ثقافة وفن

الكجور … صور شعبية

بدر الدين العتاق

وسمعت من الأستاذ الدكتور / عبد الله الطيب ؛ رحمه الله ؛ أن بلاد أفريقيا وغربها من دول الكاميرون ونيجيريا والسودان الغربي وبلاد هوسا من جمهورية تشاد  ؛ قال : يعتقد أغلب أهل تلك المناطق بالسحر والشعوذة والدجل وهو ما يصطلح عليه بالكجور فقال : حدثني أحد أعيان نيجيريا وهو من رجالات الأعمال السودانيين الذين يقيمون بكنو بنيجيريا أن هناك شجرة بها عرق لو استخرج بصورة صحيحة فإنه يعمل على علاج السرطان وهو من العلاجات الشعبية المتعارف عليها ؛ فقال : وعددته ضربا من الهرطقة ؛ ونسيت الأمر حتى إذا كنت في إنجلترا بعد مدة من الزمن في الكلية الملكية البريطانية حدثني أحد أساتذتها بأنهم وجدوا علاجا فعالاً شعبياً من عرق شجرة لمعالجة مرضى السرطان أتوا بها من إفريقيا ؛ فتذكرت صاحبنا الذي بنيجيريا وقلت : لعل الأمر أصبح حقيقة ! أو كما قال.

ويضحك هو والحضور في قاعة كلية الطب بجامعة الخرطوم إعجاباً ومتعة.

ذكرت هذه الحادثة بمناسبة ذكرياتي مع الأستاذ المرحوم / الطيب محمد الطيب ؛ الموسوعة الشاملة في الثقافة الشعبية السودانية والإفريقية على السواء؛ حيث ذكر في المحاضرة التي أقيمت بمباني مكتبة البشير الريح العامة بأم درمان سنة  : 1996 م تقريباً ؛  نحوا من ذلك فقال بطريقته المحببة البسيطة السهلة : كانت في  البادية فتاة ناهدة تجلب الماء من الجمام – مكان تجمع المياه من الأمطار أو بفعل الآلات الحديثة ويعرف بالحفاير أو شق الترع والقنوات لانسياب الماء ويخزن فيها لموسم الجفاف في بعض المناطق البعيدة من مجرى النيل ؛ أي : الجمامات / بتشديد الميم الأولى وتخفيف الميم الثانية / في أحد الحالات – أو قال : الترع القريبة من المنطقة التي تقيم فيها وعلى عادتهم قبل أن يملأن الدلاء بالماء يستحممن فيها ؛ وما أن خلعت ملابسها كيوم ولدتها أمها ودخلت على مشرع الماء حتى ظهر لها التمساح العشاري فهالها الموقف صدمة شديدة فرفعت يداها مخافة منه وتصلبت اليدان مكانهما فلم تقدر على انزالهما ولا تحريكهما ولم تفلح كل المحاولات في ذلك بعد أن شهدت الناس المشهد وسحبوها بعيداً عن المشرع .

قال الطيب: لم تفلح كل المحاولات للعلاج وإرجاع اليدين لوضعهما الطبيعي مما ضاقت الحال بأسرتها حتى اهتدوا لمعالج شعبي ( فكي ) يعالج بالرقية والمحاية والبخرات وبعض فنون السحر ؛ فذهبوا إليه ؛ وأمرهم بإحضار الفتاة ومعها أمها واشترط عليهم – أي على الأسرة – أن تخلع ملابسها كما ولدتها أمها – لا تنس الفتاة ناهدة وتسر الناظرين ؛ كان ؛ رحمه الله ؛ يشير إلى هذا من طرف خفي – وإلا فلن تعالج .

قبلت الأسرة بالشرط – أن تخلع ملابسها كيوم ولدتها أمها – وأدخلت الفتاة ومعها أمها للفكي ؛ قالوا : كان رجلاً مخيفاً – لك أن تفهمها كما تشاء – وكان يوقد نارا ويدخل فيها حديدة طويلة ( سيخة ) حتى تحمر احمرارا شديداً وينفخ في الكير وتزيد حمرة وهي تنظر لا تقوى على شيء والأم نفس الأمر والفتاة تجلس بعيداً عن الفكي ويتأملها تفحصا خبيراً وينظر إلى عورتها بشدة و يحول بصره إلى الحديدة المحمرة ؛ فما هي إلا لحظات حتى نزعها من الموقد وجرى بها نحو عورة الفتاة – أكمل الباقي أنت – بسرعة كبيرة وما أن وصلها وهي تصرخ وتصرخ مخافة الاحتراق حتى أنزلت يديها من تسمرهما وغطت بهما عورتها بسرعة رهيبة .

وهنا أذكر كأن الوقت بالأمس القريب (قبل ستة وعشرين سنة فتأمل أصلحك الله! ) الناس الحضور يتابعون بصمت رهيب؛ وما أن وصل الأستاذ / الطيب؛ نهاية الموقف حتى ضج المكان بالتصفيق والضحك والتعليق – توقع كيف كانت التعليقات – وطلبوا المزيد من الحديث.

قال: ومنذ ذلك الحين لم تذهب الفتاة إلى المشرع لترد الماء؛ وأعلي من شأن الفكي أيما إعلاء.

وجدت هذه الثقافة الموغلة في المحلية الشعوبية في غرب سنار بمنطقة مايرنو والشيخ طلحة وإلى تخوم الدمازين من أرض ديرنق وباو وروميلك من قبائل الهوسا والفلاته بامتداد الحدود من نيجيريا وتشاد وغرب السودان ممن استقروا بتلك المناطق؛ وهي ثقافة تستحق الوقوف عليها.

رحم الله الأستاذان الكبيران / المجذوب؛ والطيب محمد الطيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق