ثقافة وفن

رواية “ذاكرة الغياب” لعبد العزيز كوكاس

سيرة متشظية ترسم مسار جيل

أحمد الكبيري

“ذاكرة الغياب” رواية تحكي سيرة معلم اسمه صالح البشير، وهي سيرة لحياة مليئة بالارتجاجات والإخفاقات والتشظيات والهزائم والاحباطات واليأس، هي سفر شاسع في الذات والكينونة وهوامش الروح، وهي كذلك متاهة من الواقع والخيال لشخصية ضعيفة مهزوزة ومتناقضة، شخصية لم يعد بمقدورها فعل أي شيء سوى السكون والتقوقع والانطواء والبعد عن الواقع وعن الناس، غير قادرة تماما على الاندماج أو الاستقرار، بل لا تعرف حتى ما تريد ولا لأية غاية هي تحيى.

فماذا يريد الكاتب أن يقول لنا من خلال هذه السيرة المتشظية؟ ولماذا يريد أن نستكشف معه أدق التفاصيل في حياة صالح البشير منذ نعومة أظافره إلى أن غاص في حمولة النهر الذي جرفه إلى متاهات الغياب؟ هل صالح هذا شخصية استثنائية؟ غرائبية؟ تاريخية؟ أم هي فقط أنا وأنت وكل هذا الجيل الذي قُدر له أن يولد في زمن ما بعد الاستقلال، زمن استعملت في معاركه كل الوسائل الممكنة، لجعله إما خانعا متملقا أو مهمشا لا صدى له يعيد صورته إلى الوجود؟

هذه مجرد أسئلة سأحاول على ضوئها مقاربة هذا النص الروائي والعمل على مناقشته وإبداء وجهة نظري وانطباعاتي حوله، محاولا بذلك الإسهام، إلى جانب قراءات أخرى محتملة، والتفاعل مع النص والعمل على تقريبه من القارئ وجعله أكثر انفتاحا على محيطه.

أول ما يلفت الانتباه في “ذاكرة الغياب” هو التقسيم الذي اعتمده الكاتب كشكل أو قالب أفرغ فيه سيرة صالح البشير وجعلها تنضح بكل ما فيها من حكايات واستهامات وعلائق وشخوص وأمكنة واسترجاعات عبر أزمنة مختلفة، فصالح جدع الحكاية والباقي فروع له.. لقد خلق الكاتب صالح، وسهر على تربيته وتتبع خطاه ورسم علاقاته ودَون خلجات نفسه وتنصت على أحاسيسه وانفعالاته، وعَد عليه حركاته وسكناته حتى إذا ما اكتملت صورة صالح وبدت ناصعة لديه، مزقها قطعا غير متساوية ولا متناسقة ولا مرقمة ولا محددة بتاريخ أو ساعة ثم نثرها على وجه القارئ في يوم عاصف، وقال له: لملم هذه الشظايا واصنع وجها لصالح البشير كما تحب، وضع له الإطار الذي تراه مناسبا له..فصالح قد غاب ولن يعود ليحاسب أحدا منا عن التشوه الذي قد يلحق ذاكرته.. فالتذكر عملية ليست دائما دقيقة، فهي مثل العنعنة لا يوثق فيها إلا بحديث التقاة.

لقد جعل الكاتب للرواية مقدمة وأربعة أبواب وخاتمة، وهو تقسيم على ما يبدو أقرب إلى التأليف الفقهي التراثي منه إلى العمل الفني الإبداعي، وما يوحى بذلك بشكل خاص هو الأسلوب الذي صيغت به عناوين هذه الأبواب:

-“باب في صفة الرائد والقائد وما ضارع ذلك أو شاكله.

– باب في ذكر ما يعتري الإنسان بعد الخصاء وكيف كان قبل الخصاء.

– باب في ذكر بعض أثار الرحلة وقرب المآل.

– وباب فيمن أحبت رجلا لم تستحسن بعده غيره ممن يخالفه”.

أعتقد أن الكاتب لجأ إلى تقسيم روايته على هذا النحو لأسباب ومبررات قد يكون البعض منها مرتبطا به هو نفسه، ذلك أنه ليس كاتبا محترفا متفرغا للكتابة الإبداعية، فهو كصحفي له من العمل اليومي ما يتطلب كثيرا من صداع الرأس، وبالتالي فلا مناص له لكتابة الرواية، مع ما تتطلبه هذه الأخيرة من تركيز وتفكير مستمرين، إلا التحايل عليها بتقسيم مشروع عمله إلى حلقات، ونجد الكاتب واضحا مع نفسه في هذه المسألة، إذ يعبر في تصريح قدم به لروايته عن تهيبه من خوض غمار تجربة الكتابة، إذ يقول: “… كنت أرى في الكتابة ممارسة جادة لا تخلو من مجازفة، وهذا وحده يبعث على التهيب في خوض غمار تجربتها..” ويضيف: “.. إن مجرد الرغبة في الكتابة لا تكفي على ما يبدو لأن يكتب المرء على نحو جيد”.

إلا أن مجمل الأسباب والمبررات لتقسيم الرواية على النحو السالف الذكر، نجد لها تفسيرا داخل النص نفسه وجلها يتعلق بتجريب تقنية، لا أقول جديدة، وإنما تقنية تجعل الحكاية وإن كانت مأخوذة في معظمها من الواقع، حكاية متخيلة بالنظر إلى الجهد المبذول من حيث بناؤها وإعادة صياغتها، حيث يختلط الواقع بالخيال ويتقاطع الماضي بالحاضر، وتتناسل الحكايات وتتداخل الأزمنة وتتعدد الفضاءات.. إذ نجد ذات الكاتب واعية تمام الوعي بهذا الجهد “أجهدت نفسي في البحث عن لغة قادرة على التقاط ملامح السيرة الفجائعية..”، “لقد تبين لي أن البحث في سيرة المعلم صالح البشير أشبه بمطاردة خيط المتاه..”

وكل ذلك بطبيعة الحال، لتمرير خطاب يود الكاتب إيصاله إلى قرائه المفترضين، مع الحرص طبعا على تبليغه في قالب فني وإبداعي ممتع.

ويظهر واضحا لكل قارئ متأن أن الرواية لم يتم تبويبها هكذا جزافا، أو فقط للتحكم في تتبع مجرى أحداثها وملاحقة شخوصها والقبض بتلابيب حكاياتها، وإنما تم ذلك أساسا لسرد سيرة صالح في القالب الأنسب والأقدر على استيعاب هذه الشخصية المحورية بكل أبعادها الإنسانية وحمولتها الثقافية ودلالاتها اللغوية ونظرتها الشمولية للتعبير عن قلق وأسئلة ومشاعر تؤرق بال جيل بكامله.

تبدأ الحكاية بوصف دقيق لالتحاق صالح البشير بمنطقة أزيلال، حيث تم تعيينه معلما هناك بإحدى القرى النائية، وهو الأمر الذي سيعتبره صالح نفيا قسريا وتهميشا حقيقيا له واستمرارا لاعتقاله وتعذيبه “كمن يساق مرغما إلى حتفه، شعر صالح بأنه يتيم لا ناصر له في هذا القفر الذي تطأه قدمه لأول مرة..” ص12، ويضيف “لا شيء هنا غير الغبار والقسوة، كل شيء يبدو جارحا كنصل سكين” ص15.

وداخل حكاية الالتحاق هذه نجد مجموعة من الاسترجاعات يتناوب فيها صالح مع السارد على حكي سيرته، وهي استرجاعات تم توظيفها بشكل ذكي وفي جل الأبواب التي قسمت إليها الرواية، وليس ذلك فقط ليربط الكاتب بين زمن الحكاية التي أصبح فيها صالح معلما وبين الأزمنة المرتبطة بالطفولة والمرحلة الطلابية وكذا فترة الاعتقال، أو فقط رغبة منه في اطلاعنا على الحميمية التي تربط صالح البشير بماضيه وتقريب ذلك الماضي البعيد عن طريق الاسترجاع، ولكن توظيف هذه الاسترجاعات إنما تم بقصد اطلاعنا على مجموعة من التقابلات المستمرة في حياة صالح على الرغم منه ومن توجهاته ومن تغير أوضاعه..

فحياة البؤس والفقر التي عاشها صالح وهو طفل بمدينة وجدة التي اضطرته إلى الاشتغال بالبناء، سنجدها مستمرة وهو في مقام معلم من المفروض أن يقام ويقعد له “.. بقي متكورا في ثيابه يلتوي من شدة البرد والجوع، فيما أخذت جيوش البق والبراغيث تعبث بجلده” ص42.

وفترة الاعتقال السياسي التي عاشها يوم كان طالبا، ستستمر بعد تعيينه بقرية نائية لا وجه للحياة فيها “كانت القرية معزولة خارج خرائط الزمن حتى خيل إليَّ أن الله كَور ما بين يديه من طين وصنع العالم، وما تبقى من فُتات صنع به هذه القرية المنكوبة: أرضها وأهلها.. لا شيء غير الفراغ يقتات من خلايا قلبي” ص58.

التجربة العاطفية التي عاشها في فترة شبابه مع نزهة التي تخلت عنه في أول منعطف، نجد علاقة شبيهة بها ستستمر مع مليكة الممرضة…وحتى ذلك الطيش الصبياني المتجلي في اكتشاف الذات المكتنزة برغبة جنسية جامحة عن طريق تفريغها بأية وسيلة ولو كانت دجاجة، سيعمل الكاتب على إيجاد تقابل لها في حياة صالح العاقل المربي، يقول صالح مخاطبا آتان جاره: “ما هذا الاشتباك الجنسي الذي يجعل جسدي يرتعش بلذة سرية؟ هل لديك بكارة أيتها الآتان؟”.

نستخلص من الإشارات السالفة الذكر، والتي سقناها كأمثلة فقط، أن صالح الشخصية المحورية في النص تعيش بين ضغط الماضي، وهو ثقل لا يستطيع صالح التخلص منه،وفجائعية الحاضر الذي يجثم بكل ظلاله وعتماته على صدره، إذ سيتداخل ذلك الماضي بواقعه، وهو كما يظهر من خلال الرواية، واقع أعنف وأثقل من ذلك الماضي، فيصبح إحساس صالح بوطأة الزمن ووحشة المكان مضاعفا.

وهو ما ينعكس بوعي تام في هلوساته واستهاماته، حيث يتجلى التمزق والضعف والترهل ويغدو القول مفصولا عن الفعل، ويسود السكون وينتصر الشلل ولا يعود هناك إلا اغتراب قاتل وساحق لذات صالح الواعية، لا يجد له منها مخرجا إلا ذلك الغوص المقصود في نهر يجرفه إلى غياب ملتبس.

وأعتقد أن القيمة الكبرى ل”ذاكرة الغياب”، تتجلى في اللغة التي كُتبت بها وكذا في بنائها وفي قدرة الكاتب على رصد وتسجيل تفاصيل دقيقة لشخصية صالح البشير وتتبعها في كل مراحل حياتها وتكوينها، وتوظيف كل ذلك لتمرير خطاب على لسان شخوصها يدين بشكل صريح أحيانا، وبطريقة غير مباشرة في كثير من الأحيان السياسة التي حكمت المغرب منذ فجر الاستقلال إلى الآن.

الرواية بهذا المعنى، تصبح سؤالا عميقا منتصبا في ذهن القارئ بمجرد نفض يديه منها، وهو سؤال يمكن صياغته على الشكل التالي:

إذا كان هذا هو مصير صالح البشير (المكافح، المناضل، المتعلم) الذي يرمز إلى جيل، فما هو يا ترى مصير الجيل الذي سيأتي من بعده، الجيل الذي حملت به مليكة حبيبة صالح؟

سؤال سيبقى مطروحا ليس على قارئ “ذاكرة الغياب” وحده ولكن على كل أفراد جيل اكتوى بوشم لحظات تاريخية موجعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق