ثقافة وفن

الطيب صالح … الركن الشديد (2-2)

بدر الدين العتاق

لم يقف الأمر عند ذلك الحد فمعايشة قضايا أفريقيا والوطن العربي كانت من أهم ما يحمله المثقف السوداني في كنانته ويعرف عن القضايا المصيرية أكثر مما يعرفه أهلها منها كقضية التحرر في جنوب أفريقيا وحركة نلسون مانديلا وجوليوس نيريري ( 1922 م – 1999 م ) في تنزانيا ودول الساحل والصحراء وعيدي أمين دادا في يوغندا ( 1971 م – 1979 م ) وللسودان دور فيه بلا شك، وكذلك القضية الفلسطينية أم المشاكل العربية والعالمية وحتى يومنا هذا ما زال السودانيون يحملون همهم وبناء دولتهم في المحافل العالمية وبالتحديد فترة حكم الإنقاذ ( 1989 م – 2019 م )، ولكن الطيب أحد حملة هذه المشاعل لغوياً وفكرياً وأدبياً وعلمياً ولم يكن السودان همه الأول فقط بل كل دول العرب الإثنين والعشرين دولة يعرف قضاياه ويدافع عنها / راجع كتابه: منسي، وكل كتاباته / حسب موقعه العملي والإعلامي.

‭{‬ المنسي: إنسان على طريقته ‭}‬، هذا الكتاب يحكي سيرة الطيب صالح الذاتية في ثوبٍ قشيب أديب رائع سلس هين بإحترافية ثقافية عالية من طريق صاحبه « منسي يوسف بسطاوروس «وأنت لا تكاد تشعر بالأنا Ego ظاهرة في طيات الكتاب وهنا براعة الكاتب الذي حاول أن يُلخص حياته بشكل أدبي عام لا تشعر فيه بالذاتية ولا بالنرجسية ولا بالتعالي الفج فأنت تقرأه ولا أراك تريد أن تنفك عنه من متعة القراءة والقص ويجعلك تعيش معه المواقف حسنها وقبيحها ومزحها ونكدها ويطوف بك من دلهي إلى طوكيو إلى سيدني إلى كوستاريكا إلى قطر إلى السودان إلى إنكلترا إلى واشنطن إلى محطة البي بي سي ومعك صاحبنا المنسي وهو يورط الطيب في استحقاقه المادي مقابل أداءه التمثيليات بالإذاعة وهو في نفس الوقت موظف بهيئة الإذاعة البريطانية أو يحرجك تصرفه مع ملكة إنكلترا ملكة دول الكومنولث وهو يعطيها درساً في تربية أبناءها الأمراء الأمر الذي كاد أن يبعده من إنكلترا مدى الحياة أو وهو يجول بين مدينة وأخرى كالإسكندرية والقاهرة، وسعد الدين وهبه والسيدة / سميحه أيوب، ويأخذ منهم الملابس الداخلية ليبيعها في بيروت على حساب الطيب الجمركي باعتباره موظفاً مهماً بالسفارة القطرية وأحد مندوبيها الكبار ويبيعها لأحد معارفه ببيروت حيث قمة بسكنتا المنطقة التي كان يقيم فيها الشاعر اللبناني الكبير / ميخائيل نعيمه، فأنت في نعمة مزجاه من الفن والأدب والشعر والسياسة والدين والفلسفة وطريقة الكتابة / قصة أشج بن مروان حفيد عمر بن الخطاب أمير المؤمنين من حفيده عمر بن عبد العزيز / من إلى الإعلام إلى اللغة إلى التأليف الجيد إلى التاريخ إلى نفسك.

قلت: حتى ونحن نقرأ الإلياذة والأوديسه لهميروس والكوميديا.. إلخ لم نقدر على معرفة اليسير الذي توهمناه أو توهمنا معرفته وسبر أغواره أمام الركن الشديد الطيب صالح فمن العيب والخطأ الكبير أن ندعي المعرفة ونحن أجهل خلق الله أمامه، قال بن كلثوم التغلبي:

ألا لا يجهلنَّ أحدٌ علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا

وليت يقف بنا الجهل إلى هنا ولا نكتب في حقه خشيه تعريف المعرَّف فنخطأ في حق اللغة والنحو والأدب جميعاً.

الطيب صالح، يحب شعر المتنبي وشخصه كذلك زهير بن أبي سُلمى وحكمه النبيلة، وبهذه المناسبة أُهدي له – رحمه الله – أبياتاً حفظتها من فيه عبد الله الطيب وهو يلقيها على مسامعنا من إذاعة أم درمان في برنامجه الأشهر « محاضرة الأسبوع « الذي كان يُقدَّم يوم الجمعة بعد الساعة العاشرة صباحاً أي بعد نشرة الأخبار وهذه القصيدة قالها المتنبي في حق سيف الدولة مهدئاً عتابه بعد أن ساء الأمر بينهما في خبر طويل ليس ههنا موضعه من التفصيل قال:

فَهِمتُ الكِتابَ أَبَرَّ الكُتُب* فَسَمعاً لِأَمرِ أَميرِ العَرَب

وَطَوعاً لَهُ وَاِبتِهاجاً بِهِ* وَإِن قَصَّرَ الفِعلُ عَمّا وَجَب

وَما عاقَني غَيرُ خَوفِ الوُشاةِ

وَإِنَّ الوِشاياتِ طُرقُ الكَذِب

وَتَكثيرِ قَومٍ وَتَقليلِهِم

وَتَقريبِهِم بَينَنا وَالخَبَب

وَقَد كانَ يَنصُرُهُم سَمعُهُ

وَيَنصُرُني قَلبُهُ وَالحَسَب

وَما قُلتُ لِلبَدرِ أَنتَ اللُجَينُ

وَلا قُلتُ لِلشَمسِ أَنتِ الذَهَب

فَيَقلَقَ مِنهُ البَعيدُ الأَناةِ

وَيَغضَبَ مِنهُ البَطيءُ الغَضَب

وَما لاقَني بَلَدٌ بَعدَكُم

وَلا اِعتَضتُ مِن رَبِّ نُعمايَ رَب

وَمَن رَكِبَ الثَورَ بَعدَ الجَوادِ

أَنكَرَ أَظلافَهُ وَالغَبَب

وَما قِستُ كُلَّ مُلوكِ البِلادِ

فَدَع ذِكرَ بَعضٍ بِمَن في حَلَب

وَلَو كُنتُ سَمَّيتُهُم بِاِسمِهِ

لَكانَ الحَديدَ وَكانوا الخَشَب

أَفي الرَأيِ يُشبَهُ أَم في السَخاءِ

أَم في الشَجاعَةِ أَم في الأَدَب

مُبارَكُ الاِسمِ أَغَرُّ اللَقَب

كَريمُ الجِرِشّى شَريفُ النَسَب

أَخو الحَربِ يُخدِمُ مِمّا سَبى

قَناهُ وَيَخلَعُ مِمّا سَلَب

إِذا حازَ مالاً فَقَد حازَهُ

فَتىً لا يُسَرُّ بِما لا يَهَب

وَإِنّي لَأُتبِعُ تَذكارَهُ

صَلاةَ الإِلَهِ وَسَقيَ السُحُب

وَأُثني عَلَيهِ بِآلائِهِ

وَأَقرُبُ مِنهُ نَأى أَو قَرُب

وَإِن فارَقَتنِيَ أَمطارُهُ

فَأَكثَرُ غُدرانِها ما نَضَب

أَيا سَيفَ رَبِّكَ لا خَلقِهِ

وَيا ذا المَكارِمِ لاذا الشُطَب

وَأَبعَدَ ذي هِمَّةٍ هِمَّةً

وَأَعرَفَ ذي رُتبَةٍ بِالرُتَب

وَأَطعَنَ مَن مَسَّ خَطِّيَّةً

وَأَضرَبَ مَن بِحُسامٍ ضَرَب

بِذا اللَفظِ ناداكَ أَهلُ الثُغورِ

َلَبَّيتَ وَالهامُ تَحتَ القُضُب

وَقَد يَئِسوا مِن لَذيذِ الحَياةِ

فَعَينٌ تَغورُ وَقَلبٌ يَجِب

وَغَرَّ الدُمُستُقَ قَولُ العُداةِ

أَنَّ عَلِيّاً ثَقيلاً وَصِب

وَقَد عَلِمَت خَيلَهُ أَنَّهُ

إِذا هَمَّ وَهوَ عَليلٌ رَكِب

أَتاهُم بِأَوسَعَ مِن أَرضِهِم

طِوالَ السَبيبِ قِصارَ العُسُب

تَغيبُ الشَواهِقُ في جَيشِهِ

وَتَبدو صِغاراً إِذا لَم تَغِب

وَلا تَعبُرُ الريحُ في جَوِّهِ

إِذا لَم تَخَطَّ القَنا أَو تَثِب

فَغَرَّقَ مُدنَهُمُ بِالجُيوشِ

وَأَخفَتَ أَصواتَهُم بِاللَجَب

فَأَخبِث بِهِ طالِباً قَهرَهُم

وَأَخبِث بِهِ تارِكاً ما طَلَب

نَأَيتَ فَقاتَلَهُم بِاللِقاءِ

وَجِئتَ فَقاتَلَهُم بِالهَرَب

وَكانوا لَهُ الفَخرَ لَمّا أَتى

وَكُنتَ لَهُ العُذرَ لَمّا ذَهَب

سَبَقتَ إِلَيهِم مَناياهُمُ

وَمَنفَعَةُ الغَوثِ قَبلَ العَطَب

فَخَرّوا لِخالِقِهِم سُجَّداً

وَلَو لَم تُغِث سَجَدوا لِلصُلُب

وَكَم ذَدتَ عَنهُم رَدىً بِالرَدى

وَكَشَّفتَ مِن كُرَبٍ بِالكُرَب

وَقَد زَعَموا أَنَّهُ إِن يَعُد

يَعُد مَعَهُ المَلِكُ المُعتَصِب

وَيَستَنصِرانِ الَّذي يَعبُدانِ

وَعِندَهُما أَنَّهُ قَد صُلِب

لِيَدفَعَ ما نالَهُ عَنهُما

فَيا لَلرِجالِ لِهَذا العَجَب

أَرى المُسلِمينَ مَعَ المُشرِكينَ

إِمّا لِعَجزٍ وَإِمّا رَهَب

وَأَنتَ مَعَ اللَهِ في جانِبٍ

قَليلُ الرُقادِ كَثيرُ التَعَب

كَأَنَّكَ وَحدَكَ وَحَّدتَهُ

وَدانَ البَرِيَّةُ بِاِبنِ وَأَب

فَلَيتَ سُيوفَكَ في حاسِدٍ

إِذا ما ظَهَرَت عَلَيهِم كَئِب

وَلَيتَ شَكاتَكَ في جِسمِهِ

وَلَيتَكَ تَجزي بِبُغضٍ وَحُب

فَلَو كُنتَ تَجزي بِهِ نِلتُ مِنكَ

أَضعَفَ حَظٍّ بِأَقوى سَبَب

ويحب أيضاً الأستاذ الدكتور المرحوم / منصور خالد [(17 يناير 1931 – 22 أبريل 2020) دبلوماسي وكاتب وسياسي ومفكر سوداني]، ومن أمتع ما قرأت كتاب الأخير عنه وهما في لندن يشير إلى عفوية وصفوية وثقافة الطراز الفريد الأوحد صاحبه الطيب صالح بلغة عالية لا نستطيعها نحن المتأخرون ولا نكاد نحذو حذوهم إلا قليلاً.

الأديب صالح، كنت قد كتبت عنه مقالاً مطولاً في كتابي: « قبضة من أثر الأديب « صدر سنة: 2020 م، من الهيئة المصرية العامة للكتاب، تحت عنوان: الطيب صالح.. والرواية الضائعة! وكنت قد نشرتها من قبل في صحيفة ألوان حرسها الله، وهأنذا لم يفتر لي عزم ولم تلن لي قناة ولم ينكسر قلمي بعد، أكتب عنه وعن أدبه وذخائره فهو حقيق على الأدب والمعرفة قال المتنبي:

وبيننا لو رعيتم ذاك معرفة * إنَّ المعارف في أهل النهى ذمم

أذكر يوم تكريم الراحل الدكتور / عبد الله الطيب، من تلميذه الدكتور / علي المك، سنة: 1993 م تقريباً بقاعة الصداقة بالخرطوم أن حوى كلمته الرصينة بأبيات شعر للشاعر متمم بن نويرة وهو يرثي أخاه مالكاً بن نويرة وكان بين كل فقرة وأخرى ترى المجذوب يبتسم ابتسامته الرضوية لأشياء في نفس يعقوبيهما فأنشد المك:

فإِنْ تَكُنْ الأَيَّامُ فَرَّقْنَ بَيْنَنَا

فقد بَانَ مَحْمُوداً أَخي حِينَ وَدَّعَا

أَقُولُ وقد طار السَّنَا في رَبَابِهِ

وجَوْنٍ يَسُحُّ الماءَ حَتَّى َترَيَّعَا

سَقَي اللهُ أَرضاً حَلَّهَا قَبْرُ مالِكٍ

ذِهَابَ الغَوَادِي المُدْجِناتِ فَأَمْرَعَا

وآثرَ سُيْلَ الوَادِيَيْنِ بِدِيمَةٍ = تُرَشِّحُ وَسْمِيًّا منَ النَّبْتِ خِرْوَعا

فَمُجْتَمَعَ الأَسْدَامِ مِنْ حَوْلِ شَارِعٍ

فَرَوَّى جِبَالَ القَرْيَتَيْنِ فَضَلْفَعَا

فوَ اللهِ ما أُسْقِي البِلاَدَ لِحُبِّهَا

ولكِنَّنِي أُسْقي الحَبِيبَ المُوَدَّعَا

تَحِيَّتَهُ مِنِّي وإِنْ كانَ نَائِياً

وأَمْسَي تُرَاباً فَوْقَهُ الأَرْضُ بَلْقَعَا

وهنا ضحك عبد الله الطيب حتى بدت نواجذه، رحمهما الله أجمعين.

وأنا بدوري تيمناً به وبهم جميعاً بلا غلو أن أقول بقول الشاعر القديم شهاب الدين السهروردي:

تشبهوا إن لم تكونوا مثلهم

إنَّ التشبه بالكرام فلاح

دعني أردد مع المك ما كان مع المجذوب لأقول بقول بن نويرة لركن الرواية السودانية العالمية الشديد الطيب صالح:

فإِنْ تَكُنْ الأَيَّامُ فَرَّقْنَ بَيْنَنَا

فقد بَانَ مَحْمُوداً أَخي حِينَ وَدَّعَا

أَقُولُ وقد طار السَّنَا في رَبَابِهِ

وجَوْنٍ يَسُحُّ الماءَ حَتَّى َترَيَّعَا

سَقَي اللهُ أَرضاً حَلَّهَا قَبْرُ مالِكٍ

ذِهَابَ الغَوَادِي المُدْجِناتِ فَأَمْرَعَا

وآثرَ سُيْلَ الوَادِيَيْنِ بِدِيمَةٍ

تُرَشِّحُ وَسْمِيًّا منَ النَّبْتِ خِرْوَعا

فَمُجْتَمَعَ الأَسْدَامِ مِنْ حَوْلِ شَارِعٍ

فَرَوَّى جِبَالَ القَرْيَتَيْنِ فَضَلْفَعَا

فوَ اللهِ ما أُسْقِي البِلاَدَ لِحُبِّهَا

ولكِنَّنِي أُسْقي الحَبِيبَ المُوَدَّعَا

تَحِيَّتَهُ مِنِّي وإِنْ كانَ نَائِياً

وأَمْسَي تُرَاباً فَوْقَهُ الأَرْضُ بَلْقَعَا

الطيب صالح – أو «عبقري الرواية العربية» كما جرى بعض النقاد على تسميته- أديب عربي من السودان، اسمه الكامل الطيب محمد صالح أحمد. ولد عام (1348 هـ – 1929م) في إقليم مروي شمالي السودان بقرية كَرْمَكوْل بالقرب من قرية دبة الفقراء وهي إحدى قرى قبيلة الركابية التي ينتسب إليها، وتوفي في إحدى مستشفيات العاصمة البريطانية لندن التي أقام فيها في ليلة الأربعاء 18 شباط/فبراير 2009 الموافق 23 صفر 1430هـ.

عاش مطلع حياته وطفولته في ذلك الإقليم، وانتقل في شبابه إلى ولاية الخرطوم لإكمال دراسته فحصل من جامعة الخرطوم على درجة البكالوريوس في العلوم. سافر إلى إنجلترا حيث واصل دراسته في جامعة لندن، وغيّر تخصصه إلى دراسة الشؤون الدولية السياسية.

رحمهم الله جميعاً إن شاء الله

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق