاء مصقول عوارضها

تمشي الهوينى كما يمشي الوجي الوحل

كأنَّ مشيتها من بيت جارتها

مرُّ السحاب لا ريث ولا عجل

تسمع للحلى وسواساً إذا انصرفت

كما استعان بريحٍ عشرق زجل / مع وصف صناعة الروب واستخراج السمن من الفَرْصَة ؟

للعلم : الفرصة نعرفها في السودان بالسعن وهو الجلد المدبوغ من المعز أو الضأن / لحم الضأن ، حرمانها / أو البقر ويحفظ فيه الماء في موسم الصيف أو السفريات الطويلة وعندنا بغرب السودان تحديداً وكل أطرافه يستعمل السعن / القِراب / لحفظ الماء أو لعمل الروب المستخلص من لبن البائهم بعد الرَّج بطريق مخصوص ولزمن يطول أو يقصر حتى يتخثَّر فيتصلب شيئاً فشيئاً ويستخرج من الروب أو اللبن الرائب السمن المعتق القوي الرائحة اللذيذ الطعم ونجعله على الإدام المصنوع من دقيق الذرة الناعم المطحون آلياً أو بالمحراكة وهو طعام شعبي مثل عصيدة الدخن أو الكسرة أو العصيدة ونطلق عليه السمن البلدي وهو خلاف الآلي فالأول أجود بلا ريب ، وحديثاً تغير الأمر فصير بأكياس المخدات أو السعن المصنوع من القماش فيصنعن به بعضهنَّ الصلصة والمربى والسمن واللبن الرائب فيما ندر ثم دخلت الآلآت الحديثة وصير ما يعرف بلبن كابو وريرة وروبها وسمنها وسمينها .

هذا ! لن تجد الربط بين الغرضين الوصفيين مع تناسق السرد القصصي ، المحاولة للخروج بالقارئ من الرتابة نحو الثقافة المحلية وأراها ضعيفة كما القص .

الخطيئة والغفران :

رأينا فيما سبق عرضه عليك أيها القارئ الكريم من الخطيئة اللغوية بكل معانيها وغفرانها يستوجب عدم الكتابة مرة أخرى – فيما أرى – في كافة المجالات ولنا أن نخلص للآتي :

  الكاتبة تعاني من ضعف في مستوى اللغة  العربية لا يؤهلها للكتابة – وجه نظر – بحال من الأحوال ، كما تعاني من سوء ضبط وتوظيف لغة الخيال مع إعمال الفكرة الوصفية أولاً ثم الموضوعية ثانياً ، فهي تضع الكلمة عند تركيب الجملة موضع الحافر مع الحافر والخف مكان الخف كيفما اتفق لها مما أعلنت صراحة بلا مراء ولا مجاملة الإفلاس النظمي عند تركيب المفردة لتكوين الجملة وكتابتها ، وتفتقر إلى أقلَّ مقومات النحو والصرف والذخيرة اللغوية بحيث لم تستطع التوفيق بين الخيال الإنشائي وبين البنية السردية للنص والفكرة ، وبين الكم الهائل في تضارب سعة الخيال والخاطرة التي تقفز للذهن بدون تريث أو تركيز نحو وضع الكتف مع الكتف والقدم مع القدم مما أدَّى إلى ترهل وانهيار البنية الفنية والحبكة الدرامية منذ الوهلة الأولى لمسك القلم للتأليف لمضمون فكرة الكتاب .

خروج آمن :

أمَّا بعد ..

حدثني البروفيسور المرحوم / عبد القادر شيخ إدريس أبو هاله ( 1924 م – 2011 م ) رحمه الله ، سنة : 1995 م ، وكنت أزوره ليجيزني في الآداب العربية واللغة العربية مقدِّماً له بعض النصوص المخطوطة للمراجعة ، حدثني أنَّه قال : جاءني بالأمس أحدهم مقدِّماً لي بحثاً في الإقتصاد لأراجعه فقلت له : لكني لا أفهم في الإقتصاد حتى أراجعه ! فقال الطالب : إن شاء الله تراجع لي اللغة والنحو والصرف ، وأخذ يضحك البروف ضحكته البريئة .

كما حدثني ممن لا أشك فيه وهو الأستاذ / مجذوب مصطفى علي ، بن أخت المرحوم البروفيسور / عبد الله الطيب ( 1921 م – 2003 م ) رحمه الله ، أنَّه كان يراجع بعض الكتب لأديب معروف – لا داعي لذكر اسمه – فلما وصل الطيب للصفحة رقم ثلاثين أغلق الكتاب وقال : هذا الكتاب ضعيف ! وفلان مستعجل  .

أنا لست عبد الله الطيب ولا أبا هاله – رحمهما الله – لكني تذوقت هذا العمل ” حصار الأمكنة ” فوجدته مُراً حنظلاً فبصقته أرضاً وتقبَّضْت منه أشد التَقَبُّض ولم أقدر على سوغه ناهيك عن لوكه ، والله المستعان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق