خارج الحدود

خارج الحدود

مع تزايد الضغوط على المنظومة البيئية عالمياً... يبقى الرهان على الاقتصاد الأخضر كحل استراتيجي بأبعاد إنسانية

عبد العالي الطاهري

في ظل استمرار وتزايد الضغوط على البيئة نتيجة الالتزامات والنشاطات المختلفة التي تخدم الاقتصاد وخاصة في الدول الصناعية الكبرى، بدأ يظهر مفهوم «الاقتصاد الأخضر»، وهو المرادف لتحقيق النمو والتنمية المستدامة دون الإخلال بالنظام البيئي وكذلك توفير المساعدات والمنح للدول الفقيرة من أجل النهوض بالتعليم والصحة والبنيات الأساسية، ما يعني تحقيق نوع من العدالة والمساواة في أبعادها التنموية كونياً وشمولياً.

اليوم أكثر من مليار شخص يستخدمون ويستغلون البيئة بشكل جد مفرط ، الحكومات تعيش على إيقاع الأزمات المالية العالمية ، والفجوة بين الأغنياء والفقراء تزداد اتساعاً، وفي حال استمرار إهدار الموارد خاصة الطبيعية منها، سوف يعيش أكثر من 4 مليار فرد في أماكن تعاني من النقص الشديد في المياه بحلول 2050 ، الصين والهند سوف تحتاج ل 80% أكثر من الطاقة التى تعتمد بشكل أساسي على الوقود الأحفوري ، غازات الصوبة الخضراء سوف تظل ثابتة في دول منظمة التنمية و التعاون الدولى (OECD) وروسيا ، بينما تزداد أكثر من الضعف في مجموعة  البريكس،وتزداد في باقي دول العالم وعالمياً بنسبة أكثر من 50% وهو مايزيد من درجة حرارة الأرض من 3 الى  6 درجات مئوية بنهاية القرن الحالي .

علاوةً على ذلك، فإن المزارع، التمدد العمراني، قطع الأشجار، التغيرات المناخية، يمكن أن تقلل من نسبة تنوع الكائنات الحية بمقدار 10%، تلوث الهواء والجسيمات العالقة بالأوزون على الارض والهواء غير الصحي؛ سوف تصبح من أهم أسباب الوفاة المبكرة حول العالم، كل هذه الأسباب والمظاهر جعلت دول العالم في حاجة ماسة لتغيير مسار وتوجهات صناعتهم، والاتجاه نحو اقتصاد نظيف واستخدامات طاقات جديدة نظيفة وهو ما يتمثل في منظومة «الاقتصاد الأخضر».

بقراءة أخرى، فإن معدلات النمو الحالية ليست مستدامة، فهناك طريقة واحدة ووحيدة يمكنها أن تُخرج العالم من هذه المعضلة، وهي المتمثلة في تبني مفهوم «الاقتصاد الأخضر» في أُفق تعزيز النمو الاقتصادي العالمي. وفي هذا السياق فإن منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD ) لديها العديد من الوسائل للمساعدة وتنزيل هذه الأهداف، والتي تشمل المؤشرات لقياس النمو ، تقييم الموارد الطبيعية وتقييم أضرار التلوث، و هو أحد الحلول الرئيسية لتفادي الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية ، كما أن فرض الضرائب على انبعاثات الكربون وتقنين الانبعاثات من قبل الحكومات يمكن أن يدر 250 مليار دولار سنويا بداية من السنة الجارية 2021،  كما أنَّ رفع الدعم على إنتاج الوقود الأحفوري واستخدامه سوف يقلل من معدلات الانبعاثات ويزيد من الدعم المالي لقطاعات حيوية من قبيل التعليم والصحة ، كما أنَّ مساعدات الدول المانحة التي تُقدَّر بأكثر من 5 مليار دولار، سوف تذهب إلى حماية البيئة و نقل التكنولوجيا والتجارة والاستثمار، والدعم المالي الأكبر سوف يمنح جميع الدول فرصة أكبر لتحقيق « النمو الأخضر » ، وفيما يخص مجال الأعمال الخاصة  فإن الاستثمارات الخضراء سوف تحسن من توازن الأوراق المالية ومعها المجال البيئي في بعده الشمولي .

هذا الاهتمام والتوجه نحو «الاقتصاد الأخضر»، باعتباره نشاط اقتصادي صديق للبيئة وإحدى سُبل تحقيق التنمية المستدامة، حيث كانت البداية من قمة الأرض (ريو دي جانيرو) عام 1992، وبعد عشرين عاما في (ريو دي جانيرو) مرة أخرى، وبالضبط خلال مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة   « RIO+20 آفاق جديدة نحو تحقيق التنمية المستدامة » ، ومؤتمر « ريو +20 »، الذي ألزم حكومات الدول بتطبيق وعودها في نمو اقتصادي عادل ومستدام .

من هذا المنطلق جاء التوجه نحو ضرورة تبني «الاقتصاد الأخضر» والاعتماد في الصناعة والاستثمار على الطاقات الجديدة والمتجددة، مثل الطاقة الريحية والطاقة الشمسية، بُغية تحقيق تنمية مستدامة تصاحبها نتائج بيئية نظيفة غير ضارة وآثار اجتماعية واقتصادية إيجابية، لإعادة التوازن البيئي لكوكب الأرض وخلق عدالة مجالية في بعدها البيئي وكذا تقليل الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

إضافة إلى السالف عرضه، فقد أصبح تحقيق «التنمية المستدامة» وكذا معدلات نمو مرتفعة على المدى البعيد، من الأهداف المنشودة عالمياً ومحلياً، فجميع دول العالم أصبحت تسعى لتحقيق تنمية مستدامة تشمل جميع النواحي (الاقتصادية، الاجتماعية، البيئية، السياسية، الفنية ) . والمملكة المغربية من الدول التي سعت وتسعى منذ عقود نحو تحقيق تنمية مستدامة شاملة وذلك وفقا لتوصيات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق النقد الدولي، بل استطاع المغرب أن يتجاوز سقف الأهداف المخطط لتنزيلها، حيث صار نموذجا يُقتدى به عالمياً، خاصة على مستوى منظومتي الطاقات المتجددة ونسوق هنا نموذجَي «نور1» و «نور2» بمدينة ورزازات و « الاقتصاد الأخضر » .

ليبقى هنا السؤال المفصلي هو التالي: كيف ستتمكن دول العالم، خاصة منها الأكثر تلويثاً لكوكب الأرض، أن تُحول اقتصادها من الاقتصاد البني أو الاقتصاد المتخلف إلى الاقتصاد الأخضر وتحقيق التنمية المستدامة؟

المغرب يتجه نحو «الاقتصاد الأخضر»

في أفق خفض فاتورة الطاقة

استمراراً على نهجه الاستراتيجي المحافظ على المنظومة البيئية، يتجه المغرب نحو تسريع الانتقال الطاقوي في سياق التشديد على انخراط شركائه في الاقتصاد الأخضر الذي يقوم على الصناعة الدائرية الخالية من الكربون، وهو ما سيساعده على تقليص فاتورة الطاقة.

وأوصى خبراء باستعمال أنواع من وقود صديق للبيئة في وسائل النقل، بما يساعد على خفض انبعاث الكربون، مشددين على ضرورة خفض الارتهان لمصادر الطاقة الأحفورية. 

وفي هذا السياق سبق وأن صرح وزير الصناعة والتجارة، مولاي احفيظ العلمي، نهاية العام 2020، بأن “المغرب، الذي اتخذ خطوات مهمة في مجال الانتقال الطاقوي، ملتزم التزاماً راسخاً بالتحوّل إلى الاقتصاد الأخضر، ولا سيما من خلال خطته للإنعاش الصناعي التي تشكل الصناعة الدائرية الخالية من الكربون حجر الزاوية فيها”.

وتنكب وزارة الطاقة والمعادن والبيئة بالمملكة المغربية، كما أوضح ذلك الوزير عزيز رباح، عند عرض ميزانية الوزارة أمام مجلس النواب، على إعداد خطة من أجل إنتاج الهيدروجين، الذي يُنتظر استعماله في الصناعة والنقل، حيث إن المغرب يرنو إلى إنتاج الهيدروجين المستخرج من الماء.

ويعتبر المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، أنَّ المغرب يتوفر على قدرات مهمة في مجال الطاقة الخضراء، حيث يمكنها أن تساهم في الانتقال الطاقوي، الذي سيُخفض التبعية النفطية للمملكة بنسبة 17 في المائة، كما سيساعد ذلك الانتقال على خفض فاتورة الطاقة بنسبة 12 في المائة.

وتراجعت فاتورة واردات الطاقة في العشرة أشهر الأولى من العام 2020 بنسبة 35.3 في المائة، لتستقر في حدود 4.5 مليارات دولار، تحت تأثير تراجع الطلب بسبب تباطؤ النشاط الاقتصادي وانخفاض الأسعار في السوق الدولية جراء تبعات جائحة «كوفيد19 ».

وتعتبر فاتورة الطاقة حاسمة في عجز الميزان التجاري ورصيد النقد الأجنبي، فقد وصلت في سنة 2019 إلى 7.9 مليارات درهم، حيث إن ارتفاعها يبرر توجه المغرب نحو الاعتماد على الطاقات الجديدة والنظيفة ضمن خطة الانتقال الطاقوي.

ويعتبر زكرياء نجمي، الخبير في معهد الأبحاث في الطاقات الشمسية والطاقات المتجددة، في ندوة نُظِّمت حول “التنقل في المدن»، أنه يمكن التوجه نحو استعمال وقود “البيو إيثانول”، الأقل تلويثاً، حيث يمكن أن يكون أحد مصادر الطاقة التي يُستعاض بها عن مصادر الطاقة الأحفورية.

ويتصور أنه يمكن تقليص انبعاث ثاني أوكسيد الكربون بنسبة 90 في المائة، عبر اللجوء لاستعمال السيارات الكهربائية الهجينة، بالموازاة مع دمج وسائل النقل العمومية في حزمة عروض واحدة.

وكانت شركة ” سيتروين الفرنسية» قد كشفت عن سيارة كهربائية صغيرة مركبة بمصنعها بمدينة القنيطرة، بينما سبق لرئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، أن أكد على التوجه نحو توفير سيارة كهربائية محلية الصنع بالمغرب.

وأبرمت المملكة المغربية منذ عامين اتفاقية مع المصنع الصيني “بي واي دي”، يُراد من ورائها إنتاج سيارات كهربائية في المدينة الصناعية بطنجة، غير أن ذلك المشروع لم ينطلق بعد.

وسعى المغرب إلى تحفيز الوكلاء على استيراد السيارات الخضراء، ما دامت السلطات العمومية أعفت استيراد السيارات الكهربائية والهجينة من حقوق الجمرك في 2017، كما شرعت في العام نفسه في إلغاء الضريبة السنوية الخاصة التي تصيب السيارات الكهربائية، غير أن مبيعات تلك السيارات، لم تشهد ارتفاعا كبيرا، وهو ما يفسر غلاء تلك السيارات.

ويتصدر النقل القطاعات المستهلكة للطاقات الأحفورية، حيث يمثل نسبة 38 في المائة، ويأتي في المركز الثاني بنسبة 31 في المائة على مستوى مخلفات غاز ثاني أوكسيد الكربون، حسب ما أكده خبراء خلال فعاليات ندوة نُظمت العام الماضي حول ” التنقل في المدن”.

وسبق أن ذكرت كوثر بن عبد الله من المؤسسة الألمانية “غيز” المتخصصة في التنمية في قطاع النقل والبيئة، في ذات الندوة، أنه يمكن استخلاص بعض الدروس التي أتاحتها الأزمة الصحية المرتبطة بجائحة كورونا، والتحول إلى وسائل نقل تكون أقل استدعاء لاستهلاك الطاقة، والاعتماد على ما تُتيحه التكنولوجيا من أجل تحقيق هدف النجاعة الطاقوية المتوخاة من السيارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق