آراء

كوكاسيات

الحرية والمسؤولية في الصحافة

عبد العزيز كوكاس

بالإضافة إلى الحجز والمنع، تعتبر الرقابة، بدون منازع، أسوء المفاهيم التي أنجبها قاموس الممارسة الإعلامية عبر صراع مرير مع السلطة لتوسيع مجال الحرية.. والرقابة أنواع: من حضور الرقيب الأمني إلى مقر الصحيفة أو المطبعة لقراءة الصحيفة قبل طبعها، إلى تقييد الممارسة الإعلامية قانونيا، فالرقابة الذاتية التي يمارسها الصحفي أو المؤسسة الإعلامية التي ينتمي إليها، حتى حجب المعلومة وتسييج الخبر…

والذين يرفعون عقيرتهم بالدعوة إلى ترسيم الحدود خوفا من التسيب والفوضى في مجال الممارسة الصحفية في العالم العربي، يشعروننا كما لو أننا نعيش تخمة في الحريات، خاصة وأن عوائق حرية التعبير، موجودة في سياق تطور المجتمع العربي، إذ الجهل والفقر والضغوط الاجتماعية التي تحيط بالمواطن هي أصلا عوائق لحرية التعبير دون الحديث عن باقي الحدود المرسومة قانونا.

لا أحد ينكر أن الكثير من الطابوهات قد زالت، بسبب تطور المجتمع وما أنتجته وسائط التواصل الاجتماعي من كسر الكثير من أطواق الخوف منذ الربيع العربي، وهو ما يعتبر مكتسبا للمواطن وللصحافة، والمستقبل الديمقراطي بالوطن العربي، وطبيعي أن يؤدي توسيع مجال الحرية هنا وهناك إلى بروز ممارسات غير ناضجة أحيانا تلحق الضرر بمصالح أفراد أو بحاجيات جماعات، بسبب سنين ممتدة من الكبت والقمع، وذلك إما لعدم إدراك الحاجيات الأساسية التي يتطلبها تطور المجتمع ومصالح الأفراد أو لنزوع نحو الربح أو في ظل منافسة تجارية غير مهنية..

هذا “الانحراف” الذي تحول إلى ظاهرة مرضية في الصحافة ببعض البلدان العربية، لا يعالج بالمنع والحجز والرقابة.. ولا يقع في دائرة اختصاص السلطة، فإنضاج الممارسة الإعلامية خاصة في المجال الإلكتروني، هو شأن صحفي وتقع مسؤولية محاربة الانحراف المضر بحرية الصحافة على عاتق عشاق هذه المهنة المكتوين بلظاها محبة وصبابة.

يبدو كما لو أننا اليوم في حاجة إلى مبادرة شبيهة بما قام به هنري لوك من مؤسسة “تايم” عام 1942 بالولايات المتحدة الأمريكية، على إثر الازدهار الذي عرفته حرية الصحافة مع سيادة نظرية الحرية الليبرالية تحت شعار: (اكتب واطبع ما تشاء في حرية تامة وبدون قيد)، إذ نص الدستور الأمريكي على أنه “ليس من حق الكونغرس إصدار أي تشريع يحد من حرية التعبير”، وأثناء الحرب العالمية الثانية ظهرت صحف غالت في تقديم الجريمة والإشاعة والجنس وإلحاق الضرر بالأشخاص عبر سلوك الإثارة والكذب والتحيز في تقديم الخبر والسب والقذف..  فشكل رئيس مجلة “تايم” لجنة برئاسة عميد جامعة شيكاغو، سميت باسمه “لجنة هتشنز”، اشتغلت على دراسة المجتمع الأمريكي في علاقته بالصحافة وكيفية مراعاة التوازن بين مصالح الفرد وحاجيات المجتمع، حيث قدمت تقريرا في 1947 بعنوان “صحافة حرة ومسؤولة” ينص على مبدأ قدسية الحرية ويدعو إلى تبني معيار الموضوعية والصدق ومراعاة الواجب المهني وارتباط الحقوق الصحافية بالواجبات تجاه المجتمع أيضا..

أعتقد أن مسؤولياتنا كبيرة لحماية حرية الصحافة وعدم الوقوع بين فكي من يحاول استغلال حجم الحرية المتاحة اليوم لإشاعة التسيب والفوضى وفسح المجال لمن يتربص بالصحافة عبر الحنين إلى العهد البائد، ما أحوجنا أن تقود النقابات والهيئات المهنية العربية نقاشا حول حرية الصحافة والمسؤولية الاجتماعية بمشاركة الحقوقيين والفاعلين الذين اشتهروا بدفاعهم عن حرية الصحافة ضد القمع والحجز والمنع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق