سياسة

أوراق الخريف … ثورة فبراير تسع سنوات من مقارعة الاستبداد

موسى تيهوساي*

عندما كتبت هذا العنوان أعرف إنه ليس من السهل الانتقال من فوضى الثورات إلى ضفاف الديمقراطية في لمحة بصر. ولا يبدو سهلا الحفاظ على مكتسبات الثورة حتى تشمل كافة مؤسسات الدولة. يقول المؤرخ الإيراني المعارض والمعجب بثورات الربيع العربي ” هوما كاتوزيان” في كتابه “الفرس إيران في العصور القديمة والحديثة ” إن مشكلة الثورات التي حدثت في ايران كانت في أن قادتها لا يفكرون باليوم التالي بعد سقوط النظام حيث يتم استغلال الثورة والثوار وينته الامر بيد حاكم أكثر طغيانا وبطشا من الأول.

وقد حدث ذلك في أغلب دول الربيع العربي حيث تم إنشاء غرفة عمليات متقدمة تعتمد على دبلوماسية المال لإجهاض ثورات الشعوب والتي سميت مجازا بالثورات المضادة ومقرها أبو ظبي كما يديرها محمد بن زايد رفقة دول أخرى أبرزها فرنسا ولاحقا انضمت السعودية بثقلها المالي والعبثي إليها..

ولا يختلف اثنان منصفان على أن ما حصل في مصر من انقلاب عسكري على أول نظام مدني في تاريخ البلاد يٌعد انتكاسة عميقة وضربة قاصمة لثورة ٢٥ يناير وكان ذلك أول محطات نجاح مشروع الاستبداد الذي يقوده الرز الخليجي والذي واصل بكل سادية بعد ذلك في ضرب إرادة الشعوب في كل من ليبيا والصومال والسودان والجزائر وحتى إثيوبيا، بينما استمر في محاولات لا تكل ولا تمل لأحداث شرخ مؤسسي في تونس ودعم رجالات بن علي وغيرهم لإعادة التموضع في المؤسسات أو ما يعرف بالدولة العميقة.

إلا أن الثورة المضادة لم تنجح حتى الآن في وأد هذه الثورات حيث أغلقت تونس كافة أبواب المساومات وحرص جميع اطياف المجتمع على حقهم في الانتقال إلى ضفاف الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة وهو اسمى أهداف الثورات وأولى تطلعات الشعوب العربية التي عاشت عقود طويلة من الظلم والتنكيل وسلب الإرادة السياسية والكرامة الإنسانية.

ولعل ذلك ما جعل تونس اليوم مثالا رائعا للشعوب التي ملكت أو فرضت رأيها وقالت كلمتها وهي أن الديمقراطية والتداول السلمي يمكن أن يحصل في دول العالم الثالث على عكس ما يروج له جنرالات الموت من أن الشعوب لا تزال غير جاهزة للانتقال الديمقراطي.

اما ليبيا فقدت كانت من أكثر الدول التي دفعت ولازال ثمنا باهظا للثورة والتحرر من أغلال الاستبداد ومقاومة عتاة الثورة المضادة في واحدة من أشرس وقوى المعارك بين الثورات والانقلابات العسكرية وأكثرها تكلفة في تاريخ الثورات العربية على مدى قرنين من الزمان.

معركة استخدمت فيها كافة أنواع العنف وآلات الموت واحدثها حيث سجلت عالميا على أنها من أكثر المعارك الحديثة التي استخدم فيها الطيران المسير بشكل لا يوصف منها 800 غارة جوية في مدينة طرابلس وحدها في شهور فقط.

إلا أن هذا الكم الهائل من البارود والتنكيل والترويع والقتل بأبشع الصور وأكثرها وحشية تصفيات ميدانية شاملة ورمي الضحايا في مقابر جماعية، لم يؤد إلى وأد الثورة في ليبيا بل انتهى بهزيمة نكراء وصل صداها الى أصقاع الدنيا وسقطت قلاع المستبد الغاصب وداعميه واحدة تلو الأخرى آخذة معها فقدان أدنى أمل في نجاح اي محاولة جديدة لمشروع الاستبداد العربي الذي تقوده إمارة ابو ظبي.

إن أهم أدوات التغير المجتمعي تأتي بعد وعي الشعوب وفرض إرادتها على الحاكم وأدواته فالشعوب التي تخاف من التغير وتضع مخاوف وهمية أمام كل ساعٍ إلى التغيير ستبقى ابد الدهر تحت وطأة المستبد بالتالي بقاء التخلف الحضاري والفقر والبطالة والتجهيل..

يقول الكواكبي في طبائع الاستبداد.

المستبد يود أن تكون رعيته كالغنم درا وطاعة، وكالكلاب تذللا وتملقا، وعلى الرعية أن تكون كالخيل أن خُدمت خدمت وإن ضربت شرست، وعليها أن تكون كالصقور لا تلاعب ولا يستأثر عليها بالصيد كله.

خلاف للكلاب التي لا فرق بينها أطعمت أو حرمت حتى من العظام.

وعليها أن تعرف مقاهما هل خلقت خادمة لحاكمها تطيعه أن عدل أو جار، وخلق هو ليحكمها كما شاء بعدل أو اعتساف أم هي جاءت به ليخدمها فاستخدمها.

لم يكن الكواكبي حينئذ يعرف أن نظام القمع والسحل الذي سيخلف نظام الدولة العثمانية أكثر ظلما من ما عناه آنذاك ولم يعرف أن الشعوب أصبحت خارج أي معادلة بل بقيت خادمة طوال عقود للحاكم وحكمها هو باعتساف لم يخطر على بالك الكواكبي رغم التطور العلمي والتكنولوجي.

*(كاتب صحفي ليبي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق