ثقافة وفن

جرس لم يقرع. .. غير صالح للنشر (1)

{الكاتب يتخيل أنَّه كاتب فيكتب من الخيالات ما لا يتخيله الكاتب}

بدر الدين العتاق

يشكر للأخ الكريم الأستاذ / جمال الدين علي الحاج، ثقته في شخصي الضعيف حين دفع إليَّ بمخطوطته ” جرس لم يقرع ” التي لم تر النور بعد [تقع المخطوطة في مائة ثمانية وستين صفحة من الورق المتوسط] ولكنها في طريق النشر إن شاء الله، بغرض المدارسة والمذاكرة وإبداء الرأي وأنا بذلك سعيد للغاية على منحه الثقة فيَّ مجدداً وكثيراً حين طوقني هذه القلادة القيمة وهي الأمانة العلمية والأدبية لتنفع الناس عامة، والله أسأل أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير للجميع.

دردشة النص:

للقارئ الكريم أن ينظر للعمل الفني للأستاذ الكريم / جمال الدين علي الحاج، من أي جانب يراه مناسباً أو جيداً أو إيجابياً فهذا شأنه وما يرى، ولا أبالي إذا لم أتفق مع المؤلفة قلوبهم في قراءة النص بالصورة التي يريدون، وأيضاً لا أغالي إذا اتفق معي الغارمين المغرمين فيما يكون من رأي، لسبب بسيط جداً هو:  البنية الفنية الشكلية للنص هي ما يمكن الخلاف حولها أو الإتفاق عليها / المؤلفة قلوبهم / لكن العمود الفقري للعمل من ناحيتي اللغة والذوق من جانب، والمضمون وطرح القضية وابراز الحل فيها من جانب آخر، هو ما يُتوقع النكوص والنكوث منه خلافاً مهماً، وغايتنا نحن المتفقين أو المختلفين هو لغة القرآن الكريم الذي تشرفت العربية بنزوله عليها وبغض الطرف عن أهمية ذلك من عدمها لمن يخالفوننا الرأي فهي ما أحاول جاهداً تثبيتها لأي عمل فني أدبي أطلع عليه أو أطالعه وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم.

الفكرة العامة للنص:

  هذا العمل مليء بالأخطاء اللغوية والنحوية بشكل مزري لأبعد غايات الإزراء مما زهدني فيه منذ أن طالعته حتى الصفحة السابعة والثلاثين، وأكملته لا مكرهاً ولا بطلاً ولا مجاملاً ولكن رغبني فيه إصرار الكاتب من النَّفس الطويل الظاهر الذي كتب به الكتاب باعتبار أنَّ فيه شيئاً مفيداً، وطالعته حتى الصفحة الأخيرة وكنت أنتظر المفيد فوجدت الصديد ولا أغالي، قال الشاعر:

ومما يزهدني في أرض أندلس

ألقاب معتمد منها ومعتضد

ألقاب مملكة في غير موضعها

كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد

لماذا كان الصديد بديلاً للمفيد مع الرغبة في الإكمال والمتابعة؟  حسناً!  الإجابة كالآتي:

مذاكرة النص:

أولاً: البنية الشكلية الفنية والإطار العام للنص تفتقر لاحترام عقلية القارئ لا بدمج الخيال مع الواقع حال أي عمل فني، لا ولا كرامة بل هو الإيغال حتى النخاع في لغة الخيال المتخيل حتى لا تستبين ما هو خيال من الخيال المقبول، قال تعالى: ‭{‬والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمئان ماء!  حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب‭}‬ سورة النور، وهنا أرى عدم احترام النص للمطالع الذي يريد أن يستفيد ويستمتع بالفكرة وبالفطرة ثم لا يجد ما يسد به رمق التعطش لما رامه إذ هو سراب بقيعة لا ريب.

ثم كثرة التداعيات كريهة للمدى المحبط وكذلك الرؤية الموضوعية غير واضحة لأنَّه اهتم بالتداعي وأعتبرها تجويداً حين كانت عليه وبالاً – أي: على النص – والقفز بين الشخوص والأخيلة من ص: 11 – 168، ولقد حصدت له أكثر من ثلاثين شخصية من صفحة:  1 – 50 [ بله شمار، الهوبلي، العمدة حمد، فضيل، مهله، أستاذ صلاح، رضا، روز، كوثر، عبدو، ميمونه، نصَّار، عشمانه،. .. إلخ ] داخل النص ولا أدري أهم مدعوون لحفلة عشاء أم ماذا؟  مما يصعب توظيف الشخوص والتحكم فيهم فيما لا داعي له أصلاً.

ثانياً: لا تقل لي أنَّ الكاتب بارع فيما ذهب إليه من أسلوب التداعي / هذه هي قراءات المؤلفة قلوبهم المتعاطفين مع النص و… إلخ فيما أرى والله أعلم / ففي عمومه خطأ ركيك وفي تفاصيله نظر مشين فعند ختام كل فقرة تجد الإفلاس البنيوي لإغلاق الفقرة وربما أراد بها صاحبها المتعة والتشويق والإثارة لكنها غير محكمة الإغلاق لتحقق المرجو وراء القفلة للفقرة مثال ص 46:  [ ما كنه هذا الجرح اللعين كلما بنت أصابع الزمن فوقه قشرة سميكة، تأتي الرياح بخبر زواج إحداهن فتجرفها، تكشطها، تزيلها من مكانها، تنكت الجرح وتكحته بقسوة، تزيل طبقات النسيان تلك، تصل اللحم الحي، ثم تمضي، تتركه مكشوفا كما لو أن نصل سكينا حادا شقه للتو. من فرط الزعل لم تكن رضا ترى أمامها، مسحت وجهها بطرف ثوبها، أخذت نفسا عميقا وأطلقته، هدأت روحها قليلا) الله يوتر أعصابك يا سعدية (.  راحت تعاتب نفسها بصوت مسموع) كان تركتها تكمل كلامها (. عضت طرف لسانها بأسنانها.) أحيي (. فجأة تهلل وجهها) ما في غيره. يا بلة. بلة شمار (. أسلوب التقطيع الكلامي في نظم الجمل كثيرة حد الملل]. 

أيضاً ص 39: [حتى من الشيطان ذات يوم وهو يجلس قرب النافذة في الصف السادس / الأصح أن يقول الفصل لا الصف ما لم يكن هو جالس في الصف السادس داخل الفصل السادس لتستقيم الجملة / ينتظر دوره في تسميع سورة الجن فوسوس له بترك المدرسة] أها أها أهأ أهأ!  انا أبكي ولا أضحك.

ثم لك أن تلاحظ أيضا تقطيع النفس وكأنَّه يريدك أن تبادله التقطيع / راجع الفقرة أعلاه مجدداً وكثيراً للتأكد / وهي عملية الفواصل الترقيمية المتوقعة والغير مكتوبة – زي العربية القاطعة بنزين وبدفروا فيها ومرة تمش ومرة تعلق – مما أفقدني المتعة في غير هذا الموضع إذ أغلب الفقرات بهذا المستوى.

ثالثاً: الفكرة الموضوعية لبنية النص المكتوب ما هي وأين أجدها؟  ماذا خلف الأكمة من فكرة تستحق الكتابة الروائية التي تخلد ذكرى صاحبها آلاف السنين؟ لم أجد شيئاً وهب أني لا أعرف فن القراءة ولا الكتابة فأدع المنصة لمن هو خير مني فيخبرني الخبر.

رابعاً: الأخطاء المزعجة لانسياب العقل حين المتابعة تلقائياً، النص حافل للغاية بالأخطاء لا الطباعية بل النحوية والصرفية وهنا مقام الافتراق (هذا فراق بيني وبينك أيها النص الجبان) بين القارئ المنتظر المفيد وبين القارئ العجل اللهِف لإبداء الاستحسان والتصفيق كيفما اتفق من باب حضرنا ولم نجدكم.

يتضح ليس في هذا النص تحديداً ولا يخرج هو ذاته من اللوم بأن أغلب الكتَّاب السودانيين غير متخصصين في الكتابة ولا في القراءة ولا في النقد الذاتي، وأذكر عند مطالعتي لبعض أمهات الكتب قديماً شرح ديوان الحطيئة فتراه يقول: كان الحطيئة حين يكتب الشعر يدهن نفسه بالدهن ويخلع ملابسه ويضع رأسه أسفل الأرض ورجوله على الحائط ليكتب قال:

ماذا تقول لإفراخٍ بذي مرخٍ

زغب الحواصل لا ماء ولا شجر

ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة

فاغفر عليك سلام الله يا عمر

ما آثروك بها إذ قدَّموك لها

لكن لأنفسهم كانت بك الإثر

أنت الذي من بعد صاحبه

ألقت إليك مقاليد النهى البشر

   والحطيئة هنا يخاطب سيدنا عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – حين بلغه هجاءه للناس، قال يهجو أمه:

تـنـحـي فـاقـعـدي مــني بـعيداً

أراح الله مــنـك الـعـالـمينا

ألـم أوضـح لـك البغضاءَ مني

ولـكـن لا أخـالُـكِ تـعـقلينا

أغــربـالاً إذا اســتُـودعـت سـراً

وكـانـوناً عـلـى الـمتحدثينا

جـزاكِ الله شــراً مــن عـجوز

ولـقَّـاك الـعقوق مـن الـبنينا

حــيـاتـكِ مـاعلمت حـياةُ سـوءٍ

ومـوتُـكِ قــد يـسرُّ الصالحينا

وهجا أباه فـقال:

لـــحــاك الله ثـــم لــحــاك حــقاً

أبــاً ولــحــاكـمـن عــمٍّ وخــالِ

فـنعم الـشيخُ أنت لدى المخازي

وبـئـس الـشيخُ أنت لدى المعالي

جـــمـعت الـلـُّؤم لا حـياك ربـي

وأبـــواب الــســفـاهـةِ والـظلالِ

وقال يهجو نفسه:

أبـت شـفتاي الـيوم إلا تـكـلـماً

بـسوءٍ فـما أدري لمن أنا قائله

أرى لـي وجـهاً شوَّه الله خلقهُ

فـقُـبِّح مـن وجـهٍ وقـُبـِّح حـامله

وهجا زوجته فقال:

لها جسم برغوث وساق بعوضــة

ووجه كوجه القرد بل هو أقبح

تبرق عينها إذا ما رأيتهـــــــــــا

وتعبس في وجه الضليع وتكلح

لهــا منظر كالنار تحسب أنهـــا

إذا ضحكت في وجه الناس تلفح

إذا عاين الشيطان صورة وجهها

تعوذ حين يمسي وحين يصبح

  الحطيئة شاعر عاش وحيداً منفرداً بأحزانه لا يُعرف له أهل أو أصل أو نسب، مقطوع الجذور مرفوضاً من القبائل الأخرى، يعاني الحرمان، فاتخذ الشعر سلاحاً يغتصب به أعراض الناس ويدفع عدوان الآخرين عليه.

اسمه أبو بكر (ويعرَّف بمليكة) جرول بن أوس العبسي، لقب بالحطيئة لقربه من الأرض، أدرك الجاهلية والإسلام وشارك في حرب الردة و شعره قوي العبارة بديع البناء غزير المعاني وأتقن الحطيئة الهجاء حتى خافه الناس واضطر كل فرد إلى بذل ما في طاقته لتجنب هجائه حتى أن الخليفة عمر بن الخطاب قرر أن يشتري منه أعراض الناس جميعاً بثلاثة آلاف درهم. فما لبث أن أودعه السجن فقال ما قال.

هذا!  وجاء في شرح ديوان أبي الطيب المتنبي للعكبري أنّه قال: كان أبو الطيب يقول:  [ لخلع ضرسٍ أهون عليَّ من كتابة بيت شعر ].

قلت ما قلت لأدلل على عدم وجود النقد الذاتي وعدم التخصص في القراءة والكتابة معاً إلا من رحم ربك وما رحم منهم إلا القليل.

النص العجوز:

  دعني أدلل على المقدمات أعلاه بأمثلة من الكتاب المخطوط بأمثلة هنا فأقول وبه الثقة وعليه التكلان إن شاء الله: 

• ص 6: [أو هناك لم يشعر بلفح النار!  لم يسمع فحيحها] وهذا خطأ لغوي!  والصواب أن يقول: حسيسها، والحسيس هو صوت النار وهي هادئة كما قال تعالى في سورة الأنبياء: ‭{‬لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون‭}‬، لأنَّ الفحيح هو صوت الأفاعي والحيات فلاحظ الفرق، ثم ص 56: [والبرميل الفارغ يصدر صريراً مزعجاً] وهذا خطأ!  والصواب أن يقول: صوتاً أو ما شابه، فالصرير هو صوت الريح القوي الذي تسمع فيه صرصرة وطقطقة بسبب عدم مركزية نسبة الضغط والسرعة للريح، قال تعالى:  ‭{‬ وأمَّا عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ‭}‬ سورة الحاقة.

• ص 6: [وقد اكتست وجوههم بالسخام] وهنا لا يستقيم مع الفقرة صياغياً وتمامها [التفت نحو مجموعة من العمال وشباب القرية الذين وقفوا مشدوهين، وقد اكتست وجوههم بالسخام] لأنَّ الكاتب لم يوحي للقارئ المسكين بوجود شخوص مع العمدة فوجب عليه التنبيه لهم بنيوياً لأنَّ أول الفقرة كانت عن العمدة فقط وهنا ضاعت الفكرة والحبكة الدرامية التراجيدية للكاتب.

• ص 7: [السكينة شيئاً فشيئاً] خطأ سخيف!  والصواب أن يقول: شيء فشيء، لأنها خبر المبتدأ – السكينة: مبتدأ مرفوع بالابتداء – وشيءٌ مرفوع بالضمة لا التنوين المفتوح.

• ص 8: [من جيل لجيل] وهنا خطأ نظمي للجملة!  والأجود أن يقول: من جيلٍ إلى جيل، فهذا أقوى.

• ص 9: [ويدور في هامش الحياة] وهنا استعمال ” في ” حرف الجر ركيك!  والأجود أن يقول: „ على “، لأنَّ / في / تفيد التضمين و / على / تفيد الخروج من التضمين.

• التكرار الفج الممجوج كثير لدرجة أرهقت النص فجعلته يتكئ على منسأة سليمان حين أكلتها الأَرَضة قال ص 10: [ وراح يفكر في الخطأ ] و [ راح يسترجع ] و [ راح يكلم ] والأجود أن يقول:  ذهب، فهذا يبعد النص من النشر بلا ريب.

• ص 10: [ذاكرة نزِقة] ما المراد من كلمة نَزِق هنا وماذا تفيد الجملة؟  نزِق بمعنى: طاش وطيش وفقد العقل وكأني به أراد العكس فاليخبرني من فهم بما لم أفهمه.

• ص 12: [حتى القمر والنجوم أراها] خطأ لأنَّه أفرد!  والصواب أن يقول: أراهما، لأنَّها مثنى القمر والنجوم.

• ص 15: [الله يجازي محنك!  ماذا تفعل هنا؟] الاستعمال للمفردات لتركيب الجملة ضعيف لأنَّه خلط بين العامي والفصيح اللهجة في جملة واحدة ونحن في السودان لا نستعمل هذا الطريق لا في لغة الكلام العادي ولا الرسمي، الخلط، وكان من الخير له ولنا جميعاً تحديد اللغة المنوط بها الكتابة.

  ص 16: [ذات خريف] كريهة جداً – ذات – تكررت أكثر من مرة في أكثر من موضع، ويعتبرها البعض ضرورة كتابية محببة إلى الغير وتدل على تجويد الكاتب للنص وهذا محض هراء!  بل هي ركاكة تفتقر لإتقان اللغة العربية وتصاريفها وضعف الذخيرة اللغوية بلا شك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق