ثقافة وفن

في ذكرى رحيل المستبدّة

رشا عمران

تجمع صورةٌ أم كلثوم مع محمد عبد الوهاب، فيها حلة طعام كانت بين يدي الست، ويبدو أنها كانت تأكل من الحلة مباشرة بيدها. الصورة عفوية جدا وجميلة، ولا تختلف عن صورة أخرى مع عبد الوهاب أيضا، تبدو فيها تغنّي، وهو يمسك ما قد تكون أيضا حلة فارغة، استخدمها لضبط الإيقاع في أثناء غناء أم كلثوم. وهناك صورة أخرى تبادلتها صفحات “فيسبوك”، كتب عليها “أم كلثوم في البنطلون”؛ كما لو أن ارتداءها البنطلون أمر فائق الاستثناء، والحقيقة أن الاستثناء هو ظهورها به، فهي دائما في صورها ذات مواصفات محدّدة: فستان سواريه مع أقراط ثمينة في الحفلات، أو مانطوه أنيق ونظارة سوداء غالبا ما كانت ترتديهما في سفرياتها لإحياء حفلاتها الغنائية.

ثمّة عديد من هذه الصور العفوية لأم كلثوم، يتبادلها محبّوها، لا بوصفها من صور المشاهير المعتادة في ذلك الزمن أو هذا، بل بوصفها صور الست فقط، والست لقب تكريمي وتعظيمي في ذلك الزمن، يحيط صاحبته بهالةٍ كبيرةٍ لا يسمح باختراقها، وهو ما كان يميز أم كلثوم فعلا، فهي لم تكن مطربةً عاديةً مثل مطربات جيلها، لا صوتها الخارق ولا حدسها الفني ولا جوقة الموسيقيين العظماء الذين رافقوا مسيرتها، ولا حتى حياتها الشخصية التي بقيت محصّنة قدر الإمكان عن الإعلام، يجعل منها مطربةً تشبه مطربات ذلك الزمن أو غيره، ولا يمكن حتى إطلاق لقب الأسطورة عليها.

الأسطورة شيء لا يحدث، وهي كانت شديدة الحدوث والوضوح والحضور، إلى درجة بقائها، حتى اللحظة، كما لو أنها مكتشفة للتو، حتى اللقب الذي عرفت به، كوكب الشرق، سخيف ولا يناسبها، فهي ليست سماويةً أبدا، وليست شيئا لا يمكن الوصول إليه. هي أرضية وحسّية جدا، وابنة البيوت والحواري والغيطان والمقاهي الشعبية، والقصور الأرستقراطية والنوادي، ابنة الأهل وابنة أبنائهم وصديقة يومية للحبّبيبة والمتلفين من العشق والهجر والفقد. هي ابنة الأرض بكل ما فيها، غير أن هذا الاقتراب والحضور الطاغي جعلا من كل ما يتعلق بها حالة شبيهة بحالة صاحب السلطة الأعظم. كان صوتها سلطة، سلطة عظيمة حقا، مستبدّا وطاغيا، ولا يمكن النيْل منه، أو حتى التفكير بالنيْل منه. تحكي سيرتها عن محاولات جرت في الصحف الفنية ذلك الوقت لتشويهها، لكن ما حدث أن أصحاب تلك المحاولات طواهم الزمن بصرّة نسيانه، وقلما يذكرهم أحد إلا في سياق حياتها، بينما بقيت هي كما لو أنها هرم رابع يعجز حتى الزمن عن إزالة حجرٍ واحد فيه.

هذه السلطة الطاغية غالبا هي ما جعل حتى من رحيلها لا يشبه رحيل مشاهير آخرين، إذ حسب مقال لبلال فضل عنها أنها رحلت في أوروبا في رحلة علاجها الأخيرة، وعادت إلى مصر “جثة بلا روح”، بيد أن الحكومة المصرية أجلت إعلان وفاتها أكثر من مرة. كانت الحكومة تسرّب أخبارا عن تدهور صحتها كما لو أنها تريد تدريب جماهيرها على سماع خبر صاعق، من دون أن يسبب لهم صدمة قد تفجر البلد. وهذا إجراء لا يحدث عادة إلا مع موت الزعماء الاستبدادين في دول العالم الثالث. كانت زعيمةً بصوتٍ مستبدٍّ سيطر على جمهورها الكبير في كل الوطن العربي، لكنه أجمل استبداد على وجه الأرض، غير أنه الاستبداد الذي يكشف عقلية (MENTLITY) الشعوب التي تعيش في هذا المنطقة التي تبحث عن زعماء أرضيين، طالما من في السماء عصيٌّ على الرؤية والمسك، كما لو أنها في لاوعيها تريد بدائل أرضية. علاقة شعوبنا مع “الزعماء والقادة” استبدالية، مع أي سلطة، حتى لو كانت سلطة صوت كصوت الست العظيم. تمر هذه الأيام ذكرى رحيل الست. أتذكّر وأنا طفلة أننا كنا نسمعها في بيتنا مساء كل يوم، على إذاعة دمشق. ويقول الأصدقاء إن إذاعة إسرائيل كانت تبث لها أيضا أغنية يومية (إسرائيل تسرق حتى اللحظات الحميمية للعرب). حفظتُ أغنياتها من دون أن أنتبه، وتعلقت بها من دون أن أنتبه. كانت أمي تحبها جدا، لا سيما أغنية “حلم”، كانت تغنيها دائما بصوتها الجميل، وأنا أسترق السمع لها بسعادة مطلقة. ظهيرة ذات يوم شتوي من عام 1975، كان الراديو مفتوحا، وعلى غير العادة بثت الإذاعة مقطعا من رباعيات الخيام لأم كلثوم. أذكر أن أمي توترت، وقالت: “له بس ما تكون ماتت؟”. أوقفت الإذاعة البث، وأعلنت عن رحيل الست أم كلثوم المستبدّة العظيمة.

(نقلا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق