آراء

كوكاسيات

تفرغ كتابنا والترف الفكري

تفرغ كتابنا والترف الفكري

الكتابة امتياز وجودي وليست اختيارا كما أنها ليست وظيفة، بل هي أشبه بالتورط القصري اللذيذ والمر، الممتع والمفجع… في روح الكون، وحين يطرح سؤال تفرغ الكتاب العرب يبدو لي الأمر أحيانا أشبه بترف فكري في سياقنا الثقافي الملتبس، حين يطرح سؤال تفرغ الكتاب والمثقفين لمهامهم المتمثلة في إثراء المنتوج الرمزي للأمة، يجب أن نميز بين نوعين من الكتابة:

الكتابة المرتبطة بالحقول الأكاديمية أو المهنية وهذه عادة تتعلق بوظيفة الكاتب الذي قد يكون أستاذا جامعيا أو صحفيا أو طالبا أو موظفا له انشغالات من صميم وظيفته أو موازية لها، وهنا لا يطرح مبدأ التفرغ الأبدي للكتابة، لأنه تفرغ علمي مرتبط بزمن محدد ومكان محدد داخل البلد أو خارجه، وهنا تراعى مسائل تقنية مثل نوع الشهادة أو البحث وجدوى الموضوع وعدد المؤلفات والبحوث المنشورة، ووجود لجنة علمية تحقق في ملفات الكتاب طالبي التفرغ لمدد معينة ترفع بدورها تقريرها إلى مجلس الجامعة أو الكلية أو المعهد أو المؤسسة المعنية، مع وجود هيئة نزيهة تتابع مسار هذا النوع من التفرغ، وترتب الجزاءات والكفاءات حسب احترام أو إخلال الكاتب المتفرغ بالحقوق والامتيازات الممنوحة له..

الكتابة الإبداعية والتنظيرية التي ينجزها كتاب خارج أي التزام مع أي مؤسسة سوى ما ينتجون من مؤلفات تشكل إضافة نوعية في الحقل الرمزي للأمة، هذا هو المجال الذي يقتضي لتفرغ عبر رعاية الدولة والمؤسسات الخاصة التي تعنى بالشأن الثقافي والفكري والفني للمجتمع، إن مجال الكتابة الإبداعية والتأليف في قضايا الفكر والنقد والبحث العلمي الحر يطرح إشكالات عديدة بعضها أخلاقي وبعضها مرتبط بشكل الثقافة التي ننطلق منها اليوم وتلك التي نسعى إلى ترسيخها، حيث يبدو لي سؤال تفرغ الكتاب والمبدعين أشبه بالترف الفكري ذلك أن هناك أولويات ذات ملحاحية كبرى تطرح على المجتمع العربي وعلى صناع القرار أسئلة عميقة، في مقدمتها أزمة القراءة والمردودية الرمزية والمادية لما يكتبه المبدعون والمثقفون عامة هنا والآن.

أزمة الإبداع الرمزي لدينا ليست مرتبطة بأوهام وظيفة الكتابة والبحث عن قانون للتفرغ الثقافي، بل لماذا يضرب القراء عن قراءتنا؟ ولماذا لا يجد المبدعون المعترف بفحولتهم الأدبية أي صدى في المجتمع وكيف سيحلم هؤلاء بالتفرغ للكتابة وتصنيف المؤلفات التي تعود لهم دوما مرجوعاتها أقوى من مبيعاتها كما يعود الزورق إلى النبع.

يجب ألا نضخم ككتاب ومبدعين من وظائفنا في مجتمع ليس لنا فيه أي موقع اعتباري، وأصبح الإبداع والثقافة تعيشان على هامش الهامش، والإشكال الثاني يتعلق بالوضع الاعتباري للكاتب المرتبط بدوره بسؤال: أي وظيفة للكاتب المبدع والمفكر في حقل الإنتاج الرمزي العربي وفي امتلاك الحق في المساهمة في مونوبول الإنتاج الرمزي.

لذلك لا أرى أي جدوى أو ضرورة يفرضها السياق العربي في حقل التداول الرمزي لمسألة تفرغ الكتاب والمبدعين، وإلا سيصبح لنا بين عشية وضحاها جيش من الكتاب ينبتون كالفطر، وسيل من المنتوجات المقترفة عن سابق إصرار وترصد باسم الإبداع، وهذا فيه إسفاف وجري وراء الغنيمة، وجني على حرمة الإبداع.. نحتاج فقط أن نقرأ وأن يسمح التعليم بتخريج متعلمين لهم علاقة بالإنتاج الرمزي للأمة، خارج ذلك كل تفرغ يبدو لي اليوم مثل ترف فكري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق