سياسة

حمدوك القائد المؤسس

كبتانو محمد الشريف

منذ تكوين الحكومة الانتقالية بدأ الإجماع والتفاؤل بميلاد دولة السودان الحديثة يملأ قلب ووجدان كل سوداني حر ثائر محب للوطن بلا مزايدة أو نقصان…

وعلى النقيض تماماً كان زبانية النظام السابق ومناصريهم الذين يقتاتون على فتات موائدهم ويعيثون في الأرض فساداً غير مرحبين بفكرة التغيير لأن فيها ضياع لنفوذهم وسلطانهم وانهيار لمصالحهم التي شيدوها فوق جماجم ودماء أبناء هذا الشعب العظيم.

بدأت الحكومة عملها وهي تواجه تيارين:

التيار الأول هو التيار المساند للحكومة الرافض لأي نكوص أو عودة لأحضان الأنظمة الشمولية الديكتاتورية… ولكنه كان يحمل سقف توقعات أعلى من وتيرة سير الحكومة وتنفيذ مطالب الثورة…. وهذا ما جعله مع مرور الوقت ينقسم إلى قسمين… قسم محافظ على المبادئ والدعم للحكومة لعلمه ويقينه بأن الطريق للتغيير الشامل ليس مفروشاً بالورود بل تغطيه الكثير من الأشواك والمطبات والتي تحتاج لعمل متأني وخطط ذكية من أجل العبور الآمن… والقسم الثاني أصبح متذبذباً ما بين الدعم وما بين المعارضة وذلك لعدم درايته بخبايا الأمور وعدم دقة قراءاته للمشهد السياسي الداخلي والخارجي….

التيار الثاني هو التيار المعارض والذي يضم كما ذكرنا سابقاً أنصار النظام البائد ودولتهم العميقة وأجهزتهم الأمنية والمنتفعين الأرزقية الذين لا يمكنهم العيش في بيئة صحية طبيعية غير فاسدة….وهؤلاء لم يقفوا مكتوفي الأيدي بل استخدموا وفعلوا كل أسلحتهم في سبيل محاربة التغيير وجعله مستحيلاً وتصويره بصورة الخيانة والعمالة لينفض الناس من حوله ويتهئ الجو لبديل جديد يديرونه من وراء الكواليس بمساعدة امتدادهم في اللجنة الأمنية الشريكة في الفترة الانتقالية وبقايا دولتهم العميقة المتجذرة داخل مفاصل الدولة…..

في وسط كل هذه الجلبة وفي ركن قصي جلس القائد المؤسس دكتور عبد الله حمدوك يفكر ويخطط بصوت منخفض وذهن منفتح في كيفية العبور من فوق كل هذه العقبات والمتاهات المعقدة…. فقد استلم دولة ولكنها ليست بدولة حسب تعريف الدولة بل هي كما أطلق عليها مجازاً بعض السياسيين “جنازة بحر”…فلم يكن لديه الوقت للمهاترات مع الشريك العسكري المفتري المتقوي بأمواله وقواته الطامع في السلطة…

دولة مدمرة في كل شيء.. في المؤسسات والهيئات الحكومية… العلاقات الخارجية… الاقتصاد… السلم والأمن الداخلي…نفسية المواطن… دولة ليس لديها أي مشاريع مدرة اقتصاديا… دولة موجودة داخل كل القوائم السوداء في العالم… محاصرة اقتصاديا وسياسياً… فعلاً كانت إرثاً مثقلاً بالفشل والفساد والضياع والتشوه…

ومن أجل كل هذا كان على دكتور عبد الله حمدوك أن يضع خططاً تؤسس بالفعل لدولة جديدة بمعنى الكلمة مبنية على مبدأ الحرية والسلام والعدالة… دولة المواطنة والحقوق والواجبات… دولة المؤسسات والدستور…

#ولكي يحقق ذلك كان لزاماً عليه التعامل بروح القائد المؤسس وليس بروح المسؤول كما تعودنا في ظل الأنظمة السابقة… ومن هنا جاء لقب القائد المؤسس…

قام دكتور عبد الله حمدوك بتقسيم العمل إلى شوطين رئيسيين:

الشوط الأول هو اللعب في الميادين الخارجية لفتح الباب أمام دعم الإصلاحات الداخلية وحماية الفترة الانتقالية من تغول العسكر عليها… وذلك عن طريق إقناع العالم بأن السودان فعلاً عاد للمجتمع الدولي راغباً في أن يكون دولة صالحة وداعمة للسلم والأمن الدوليين… وفعلاً نجح في إدارة هذه الملفات بحنكة العالم الخبير بالشيء وجعل العالم يفتح أحضانه بالكامل للسودان…. فخرجنا من كل القوائم السوداء وردت لنا حصانتنا السيادية وانفتحت أبواب المؤسسات المالية الدولية في وجهنا… بل وشرعت القوانين لدعم الفترة الانتقالية والتحول الديموقراطي في السودان… ووصول البعثة الأممية تحت الفصل السادس لتكون خير معين في هذه الفترة لكثير من الملفات المعقدة والتي تحتاج لدعم فني ودولي…كملف السلام مثلاً وتبعاته…

يمكننا القول بأن الشوط الأول انتهى بنتيجة 0/10 لصالح السودان…

الشوط الثاني هو شوط اللعب الداخلي عن طريق برامج إصلاحية اقتصادية أمنية سياسية هيكلية موضوعة بعناية لمعالجة كل هذه الفوضى والتشوهات الموجودة داخل الدولة ومؤسساتها… بعضها يحتاج لعمليات جراحية مؤلمة لكنها حتمية ولا مفر منها لبداية تأسيس الدولة الحديثة على أسس علمية ومنهجية سليمة…

ولذلك كان لا بد من جعل جميع شركاء الفترة الانتقالية مؤمنين بهذه الإصلاحات بعيداً عن أيدولوجياتهم الفكرية المتنافرة وأن يوقعوا ويبصموا عليها بالعشرة ليكونوا داعمين وليسوا معارضين لها وبوضع المصلحة العليا للبلاد والعباد فوق كل مصلحة…وكسب من هذه الشراكة قوة كبيرة متمثلة في الشريك الجديد الساعي لإثبات نفسه وجدارته بالتواجد في هذه الفترة…

كانت البداية بقرار تعويم العملة تعويماً موجهاً “المرن المدار” وتحرير سعر الصرف من أجل إصلاح هذا الخلل في تعدد أسعار الصرف من قبل بنك السودان المركزي وأن تتم تغذية خزينة الدولة بالعملة الحرة عن طريق هذا الإجراء الجريء… الفكرة كانت غامضة على الكثيرين وحاول ضعاف النفوس من رجال الدين وأرجوزات السوشال ميديا والذين تحولوا فجأة لخبراء اقتصاديين استغلالها والتخويف منها وتصويرها وكأنها الانتحار الاقتصادي للدولة السودانية…

ولكن الشعب السوداني الثائر العظيم كان بقدر التحدي فضرب أبنائه في الخارج والداخل أروع الأمثلة في الوطنية وعشق تراب الوطن… أتوا من كل فج عميق ركباناً وراجلون يتسابقون نحو التحويلات المصرفية عبر القنوات الرسمية للدولة دعماً لعملتنا الوطنية ولاستقرارها…وفي كل يوم يمضي تزيد المبالغ المحولة وتحدث إصلاحات وتزال سلبيات من أنظمتنا المصرفية نتيجة بعدها الطويل من هذه العمليات والإجراءات الدولية…

أشادت جميع الجهات المالية الدولية والدول الكبرى بهذه الإجراءات الإصلاحية الشجاعة للتشوهات في الاقتصاد السوداني والتي تمهد الطريق نحو جذب الاستثمارات الأجنبية والإعفاء من الديون الخارجية وتشجيع الإنتاج المحلي…. وتقديم المساعدات الدولية والتي تصب في مصلحة دعم الأسر الفقيرة كما يحدث في برنامج “ثمرات”..

وتوجهت الدولة حالياً لتقسيم الأولويات لتكون البرامج الإصلاحية مركزة وفاعلة بدلاً من تشتيتها هنا وهناك ورصدت للفترة الأولى خمسة أولويات هامة وعاجلة وضعت برامجها وفق أطول اجتماع مغلق للحكومة أستمر لثلاثة أيام متواصلة وتم تلاوة نتائجه في مؤتمر صحفي يوم السبت الموافق 27/02/2021…

الخاتمة

تراجع الكثيرون عن مواقفهم المناهضة لرئيس الوزراء ودخلوا في حرج مع أنفسهم عندما شاهدوا الإقبال الكبير والتسابق من قبل الوطنيين في إنجاح القرارات الأخيرة فشهدوا له بالتهذيب والعمل الجاد المخطط من أجل الوطن وليس من أجل المصالح الشخصية والذي لم يعتادوا عليه فيما سبق…فالقائد المؤسس ليس لديه الوقت لصغائر الأمور والمهاترات فالوطن يحتاج منه لكل ثانية قد تكون فيها فكرة لحل معضلة وإحداث تقدم….

عندما دعمناه لم يكن من أجل غنيمة نصيبها أو منصب نطمع به بل من أجل عيون وهوى عازة وترابها التبري ولجين ماءها المناسب بين السندس الأخضر وجمال شعبها الأسمر فالعزة لشعبنا وأرضنا

وللحديث بقية…..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق