سياسة

قراءات

عوامل تكوين إسرائيل (8)

محمدالمنتصر حديد السراج

لقد طبع كل من الدور الأساسي الذي اعطي للعمل في الثورة الصهيونية و الجهد الصهيوني للمشاركة مع بريطانيا في الاستعمار، الاتجاه العملي للحركة القومية اليهودية. و توطدت دعائم الوظيفة البارزة للحركة العمالية داخل عملية الاستيطان اليهودي، و قد ادخلت الناحية العسكرية الى مسرح الأحداث ايضا: (في اميركا، قام ديفيد بن جوريون و اسحق بن زفي عام 1917 … بتجنيد فرقة من المتطوعين اليهود الاميركيين لتحارب مع القوات الحليفة بقيادة اللنبي في مصر و فلسطين. و في لندن حصل فلاديمير جابوتنسكي، بتأييد من وايزمن و بالتعاون معه، على موافقة وزارة الحرب البريطانية لتجنيد فرقتين في لواء بريطاني (رويال نيوزيليرز) للمحاربة كوحدات يهودية في قوات اللنبي … و في كانون الاول ديسمبر 1917 دخل اللنبي القدس و تم تطهير جنوب فلسطين من العدو. و دخل الفوج اليهودي البلاد فانضمت اليه فرقة أخرى تم تجنيدها محليا).

بعد موت هرتزل بوقت قصير، سارت (الدولة اليهودية) في اتجاه اضفى طابع السرعة على مسألتي العمل و الغزو العسكري. و ربما لم يتم تجميع الفائض من يهود العالم كقطعان الاغنام في فلسطين، كما نظر هرتزل الى هذه القضية، إلا خلال الثلاثينات عندما تدافع ضحايا النازية من اليهود صوب (اليشوف). و اصبح هذا التدفق لليهود الاوروبيين بمثابة السبب الضروري لإعلان الاستقلال. و هكذا برزت، في ظروف الحرب و الهجرة الجماعية (على طريقة هرتزل)، سيادة سياسية لاسرائيل. لكن اسرائيل لم تحقق. و قد قال بن جوريون في خطاب ألقاه داخل الكنيست في 2 كانون الثاني يناير 1951، ما يلي: (دعونا نرى الامور على حقيقتها، لا أن نخدع انفسنا باستعمال تسميات مغلوطة عذبة السماع. اولا، بأن الأمة اليهودية في اسرائيل، و هي عمادنا و قوامنا الوحيد الأكيد، لا تزال وعدا و ليست تحقيقا. تسعة أعشار يهود العالم بدون وطن، و هناك العديد من يهود الداخل لا يزالون في الطور المعقد لعملية صيرورتهم الى شعب، يعملون على خلق وطنهم ) .

و قد أعلن ناحوم غولدمان، رئيس المنظمة الصهيونية العالمية، في مناسبات عدة : (نحن أمة يعيش 80% من أبنائها في الخارج) .

لذلك نرى أن دولة اسرائيل تمثل (يشوفا) متطورا، اي قاعدة اقتصادية تتقدم صعدا في ميدان الانجازات القومية. و قد تم رفع المجهود القيادي، في ظل الظروف التي أوجدت حديثا، الى مستوى آخر من العمل. و بكلام آخر، فإن الصهيونية العملية قد تطور نطاق عملها بمقدار الدوافع الجديدة التي تسلمتها. (صحيح أن التعريف القديم للصهيوني العملي قد فقد صحته و صلاحيته عند قيام دولة اسرائيل، لكن مضمون الصهيونية العملية ما زال سائدا). و تنحى الاستعمار بقصد إقامة قاعدة اقتصادية تؤدي الى الاعتراف السياسي؛ مفسحا المجال أمام استعمار آخر ينبع من أسباب متضمنة و مكشوفة و يهدف الى تحصين ما قد تم انجازه حتى الآن و ايجاد المدى الحيوي للدولة باعتبارها كائنا عضويا.

تستمد الزعامة الصهيونية العملية قوتها في الظروف الطارئة من مصادر مختلفة. نذكر منها على سبيل المثال:

المنجزات التي تحققت في حقل الاقتصاد الاسرائيلي.

قوات الدفاع الاسرائيلية.

تأييد الحكومات الصديقة و مساعدتها.

مساعدة يهود العالم.

إمكانات المهاجرين الذين لم يفدوا بعد.

لكن هذه المصادر تصبح موحدة في الواقع إذ يتم استخدامها لصالح الهدف القديم الذي وضعته الثورة القومية اليهودية نصب أعينها : اي تجميع المنفيين و المشتتين.

و قد اتخذ رجال الدولة الاسرائيليين، و هم من الصهيونيين العمليين الغيورين، بعد اعلان الاستقلال مواقف تحد ازاء زعماء الصهيونية العالمية. فقال بن جوريون: (إن خلافي مع الزعماء الصهيونيين كان و لا يزال يدور حول مضمون الصهيونية و محتواها. و من الظواهر المتكررة في التاريخ أن يستمر التعلق بالتصورات و الأسماء في عناد، و ذلك بعد أن تكون قد فقدت معناها بزمن طويل. و يشبه ذلك زجاجة الخمر التي أفرغت ثم عبئت بالماء من جديد، لكن أحدا لم يكلف نفسه؛ بسبب قوة الاستمرار الذاتي، إزالة العلامة القديمة عنها. هذا ما حدث للفظة (صهيوني) في جيلنا. فقد جرى وضع لفظة (الصهيونية) قبل تأسيس المنظمة الصهيونية عام 1898، و كان معناها واضحا: الحنين الى صهيون و إقامة شعب نموذجي هناك).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق