ثقافة وفن

أثر العولمة على الكتابة الجديدة في فن الرواية (١)

عماد البليك

يدرس هذا المقال الأثر الذي تركته العولمة في هذه المرحلة من مراحلها الأكثر حداثة على الكتابة، بالتحديد في فن الرواية الذي يعتبر الصيغة الأكثر وضوحًا للشغف الإنساني في هذا العصر، إذ أنها تشكل ملحمة البشر في الحياة الجديدة، وهي تحاور واقعهم وهمومهم وتقرأ ما وراء ماضيهم باتجاه مستقبلهم بالتشخيص والرؤية والاستبصار والتفكيك المتواصل. وسوف يقرأ ذلك ويحلل من خلال علاقته بأنسقة الفضاء المعولم بشكل عام والرغبة في تفكيكه، المستمرة. بالإضافة إلى تقاطع ذلك مع فعل الوسائط الحديثة والعالم الشبكي. وكيف أنعكس ذلك على فن الرواية، الذي يعتبر في حد ذاته مجالًا رحبًا للتجريب في الكتابة الإبداعية، وهو ما أثبتته قرابة أربعة قرون في حركة هذا الشكل الأدبي وتطوره، وقدرته على التماهي والالتفاف وفق كافة الظروف البشرية محاولًا الإجابة على الأسئلة المستعصية.

أولًا: هل هناك رواية جديدة بالاستناد على العولمة؟

تأسس الرواية نفسها في البداية كفن معولم، استفاد من كافة الوسائط المتاحة في كل عصر من العصور الإنسانية، وإذا كان عمر هذا الشكل الأدبي يصل إلى أكثر من أربعة قرون منذ الإسباني سرفانتس (1547 – 1616م) وعمله الشهير «دون كيشوت» الذي يعتبره مؤرخو الرواية أول عمل روائي في التاريخ وفق سياقاتها الحديثة، إلا أن ما يدخره هذا الفن يحتوي على خبرات القرون للمعرفة والحراك الإنساني.

لقد ولدت «دون كيشوت» في منطقة الأندلس التي كانت تحت السيادة العربية إلى وقت قريب من كتابة سرفانتس لروايته هذه، ومن ثم سوف نجد أن أثر الثقافة العربية سوف يبدو فيها متداخلًا مع التصورات الأوروبية، وربما سوف بمزيد من البحث والتقصي قد نصل إلى تصور بأن أول رواية في العالم جاءت نتاج التلاقح العولمي والتعايش بين الحضارات وتلاقيها في نقاط معينة أو افتراقها، مع الإشارة إلى علاقة سرفانتس اللصيقة بالمنطقة المغاربية والجزائر.

ظلت الرواية فن يقوم على المشترك الإنساني، حتى لو أنها ولدت في السياق الأوروبي / الغربي، وقد نبّه الروائي الفرنسي ذو الأصول التشيكية ميلان كونديرا في كتابه المهم «خيانة الوصايا» عن فن الرواية إلى أن هذا الشيء، بقوله: «لا أظن أن تاريخ الرواية كان سوف يستمر بهذه الحيوية، وهذه القوة، وهذا التنوع لأربعة قرون، لو أن أوروبا كانت بلدًا واحدًا، إذ أن استمررا التجدد في فن الرواية يعود إلى تلك الأوضاع التاريخية المتجددة (بمحتواها الوجودي)» ويمضي للقول: «كأن تاريخ الرواية عبر مسار رحلته، ظل مواظبًا على إيقاظ مناطق مختلفة في أوروبا، واحدة بعد الأخرى، يجعلها تعي خصوصيتها وفي الوقت نفسه يحقق اندماجها في الوعي الأوروبي المشترك» .

وهذا يعني بشكل واضح أن تاريخ الرواية يقوم على المشترك والمتحرك في التاريخ والتثاقف ولا تقف عند خصوصية أو جغرافية، وهي بالتالي فن معولم بإمتياز، بل هي – ربما – أسرع الفنون التي تمت عولمتها بخلاف فنون قديمة وخالدة كالشعر بزغت مع الإنسان منذ القدم أو الرسم مثلًا، وقد استطاعت من وجهة ثانية أن تتضمن هموم ذلك الكائن وقصته وسرديته الكبرى وهواجسه الصغيرة كذلك. وبهذا فالسؤال حول هل هناك رواية جديدة بالاستناد إلى العولمة، سيبدو جلي الإجابة، بأن الرواية هي فن هذا العالم المعولم على مدى تاريخه المتصل، وحتى لو أنها انتقلت من مكان لآخر وقارة لثانية، فقد حافظت على الأصول والمبادئ التي تكتب بها والتقنية، مع التعديل بحسب الظروف والخصوصيات الثقافية، لكن ليس من السهل أن نقول أن الرواية الصينية مثلًا ذات إطار تقني يختلف بدرجة كبيرة عن الرواية الغربية. وهذا يجعل هذا الفن يعمل على توحيد الناس ونظرتهم إلى ذواتهم ويجعل تفكيرهم يصب في أسئلة مشتركة، ليس على صعيد التقنية الموحدة بل الموضوعات في الأساس التي حتى لو اختلفت من بلد لثان، أو ثقافة لأخرى، إلا أن رابطها هو المضمون الإنساني وهي قضية الفن عامة.

فدائمًا ظلت هناك رواية جديدة بالاستناد إلى المتغيرات التي تدور حول الإنسان، لكن هذا العصر الجديد الذي يفرض أشكالًا متسارعة من الوسائط مع وجود الانترنت وزيادة حجم التواصل الشبكي المتسع بين العالم، يجعل السؤال عن «الجديد» أكثر إلحاحًا، بخلاف أزمة خلت. فنحن أمام معرفة كبيرة وضخمة وتلاقح فكري غير مسبوق في تاريخ البشرية، يجعل الأفكار الجديدة تتوالى بشكل خرافي لا يمكن السيطرة عليه، ولا يمكن حصر الطريقة التي ينساب بها أو يتكون، ما يعني أننا أمام تأثيرات لامحدودة وقوية وصعبة الحصر، إلا في حدود ما يأخذ حيزه عبر الشهرة ويصل الناس، وهناك سوف تتدخل عوامل من ذات أدوات العصر وقيمه في الانتشار والتسويق والتسليع. فالرواية الجديدة في عصر العولمة ومع وسائطه الأكثر حداثة هي عمل غير ثابت الشكل ولا المضامين، هي عصية على السيطرة أو التحديد حتى لو أن ثمة ملامح عامة لها، وهي لن تنفك تعالج ما لا يخطر على البال، وتتخذ تقنيات وأشكال مبتكرة في الكتابة بالاستفادة من المحتوى الافتراضي وقوالب الميديا الجديدة.

وبهذا فإن الرواية وبقدر ما هي أداة ثقافية تعمل على خدمة مشروع العولمة الإنسانية وتفكيكها باستمرار، فهي في الآن نفسه تستفيد من العولمة في تطوير وإعادة تشكيل مضامينها وأشكالها التي تكتب بها، وبحيث لا يمكننا أن نفصل بين الاثنين عمليتي العمل كأداة والتأثر. ومن أبرز ملامح الرواية في تماسها مع العولمة وهذه المرحلة ما بعد بداية القرن الحادي العشرين أنها لم تعد تعرّف بناء على الجغرافية أو القوميات التقليدية، إذ نتكلم عن رواية عالمية ذات مطمح واحد.

فالرواية الجديدة الآن في هذا العصر، هي رواية إنسانية بإمتياز، وهي تصب في توحيد المشاعر البشرية وقصة الكائن الإنساني، وفي هذا الإطار يمكن الرجوع إلى رأي البروفسورة شميم بلاك مؤلفة كتاب  ( الرواية عبر التخوم : تخيّل حيوات الآخرين في روايات نهاية القرن العشرين) الصادر في عام 2010 عن جامعة كولمبيا الأمريكية، التي ترى بأن «ما يميّز الرواية عن الأشكال الثقافية الأخرى.. أنها تعدّ بشكل ما حاضنة للطموحات القومية إلى حد أن ذهب البعض إلى اعتبار أنّ العولمة الأدبية فكرة مضادة للتقاليد القومية الراسخة والمعظّمة» .

وهنا سوف تصاغ العديد من الأفكار التي تكلمت عنها بلاك وآخرين، من أنه يجب الفرز تمامًا بين الرواية والعولمة وقضايا كانت سائدة في الماضي القريب في مزاعم البعض من أن ثمة تغريب أو سعي لهيمنة ثقافة ما على أخرى، فالذي يحدث أن العالم يتجه الآن نحو تشبيك كبير في القيم والمعاني، وبحيث أنه ليس من المنطقي أو الهين الحديث عن مركز للمعرفة أو الثقافة، فالصين والهند وغيرها باتت من وجهة مضادة للغرب ومتماهية معه في الآن نفسه، تصنع ثقافة إنسانية جديدة عبر الفنون ومنها الرواية، وفي بلد كالصين فإنه بغض النظر عما يقال عن عزلة الثقافة في نظر البعض إلا أن التماهي الغربي موجود وحاصل، كما أن الصين من وجهة ثانية حاضرة في عمق المخيال الغربي، وسوف نلحظ هنا الأثر الاقتصادي والجانب التسليعي الذي تتسم به العولمة وكيف يتداخل مع أي محاولة لفهم الأدب والإبداع. بل أن موضوع التسويق صار يدخل في صميم عملية عولمة الأدب والرواية، وتلعب دور النشر ذات الطابع المعولم الإطار الأوضح في ذلك، فكثير من الدور الغربية باتت لها فروع في الهند وآسيا وأصبح تسويق الكتاب يقوم كما هو سلعة كسائر منتج آخر يقوم على العرض والطلب والدعاية وغيرها من وسائل وأدوات العولمة في التوصيل والتسويق والإيهام.

لابد إذًا في فهم أنساق الرواية المعولمة في هذا العصر، أن نضع كل هذه الأمور في الاعتبار، بالحديث عن تداخلات لمجموعة من الأمور والقضايا التي لا يمكن فرزها لحقول منفصلة، ربما إلا بهدف الدراسة والاستبانة، في حين أن الواقع يتضح في تناغم بين هذه المسائل ويجعلها تكشف عن مسار متصل يصب في جملة أسئلة وإلحاحات المرحلة الإنسانية الراهنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق