ثقافة وفن

معنى الآية الكريمة: {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} سورة مريم

بدر الدين العتاق

ليكن معلوماً الفرق بين مقام الفرديات الذي يقومه المجتهد في العبادة وينال به حظه من العرفان الخاص به تحقيقاً وفق الفيض الإلهي المحض منحة ويبلغ به حريته وكرامته وخصوصيته عند الله تعالى؛ وبين الإتيان الفردي أمام الله تعالى يوم القيامة؛ وعن الأخير هذه المادة تتحدث.

سنة: 2014 م؛ قامت بعض مراكز البحوث العلمية المتخصصة في مجال الأنثروبولوجيا موقع World Atlas  بتقدير عدد سكان الأرض منذ خلقها الله تعالى إلى تاريخه فكانت النتيجة حوالي: 108.2 مليار إنسان؛ ونحن الآن في 24 شهر ديسمبر من عام 2020 م؛ حيث يبلغ تعداد سكان الأرض حوالي 7.4 مليار إنسان فيكون إجمالي عدد السكان في الأرض بالتقريب حوالي: 115.6 مليار إنسان؛  وهذا الرقم غير دقيق لاعتبارات تتعلق بالأنثروبولوجي نفسها وليس ههنا موضع التفصيل؛ لكن ما يهمنا هو عملية الإتيان الفردي أمام الله تعالى يوم القيامة فرداً فرداً ربطاً مع موضوع المقال .

حسناً! أول ما نفكر فيه هو عامل الزمن بالنسبة لحساب الناس فرادى لا جماعات؛ مع هذا الكم الهائل من البشر دون حساب الناس من الآن (أول يناير سنة: 2021 م) فصاعداً إلى يوم الدين؛ كيف يتم الحساب فالناس كثير والتفاصيل طويلة والوقوف مؤلم جداً؟  الإجابة: ليس هناك زمن! الحساب لا يتم وفقاً لمعايير الزمن النسبي لكوكب الأرض كما نعهده اليوم؛ فالزمن يساوي صفراً كبيراً لكن ألم الوقوف محسوس وموجود وكل تداعيات الموقف واردة لا محالة ولكن السؤال الأهم هو: لماذا فرداً فرداً أو بأي طريق كان؟  الإجابة: (دون التطرق لما هو مألوف لدى الناس) لأنه موقف تكريم إنساني قبل أن يكون موقف محاسبة ذاتي!

الإتيان الفردي يعني: التخلص من الأسرة الصغيرة (الوالدة والوالد والأخ والأخت وما جاورهم من ذراري) ثم الأسرة الكبيرة (الخال والخالة والعم والعمة وما جاورهم من ذراري) ثم الأسرة المباشرة (الابن والابنة والحفدة وما جاورهم من ذراري) وأخيراً الأسرة البشرية الأكبر (الأصدقاء والصديقات والمعارف والعلاقات العامة وما لزمهم من تداخل)؛ لذا قال تعالى بسورة لقمان: ‭{‬يا أيها الناس اتقوا ربكم! واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً! إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور‭}‬؛ وهذه الآية الكريمة بها سر مفتتح السورة (الم) فهمزتها في كلمة: ” والد ” ولامها في كلمة: ” ولده ” وميمهما في كلمة: ” مولود ” وتفيد كما لا يخفى على ذي عينين البشرية بكل تفاصيلها وصورها الرحمية؛ لذا الفردية حق محقوق بطبيعة الحال.

معنى آخر: هب أنك في محكمة لقضية ما؛ وأنت أمام القاضي منفرداً – ما لم تكن القضية بها أكثر من متهم وإن كان – فلا يقبل أن تقاضى أنت وآخر لا علاقة له بقضيتك؛ فأنت تتحملها منفرداً – المسؤولية الكاملة مسؤولية فردية ما لم تكن جماعية وإن كان – أو قل: لن يتبناها أحد من ذوي قرباك؛ إن كان خيراً أو شراً؛ فالحساب هو حيثيات القضية وما يلزمها من قرائن وحجج واثباتات؛ والعقاب أو الجزاء الوفاق هو منطوق الحكم سلباً أو إيجاباً؛ ولله المثل الأعلى في السموات والأرض؛ ولك أن تعرف أن الدفقات الرحموتية ليوم الموقف العظيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؛ اقرأوا إن شئتم قوله تعالى بسورة فصلت: ‭{‬إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم‭}‬ / قرينة المغفرة بالعقاب موجبة لنزول الرحمات أكثر منها وجوب العقاب بالتحديد في هذه الآية الكريمة /؛ وقوله تعالى بسورة النساء: ‭{‬ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ ! وكان الله شاكراً عليما‭}‬.

أمر مهم أن نذكره وهو لغة الحساب فالناس كثير وألسنتهم مختلفة فكيف لنا جميعاً أن نعرف تفاصيل الحساب وهذا فرنسي وذاك عربي وآخر سواحلي وهلم جرا؟! الإجابة: يسأل الله كل فرد بلغته الأم التي يعرفها ويلقي الله في الأفهام للناس كافة معرفة لغة كل فرد بلا واسطة (لك أن تقول: تحدث ترجمة فورية واضحة بينة يلقيها الله في روع وروح كل إنسان بحيث لا تخفى منا خافية) اقرأ إن شئت قوله تعالى بسورة الحاقة: ‭{‬يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية‭}‬؛ فتنصب الموازين القسط ليوم القيامة ولا يظلم ربك أحداً.

قلت أول هذه الكلمة بالتكريم للإنسان قبل أن يكون موقف محاسبة ذاتي؛ ووجه هذا التكريم هو ملاقاة الله عياناً بياناً ومعرفته بلا حجاب ولا واسطة وبلا عجلة؛ فيتاح لك كل حقوق التعبير والرأي والمدافعة والمرافعة والمجادلة وكأنه ليس وراءك أحد ينتظر الدور إما سلباً أو إيجاباً؛ (تاخد راحتك بالكاااااامل) بحيث لا تلتفت لمن هو غيرك وكأن كل الناس أنت ولا تعبأ بغيرك هنا؛ وهنا المتعة كل المتعة / لذة النظر إلى وجهه الكريم / وهذه قمة الحرية والعدالة والسلام والكرامة الإنسانية والتكريم الحق المفضي لقبول منطوق الحكم لك أو عليك .

الأمر – بالنسبة لي على الأقل – أكبر من الجنة والنار؛ فالمفاجأة تكمن في طلاقة التعبير حتى لا يبقى في نفسك إثم ولا في قلبك ضغن ولا في ذاتك حرج ولا على مصيرك شك؛ فالمساحة آنذاك لإحقاق الحقوق وأكبرها هو ملاقاته ومعرفته والتحدث إليه كفاحاً ‭{‬وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة* ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة‭}‬ سورة عبس؛ وقال بسورة القيامة: ‭{‬وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ بأسرة * تظن أن يفعل بها فاقرة‭}‬ .

مقام الفرديات هنا مقام العبودية لتتباين الفروقات والمقامات بينك وبين الله إذا كنت مقصراً في حقه أو مكملاً له؛ ولا مندوحة هنا لأحد من البشر – أي لا فضيلة – فكل الخلق آتي الرحمن عبداً لقوله تعالى بسورة مريم: ‭{‬إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً‭}‬.

أرجو من الله أن فهمنا الفرق بين المفهومين والغرضين لقضية الفرديات التي هي مقام الإنسان الكريم في الموضوعين لكن هنا أوضح من تلك التي يمنحها الله عرفانا بفضل الفيض الإلهي المحض آن اتقانك تجويد حياة النبي عليه السلام في خاصية نفسه انتظاراً للمنحة وبين الإتيان الفردي أمام الله تعالى يوم القيامة فرداً فرداً كما بينا سابقاً.

الفردية القادمة ليست كالخصوصية العرفانية للمجود العبادة فما يقوله الجمهوريين محض خصوصية لا فردية وكما جاء في كتاب: (الرسالة الثانية من الإسلام) طبعة سنة 1971 م، الرابعة، للأستاذ / محمود محمد طه (1909 م – 1985 م)، فوجب التنبيه هنا لضرورة أمر التفريق بين المفهومين كما بينا عالية إذ لا علاقة البتَّة بينهما إن شاء الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق