سياسة

أثر التطبيع السوداني – الإسرائيلي على الأمن القومي المصري (1)

(أبحاث المركز الديمقراطي العربي)

أظهرت الأشهر القليلة الماضية بوادر تقارب محتمل بين إسرائيل والسودان في فبراير 2020، حيث التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو برئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان في أوغندا، وكان هذا أول اجتماع يتم الإبلاغ عنه علنًا بين رؤساء دول البلدين، بعد فترة وجيزة، سُمح للرحلات الجوية التجارية المتجهة من وإلى إسرائيل، لأول مرة بالتحليق فوق السودان، بعد توقيع إسرائيل والإمارات العربية المتحدة اتفاق السلام في أغسطس 2020، كما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية، حيدر بدوي صديق، أن المحادثات جارية بين إسرائيل والسودان، وذكر صديق أن الأخير يتطلع إلى إبرام اتفاق سلام مع إسرائيل وأنه لا يوجد سبب لمواصلة العداء بين السودان وإسرائيل، ثم جاء تقرير يدعي أن يوسي كوهين، رئيس الموساد، التقى الجنرال محمد حمدان دقلو، نائب رئيس الحكومة السودانية الحاكمة، وبعد أيام قليلة، شهدت وزارة الخارجية الأمريكية تطورات إيجابية في العلاقة بين السودان وإسرائيل، وزار الوزير مايك بومبيو الخرطوم في هذا الصدد، وفي أواخر سبتمبر، تكهن البعض بأن اتفاق السلام الإسرائيلي القادم سيكون مع السودان، بعد أن عقد البرهان جولة أخرى من المحادثات مع المسؤولين الأمريكيين والإماراتيين. وفي 23 أكتوبر أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موافقة السودان على تطبيع العلاقات مع اسرائيل، مؤكدا رفع السودان من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب.(1)

وسنحاول من خلال هذه الدراسة أن نوضح ما لهذا التطبيع من تداعيات وآثارعلى الأمن القومي المصري خصوصا اذا انتقل هذا التطبيع من مستواه الجزئي الى الكامل حيث أن الاتفاقية لم تصل إلى حد ترسيخ اعتراف دبلوماسي كامل بين البلدين، كما فعلت إسرائيل مؤخرًا مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين، فلم يرد ترامب عندما سئل عما إذا كان الاتفاق بلغ التطبيع الدبلوماسي الكامل بين السودان وإسرائيل (2)

وتتناول هذه الدراسة المحاور الآتيه :

إطار نظري لمفهوم الأمن القومي بأبعاده المختلفة

أهمية السودان في معادلة الأمن القومي المصري

الدوافع السودانية والاسرائيلية من التطبيع

التداعيات الجيواستراتيجية لاتفاقية التطبيع على الأمن القومي المصري

التحركات المصرية ازاء التقارب مع السودان في ظل المتغيرات الجديدة

مقترحات للتقارب المصري مع السوان

أولاً: اطار نظري لمفهوم الأمن القومي بأبعاده المختلفة :

مفهوم الأمن القومي قديم، إذ صاحب نشوء الدولة وتطورها وإن لم يجد الصياغة الفكرية الدقيقة إلا مؤخراً، ولقد تعددت الصياغات العلمية للمفهوم تبعاً لنوع المعرفة الغالب على فكر الباحث (سياسي، قانوني، اجتماعي، نفسى…إلخ) والمفهوم يفترض عند تحليله، الحديث عن مكوناته ودلالاتها أولاً، ثم الحديث عن مقوماته وتعريفه العام متصلاً بحدود (سيادة الدولة الحديثة). ويعود استخدام مصطلح “الأمن” إلى نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حيث ظهر تيار من الأدبيات يبحث في كيفية تحقيق الأمن وتلافي الحرب، وكان من نتائجه بروز نظريات الردع والتوازن، ثم أنشئ مجلس الأمن القومي الأمريكي عام 1974م، ومنذ ذلك التاريخ انتشر استخدام مفهوم “الأمن” بمستوياته المختلفة طبقًا لطبيعة الظروف المحلية والإقليمية والدولية.

1 – مفهوم الأمن القومي:

على الرغم من حداثة الدراسات في موضوع “الأمن” فإن مفاهيم “الأمن” قد أصبحت محددة وواضحة في فكر وعقل القيادات السياسية والفكرية في الكثير من الدول وقد برزت كتابات متعددة في هذا المجال، وشاعت مفاهيم بعينها في إطاره لعل أبرزها “الأمن القومي الأمريكي” و”الأمن الأوروبي” و”الأمن الإسرائيلي” و”الأمن القومي السوفييتي” قبل تفككه.

فالأمن من وجهة نظر دائرة المعارف البريطانية يعني “حماية الأمة من خطر القهر على يد قوة أجنبية”. ومن وجهة نظر هنري كسينجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق يعني أي تصرفات يعى المجتمع عن طريقها إلى حفظ حقه في البقاء.

ولعل من أبرز ما كتب عن “الأمن” هو ما أوضحه “روبرت مكنمارا” وزير الدفاع الأمريكي الأسبق وأحد مفكري الإستراتيجية البارزين في كتابه “جوهر الأمن”.. حيث قال: “إن الأمن يعني التطور والتنمية، سواء منها الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية في ظل حماية مضمونة”. واستطرد قائلاً: “إن الأمن الحقيقي للدولة ينبع من معرفتها العميقة للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها ومواجهتها؛ لإعطاء الفرصة لتنمية تلك القدرات تنمية حقيقية في كافة المجالات سواء في الحاضر أو المستقبل”.(3)

تعريف مركز الدراسات الإستراتيجية، للقوات المسلحة المصرية “الأمن القومي عملية محلية مركبة تحدد قدرة الدولة على تنمية إمكاناتها، وحماية قدراتها، على كافة المستويات، وفي شتى المجالات، من الأخطار الداخلية والخارجية. وذلك من خلال كافة الوسائل المتاحة، والسياسات الموضوعة، بهدف تطوير نواحي القوة، وتطويق جوانب الضعف، في الكيان السياسي والاجتماعي للدولة، في إطار فلسفة قومية شاملة تأخذ في اعتبارها كل المتغيرات الداخلية والإقليمية والدولية”.

وإذا كان المفهوم التقليدي للأمن اتخذ من الدولة كمرجعية له في وضع المقاربات الأمنية، فإنّ هذه التحديات الأمنية الجديدة أحدثت تحولاً في المضامين والمفاهيم. فقد تجلى للباحثين في الدراسات الأمنية قصور المقاربات الأمنية القائمة على الدولة كمرجعية للدراسات الأمنية، وبذلك سعو إلى بناء مقاربة جديدة للأمن تتخذ من الفرد وحدة للتحليل عوضاً عن الدولة. وعليه أدت هذه النظرة الجديدة للمعضلة الأمنية إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن، وأصبح ينظر إلى الأمن كمفهوم واسع يمس ويتأثر بكافة القطاعات العسكرية منها والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية. ومن هنا حدث تجاوز للمفهوم التقليدي للأمن، وبدأ الحديث خلال العقود الأخيرة عن مقاربة جديدة للأمن، وهي مقاربة الأمن الإنساني الذي يهدف إلى تحقيق فعال لأمن الفرد، والدولة، والأمن والسلم الدوليين.

إنّ النقاشات النظرية في العلاقات الدولية منذ الثمانينات تركزت في ثلاث مداخل أو مقاربات فكرية؛ المقاربة الأولى وهي المقاربة التقليدية للأمن، والمقاربة الثانية – كانت توسيع للمقاربة لأولى – وهي مقاربة التوسيع في مفهوم الأمن، والمقاربة الأخيرة وهي مقاربة التيار النقدي. فالمقاربة الأولى اهتمت بالمفهوم التقليدي للأمن، وانحصرت أفكارها في تيار المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، وحصرت هذه المقاربة تفسير مفهوم الأمن في الأمن القومي والقوة العسكرية، أي بمعني أنّها فسرت الأمن على أنه مسألة تخص الدولة وأمنها القومي. أما المقاربة الهادفة للتوسيع في مفهوم الأمن فظهرت في فترة من الثمانينات والتسعينات من خلال أطروحات المدرسة الواقعية الجديدة، بهدف إعادة النظر في حصر الأمن في الإطار العسكري ، وأكدت على ضرورة توسيعه وتعميقه، وما ميزها أنها قامت بتوسيع قائمة التهديدات إلى المجالات غير العسكرية للدولة من وحدات غير الدولة، إلا أن تفسيرها للأمن ظل – على غرار المقاربة التقليدية – في الدولة وأمنها القومي الموسع. وفي المقابل فإن مقاربة النظرية النقدية طورت مفهوم الأمن، واقترحت أن يكون موضوع الأمن في الفرد والجماعة وليس الدولة، مشكلة بذلك قطيعة تصورية مع المفهوم الواقعي للأمن، وبالتالي حدث تحول هام في المفهوم، إذ أصبح الأمن يفسر بأنه ليس ذلك الخطر المباشر للدولة بل ما يشكله من إعاقة لتحرير الفرد، والجماعة، والدولة.

أبعاد الأمن القومي :

من هنا فإن شمولية الأمن تعني أن له أبعادًا متعددة ولقد ميز الأكاديمي الأمريكي باري بوزان المهتم بشؤون الأمن خمسة أبعاد أساسية للأمن:

١) الأمن العسكري: ويخص المستويين المتفاعلين للهجوم المسلح والقدرات الدفاعية، وكذلك مدركات الدول لنوايا بعضها.

٢) الأمن السياسي: ويعني الاستقرار التنظيمي للدول، ونظم الحكومات والأيديولوجيات التي تستمد منها شرعيتها.

٣) الأمن الاقتصادي: ويخص الموارد المالية والأسواق الضرورية للحفاظ بشكل دائم على مستويات مقبولة من الرفاه وقوة الدولة.

٤) الأمن الاجتماعي: ويخص قدرة المجتمعات على إعادة انتاج أنماط خصوصيتها في اللغة والثقافة والهوية الوطنية والدينية والعادات والتقاليد في إطار شروط مقبولة لتطورها.

٥) الأمن البيئي: ويتعلق بالمحافظة على المحيط الحيوي المحلي أو الكوني كعامل أساسي تتوقف عليه كل الأنشطة الإنسانية.

وبفعل العولمة، حدثت تحولات في مفهوم الأمن والمشهد الأمني العالمي، وأبرزها تحولات القوة، التي لم تعد ترتبط ارتباطاً وثيقاً ووحيداً بالعامل العسكري. بل تعدته إلى التكنولوجيا والتعليم، والنمو الاقتصادي والاعتماد المتبادل والمعلومات. فالقوة العالمية اليوم تتأسس على مصادر هي من قبيل القوة اللينة، كما تقوم على مصادر ملموسة: القوة الصلبة.(4)

وفي هذا السياق أصدر اتحاد العلماء الأمريكيين بيانا جاء فيه: إن العالم لم يعد يدار بالأسلحة بعد الآن أو الطاقة أو المال، إنه يدار بالأرقام والأصفار الصغيرة…إن هناك حربا تحدث الآن…إنها ليست لمن يملك رصاصا أكثر إنها حول من يسيطر على المعلومات، ماذا نسمع أو نرى؟ كيف نقوم بعملنا ؟ كيف نفكر ؟ إنها حرب المعلومات، وهكذا يضاف إلى مدلولات الأمن الواسعة مدلول جديد اسمه ” الأمن المعلوماتي”، يفرض على الدولة  أخذه بعين الاعتبار في هذا القرن الذي تؤدي التكنولوجيا فيه دورا أساسيا .(5)

وعليه يمكن أن نستخلص ممّا سبق أنّ مفهوم الأمن القومي مرّ بمرحلتين مهمتين نتيجة التطورات العالمية: في المرحلة الأولى نُظِر إليه بالنظرة الاستراتيجية الضيقة وهي صد هجوم عسكري معادٍ، وحماية الحدود من الغزوات الخارجية، والمحافظة على الاستقلال الوطني وفي المرحلة الثانية صار على الدولة أن تؤمّن مواطنيها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ضدّ أخطار متعددة فرضتها طبيعة الانفتاح الواسع على العصر الحديث.(6)

أهمية السودان في معادلة الأمن القومي المصري :

السودان هى الحديقة الخلفية لمصر والجبهة الجنوبية التي تسعى مصر الى جعلها آمنة وقد ذكر الدكتور كمال عامر أن الأمن القومي مرتبط بقوى الدولة الشاملة التي تبني على عدد من العناصر الهامة ومنها العنصر الجيوبوليتكي والمتمثل في شكل الدولة وموقعها الجغرافي ومن هنا نجد الأهمية الحيوية للسودان التي تتشارك مع مصر في حدود نحو 1273كم.(7)

تقع دولة السودان في نطاق الأمن القومي المباشر لمصر حيث الحدود المشتركة بين البلدين والموقع الجغرافي المشترك ووحدة المصير، تمتد الحدود المصرية السودانية نحو 1273كم، ويمثل السودان العمق الإستراتيجى الجنوبي لمصر، لذا فإن أمن السودان واستقراره يمثلان جزءًا من الأمن القومي المصري.

تعود العلاقات الدبلوماسية المصرية السودانية إلى النصف الأول من القرن التاسع عشر، منذ أن بدأ محمد علي والى مصر في بناء الدولة الحديثة. وفي عام 1820 تقدمت جيوش الدولة المصرية لأول مرة لتقوم بلملمة أطراف المناطق الواقعة جنوبها، ممثلة في سلطنات وممالك وقبائل السودان، لتصنع من كل هذا كياناً إدارياً وسياسياً واحداً، وهو الذى اصطلح على تسميته بالسودان.

كان فتح السودان عام 1820، ثالث الحروب التي خاضت مصر غمارها في عهد محمد علي، فمحمد علي لم يكن يغفل عن اهمية السودان الحيوية لمصر.

استمرت مرحلة التوحيد والتكوين هذه زهاء نصف قرن، إلى أن اكتمل السودان الحديث في العام 1874 بعد أن تم إلحاق سلطنة دارفور بالسودان على يد “الزبير باشا ود رحمة الجموعي” الذي كان قائدا سودانيا تحت إمرة الخديوي إسماعيل.

ظل الترابط بين السودان ومصر قائماً ولم ينقطع إلا لفترة محدودة في عهد الدولة المهدية (من 1885 إلى 1898)، حيث عادت مصر مرة أخرى للسودان عبر الحكم الثنائي (المصري-البريطاني) إلى أن حصل السودان على استقلاله في الأول من يناير 1956. قبل عبد الناصر فكرة تقرير مصير السودان في مفاجأة أذهلت الاستعمار الإنجليزي. وكان السبب الأساسي في ذلك أن عبد الناصر أراد إدخال تقرير مصير السودان في مفاوضات الجلاء مع الإنجليز عن مصر، لأنه كان  ينظر إلى ضرورة تحرير السودان من الاستعمار الانجليزي أيضا، لأنه لا معنى  لأن يخرج الإنجليز من السويس (مصر) ويبقوا في السودان، وبالإضافة إلى أنه  سواء كان السودان في وضع الوحدة مع مصر أو قرر مصيره بالاستقلال فإن أمنه  بالنسبة لمصر في غاية الأهمية.

وترجع أهمية السودان بالنسبة لمصر لأن العلاقات بين البلدين تتشابك في عدد من الملفات المشتركة التي تتطلب تنسيقاً دائماً بين البلدين، ففضلاً عن العلاقات الثنائية متعددة المجالات، فإن هناك الكثير من الملفات والقضايا الاقليمية التي يعد تنسيق مواقف البلدين بشأنها أمراً حيوياً لصالح الأمن القومي للبلدين والشعبين والأمة العربية والقارة الأفريقية والمنطقة بكاملها، في مقدمتها بالطبع ملف مياه النيل وأزمة سد النهضة، وفقد صرح رئيس الحكومة الانتقالية في السودان د. عبدالله حمدوك فى 1 يناير 2020 أن السودان يشكل موقعا رئيسا في ملف سد النهضة، ولن يسمح بحدوث أي ضرر يحدث لمصر، والسودان على علم بأهمية نهر النيل، وبالتالي فإن الموقف السوداني من السد يمثل اهمية كبية بالنسبة للأمن المائي المصري.

كما ان هناك ملفات اخرى للتعاون بين مصر والسودان كملف الأمن والاستقرار في حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ثم ملف التنسيق بشأن القضايا الأفريقية سواء من خلال الاتحاد الافريقي والمنظمات القارية والإقليمية الأخرى أو من خلال التعامل مع بعض القضايا المؤثرة مثل مكافحة الارهاب والتطرف وغيرها. (8)

وما يثبت أيضاً أهمية السودان في معادلة الأمن القومي المصري ما أكده رجب الصحفي السوداني، في تصريحات خاصة لـ”سبوتنيك”، 18 يناير 2018، أن كافة محاولات الوقيعة بين دولتي مصر والسودان لن تنجح، لأن الجذور التاريخية بين البلدين ثابتة، مهما تعددت نقاط الاختلاف، فهما في النهاية دولة واحدة، وكلاهما عمق استراتيجي للأخر، ومصر تعد بوابة أمن قومي للسودان. وأضاف الهواري الباحث في المركز المصري لدراسات أفريقيا، في تصريحات خاصة لـ”سبوتنيك”، إن السودان لمس خلال الأيام الماضية حرص مصر الكامل على علاقاتها مع الخرطوم، خاصة في ظل التصعيد الدبلوماسي والإعلامي الذي كان موجوداً في عهد البشير، والذي لم يؤثر في الموقف المصري الداعم للعلاقات المصرية السودانية، حيث أدارت مصر الأزمة باحترافية.

فمصر تعاملت بشكل متوازن مع الأزمة السودانية، فعلى الرغم من تصعيد حدة الخطاب الإعلامي في الصحف والوكالات والقنوات السودانية، إلا أن التصريح الأول للرئيس عبدالفتاح السيسي استطاع إزالة كافة الأزمات بين الجانبين، عندما أعلن عن حرص مصر الكامل على علاقاتها مع شقيقتها وجارتها السودان، ما ترك انطباعاً لأهمية السودان بالنسبة لمصر.(9)

الدوافع السودانية والاسرائيلية من التطبيع :

اتفقت إسرائيل والسودان يوم الجمعة 23 أكتوبرعلى اتخاذ خطوات لتطبيع العلاقات في اتفاق تم التوصل إليه بوساطة أمريكية، مما يجعل الخرطوم ثالث حكومة عربية تنحي القتال مع إسرائيل جانبا في الشهرين الماضيين، واتفق القادة على تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل وإنهاء حالة العداء بين بلديهما، بحسب بيان مشترك أصدرته الدول الثلاث التي وعدت الولايات المتحدة أيضا بمساعدة الخرطوم في تخفيف الديون الدولية. (10)

ومن هنا سنتناول الدوافع السودانية والإسرائيلية من وراء التطبيع لنقف على مصالح ومكاسب كل طرف.

أولاً: الدوافع السودانية

السودان التي عرف برفضه الاعتراف والتعاون والتفاوض مع إسرائيل لعقود، يأمل الآن في حل مشاكل خلفها له النظام السابق، فالجانب المدني المتمثل في حمدوك وقوى الحرية والتغيير يحاول من جهته بناء علاقات إقليمية تساعده في قضيته الأولى وهي إزالة اسم السودان من قائمة العقوبات الامريكية والتي تتطلب تعويض ضحايا الأعمال الإرهابية وملف السلام مع الحركات المسلحة، والتعاون في ملف مكافحة الإرهاب وحقوق الإنسان والصحافة والدين، والعلاقة مع كوريا الشمالية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية. ومن ثم، يمكن للعلاقات مع إسرائيل أن تفتح الطريق أمام السودان للوصول الى البيت الأبيض وصندوق النقد الدولي. ويُفهم من ذلك أن التطبيع مع إسرائيل سيساعد على إزالة السودان من القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، وهو ما أعلن عنه بومبيو. (11)

وبالتالي تتمثل الدوافع السودانية في التطبيع مع اسرائيل فيما يلي :

1 – يدرك السودان أن التطبيع مع إسرائيل وإزالته من قائمة الدول الراعية للإرهاب سيؤدى إلى رفع الحظر وسيوفر نافذة جديدة للمساعدات الاقتصادية والاستثمار، وهو ما سيساهم في إنعاش الاقتصاد السوداني الذي أصبح على حافة الهوية. فالوضع الاقتصادي المنهار في السودان أضعف الحكومة السودانية وأثار غضب الشارع السوداني الذي خرج في تظاهرات في الحادي والعشرون من أكتوبر مطالبين بإقالة الحكومة.

وفي أيلول/ سبتمبر الماضي شهدت السودان فيضانات كانت الأسواء منذ عقود أثرت على ما يقرب من 800 ألف سوداني، وأسفرت عن مقتل أكثر من 120 شخصًا، وشردت آلاف العائلات، ودمرت الأراضي الزراعية. وقبل الفيضانات، كان وباء كورونا الذي تسبب بتدهور الوضع على نحو لم تعد تجدي معه المساعدات الغذائية والطبية من دول الجوار والأصدقاء وامتد أثرها ليشمل قبول استقالة وزير الصحة أكرم التوم في شهر يوليو الماضي. هذا الضعف بالطبع يهدد المرحلة الانتقالية بما في ذلك الاستحقاق الانتخابي المقرر عقده في عام 2022. ومن ثم، أصبحت الحاجة ماسة إلى ضخّ دعم اقتصادي مكثف لبناء وإصلاح الاقتصاد ودعم المرحلة الانتقالية والتي يعني فشلها انزلاق البلاد لصراعات والعودة إلى الحكم الديكتاتوري. (12)

وتجدر الإشارة الى أنه بعد الإعلان عن اتفاق لتطبيع العلاقات بين السودان واسرائيل، أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو إلى أن بلاده سترسل إلى الخرطوم شحنة من القمح بقيمة خمسة ملايين دولار. كما أوضح نتانياهو إلى أن “إسرائيل والولايات المتحدة ستساعدان السودان على تجاوز المرحلة الانتقالية. (13)

2 – التحديات التي تواجه المرحلة الانتقالية وشدة الخلاف بين المُكونين المدني والعسكري فيها وعدم قدرة أحد الطرفين على حسمها، وتردد الدول الإقليمية والكبرى في الانحياز لطرف على حساب الآخر، وسوء العلاقات مع الكونجرس الأمريكي، جعلت العلاقة مع “إسرائيل” مدخلاً لتطوير العلاقة الإيجابية مع الإدارة الأمريكية وتسريع منظومتها البطيئة، وتمهيد العلاقة مع مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين، وترويض اللوبي اليهودي الأمريكي المعادي للسودان في هذه المؤسسات، بغرض رفع العقوبات الأمريكية عن السودان وجدولة الديون والعودة إلى منظومة الاقتصاد العالمي. (14)

3 – كما يسعى السودانيون إلى الحصول على دراية وتكنولوجيات إسرائيل في قطاع الزراعة وغيره من القطاعات. وبفضل الإصلاحات الجذرية والاستثمارات الضخمة، يمكن أن تصبح البلاد في نهاية المطاف مصدر ثروة غذائية لشبه الجزيرة العربية وما يتخطاها. (15)

ثانياً : الدوافع الاسرائيلية

على الجانب الإسرائيلي يعدد الإسرائيليون الفوائد، التي سيجنونها من التطبيع مع السودان، ومن اتساع رقعة التطبيع مع الدول العربية بشكل عام، وقد لخص رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو كل ذلك، في تصريحات تلت الاعلان عن التطبيع مع السودان بقوله، إن اتفاقات السلام مع دولة الإمارات والبحرين والسودان حتى الآن، جيدة “للأمن والقلب والجيب” حسب تعبيره، مضيفا أن مزيدا من الدول العربية ستلتحق بركب التطبيع.(16)

ومن ثم يمكن القول بأن الدوافع الإسرائيلية في التطبيع مع السودان تتثمل فيما يلي :

1 – يعد التطبيع مع السودان مكملاً للاستراتيجية الاسرائيلية في أفريقيا والتي تتمثل في كسب تأييد الدول الإفريقية في المحافل الدولية والتأثير على السلوك التصويتي لهم حيث تتمتع أفريقيا بثقل تصويتي كبير في المنظمات الدولية وعلى رأسها منظمة الأمم المتحدة وتشكل حوالي 31-32% من إجمالي أصوات أعضاء المنظمة ، ودائمًا ما كانت تصوت هذه الكتلة التصويتية ضد إسرائيل، لذلك فأنها تسعى  للتأثير على السلوك التصويتي للدول الأفريقية من أجل تأييد “إسرائيل” وخدمة مصالحها ودعم مركزها الدولي وإضعاف التأييد الأفريقي للقضايا العربية، خاصةً في القضايا ذات العلاقة بالصراع العربي الإسرائيلي، وقد قال بنيامين نتنياهو في فبراير 2017  أمام تجمع لسفراء إسرائيل في إفريقيا “سواء في النهاية أو في البداية ، هدفنا هو تغيير أنماط التصويت، مع وجود ثلاث نقاط في مجلس الأمن وربع مقاعد ثابتة في الجمعية العامة للامم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان واليونسكو ، يمكن لهذه الدول الافريقية الـ 54 أن تحدث فارق كبير في القرارات التي تتراوح من محاولة إقامة دولة فلسطينية إلى إدانة نقل السفارة الأمريكية إلى القدس. (17)

2 – الاستفادة من المجال الجوي السوداني وبالفعل منح السودان إسرائيل الحق في استخدام مجاله الجوي من أجل تقصير الرحلات إلى أمريكا اللاتينية – وهي إحدى أولويات نتنياهو الطويلة الأمد لتعزيز العلاقات التجارية، وأكد على ذلك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حينما قال إن “اتفاقيات التطبيع الثلاث مع الدول العربية أنهت العزلة الجغرافية لإسرائيل بتوفير رحلات جوية أقصر وأرخص ثمنا. (18)

3 – مواجهة النفوذ الايراني في القارة الأفريقية فقد استهدفت اسرائيل السودان من خلال غارات جوية عام 2009، وقامت الطائرات الإسرائيلية بتنفيذ هجوم طويل المدى على مصنع ذخيرة في السودان عام 2012، إذ اعتبرت إسرائيل السودان بأنها تهديد أمني من خلال استخدام إيران للأراضي السودانية لتهريب الأسلحة إلى حركة حماس وحزب الله.

ووسط السعي الإسرائيلي لتقويض دور إيران في المنطقة ووقف تمددها عبر البحر الأحمر، خاصة كما ذكرنا في الهجمات الاسرائيلية عامي ٢٠٠٩ و٢٠١٢ لوقف إمداد إيران الأسلحة عبر السودان، والتي انتهت بانتهاء حكم البشير، خاصة في ظل تعاون الحكومة الانتقالية مع محور الخليج في مواجهة جماعة الحوثي المدعومة من إيران في اليمن، مما دفع إسرائيل لمحاولة تعميق العلاقات مع السودان وتوقيع اتفاقية تطبيع معها. (19)

4 – لإسرائيل مصالح مباشرة وغير مباشرة في تطبيع العلاقات مع السودان، حيث يعتبر موقع السودان على البحر الأحمر مهمًا من الناحية الإستراتيجية لإسرائيل، حيث أنها تسيطر على الطرق البحرية المؤدية إلى ميناء إيلات وهي عقدة رئيسية داخل شبكات نقل الأسلحة إلى غزة وسيناء. وبالتالي، فإن العلاقات الودية والتعاون الأمني الوثيق مع الخرطوم يمكن أن يقوض إلى حد كبير الروابط بين إيران والمنظمات المسلحة في غزة. (20)

5 – تطبيع العلاقات مع السودان يتناسب أيضا مع استراتيجية اسرائيل في توطيد العلاقات مع دول حوض نهر النيل، والذي تعلقت به رغبة إسرائيل الدائمة في الحصول على مياهه.(21)

– التداعيات الجيواستراتيجية لاتفاقية التطبيع على الأمن القومي المصري :

كان لمصر والسودان النصيب الأكبر في الاستراتيجيات الإسرائيلية؛ مصر بسبب موقعها الحيوي، ومرور قناة السويس من أراضيها، وبسبب ثقلها السياسي، وقوتها العسكرية والاقتصادية، وثرواتها المائية، ودورها الإقليمي، ليس فقط في القارة الإفريقية، بل وعلى الساحة الدولية؛ لذلك ظلت إسرائيل ترى في مصر الدولة العربية الواجب إضعافها دائماً، كونها الدولة الأبرز من دول الطوق القادرة على مجابهة “إسرائيل” سياسياً وعسكرياً واقتصادياً

وأما السودان فمهم لموقعه وثرواته وإمكاناته، حيث أن حدوده هي حدود العروبة في قلب إفريقيا، وإمكاناته هي إمكانات الأمة جمعاء، وتقدمه يعني تقدمها وضعفه هو ضعفها، فهو سلة الغذاء العربي، وهو مجرى النيل، وفيه أخصب أراضي العالم (22)

منذ بداية تشكيل الاستراتيجية الإسرائيلية في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ديفيد بن جوريون David Ben-Gurion، أصبح السودان محل استهداف إسرائيلي نظراً لكونه في العمق الاستراتيجي الجنوبي لمصر، وكان الاتجاه دائماً صوب تفكيك العلاقة مع مصر، ودعم الحروب الأهلية، وتمزيق السودان إلى دول وأقاليم متنازعة، وجعل السودان بؤرة توتر وقلق مصري دائم، وإضعاف السودان ومنعه من التحول إلى دولة مؤثرة أو مركزية أو محورية في محيطها الإفريقي.

ومن الجوانب المهمة في هذا السياق أن مصر، الجارة القوية للسودان، والتي تعد نفسها صاحبة الولاية المعنوية عليه، وأنها صاحبة القرار الاستراتيجي في مصيره، ليست سعيدة بهذا التطبيع ولا تعدّه إضافة إيجابية لها، لا سيّما أن مبررات التطبيع تتعلق بها بالأساس، ومن شأن تطور العلاقة السودانية الإسرائيلية أن يكون خصماً على حساب مصر ونفوذها، وإضعافاً لدورها في السودان، وستعمل مصر على استعادة دورها بسرعة بعد خروج السودان من العقوبات الأمريكية المفروضة عليه، وستحاول أن تحلَّ محل “إسرائيل” في التواصل مع الإدارة الأمريكية بشأن إدارة الملف السوداني مستقبلاً كما كانت سابقاً.(23)

وبالتالي فان اتفاقية التطبيع بين السودان واسرائيل قد يكون لها عدد من التداعيات الجيواستراتيجية على الأمن القومي المصري  سواء على المدى القصير أو البعيد. وتجدر الاشارة الى أن هذا التطبيع اذا انتقل من مستواه الجزئي الى المستوى الكلي، وأدي الى مزيد من التعاون بين السودان واسرائيل، فإنه من المحتمل أن يؤدي الى تداعيات قد تضر بالأمن القومي المصري على النحو الآتي:

أولاً : الأمن المائي المصري وموقف السودان من سد النهضة

المتابع لملف سد النهضة لا بد أن يلفت نظره الموقف السوداني من هذا السد وذلك على مدى تسع سنوات، فهناك من يراه قد تحوّل في الفترة الأخيرة، وهناك من يراه يتسم بالغموض، أما الفريق الثالث وهو من السودانيين، فربما يتهمه بأنه يهمل قضايا سلامة السد على حساب الأمن الإنساني للشعب السوداني، وينخرط فقط في قضايا تخزين المياه وتشغيل السد، التي هي هموم مصرية أكثر منها سودانية.

هذا الملف كان مسكوتاً عنه تماماً على المستوى الداخلي وقت حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، بينما يشهد حالياً جدلاً واسعاً في النقاش العام السوداني وذلك في وقت تتداخل في هذا الملف فواعل إقليمية رسمية وغير رسمية تؤثر في هذا الجدل السوداني المتصاعد بشأن سد النهضة.

ربما يكون من المتفق عليه أن الرئيس المخلوع عمر البشير ووفق مفهوم قاصر قد نحّى المصالح السودانية في هذا الملف، وتم توظيفه في مسائل التوظيف والابتزاز الإقليمي الذي كان بارعاً فيها إلى حد إعادة تموضع السودان الإقليمي أكثر من مرة  على مدى سنوات قليلة، وذلك على نحو يخالف مصالح الدولة الاستراتيجية، وفي هذا السياق تم تعطيل أية دراسات سودانية فنية عن هذا السد في أروقة الجامعات السودانية مثلاً أو حتى في وزارة الري التي تبنت خطاباً يمجد في السد ويعدّد الفوائد العائدة على السودان منه وهي المتمثلة في التحكم في فيضان النيل الأزرق والحصول على كهرباء بأسعار تفضيلية كما وعد الإثيوبيون، حيث تم إسكات الأصوات التي كانت ترى خطورة هذا السد على مصالح الخرطوم، وتم منع حلقات النقاش العلني في هذا الأمر تحت سقف انخفاض الحريات العامة.

ولكن مع تغيُر النظام في أبريل (نيسان) 2019 وبداية تبلور أطراف جديدة للنظام السياسي السوداني في أغسطس (آب) من العام ذاته، انفتحت أبواب النقاش الداخلي في ملف سد النهضة، كما أفاق السودان على صدمة عدم الحضور الإثيوبي لجلسة التوقيع على اتفاق تم بلورته تقريباً عبر ثلاثة أشهر من المباحثات برعاية من الإدارة الأميركية والبنك الدولي، وذلك في فبراير (شباط) الماضي، كما احتكت النخبة السياسية السودانية الجديدة وعن قرب بالأداء الإثيوبي وطبيعة مراوغاته في مباحثات واشنطن فضلا عن الضغط التي تمارسه اثيوبيا على السودان في المناطق الحدودية بينهما . إن عدم الالتزام الإثيوبي بالتوافقات التي يتم التوصل إليها في سياق سد النهضة، يسهم بشكل أساسي في تآكل مصداقيتها على المستوى السوداني الرسمي (24)

وخلال المحادثات المشحونة حول ملء السد وكمية المياه التي يجب أن يطلقها، والتي استؤنفت مؤخرا تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، كان السودان يميل إلى جانب مصر وظهر التضامن مع الموقف المصري في جلسات مجلس الأمن والمباحثات الخاصة باالسد من فبراير الى يوليو 2020

كما أن الجنرالات الذين ظلوا جزءا من الحكومة الانتقالية التي تحكم السودان الآن هم حلفاء أقوياء لمصر، كما أثار أحمد المفتي مفاوض السودان في عهد البشير مخاوف بشأن سلامة السد وأمنه.

وفي ظل هذا التغير في الموقف السوداني من حين الى آخر ازاء قضية سد النهضة نجد أن هناك بعض الاراء ترى أن هناك منافع للسد على السودان خصوصاً مع الفياضانات التي ضربت السودان مؤخراً، كما أن سد النهضة سيمكن أيضا سدود السودان من توليد المزيد من الكهرباء بالإضافة إلى شراء كهرباء رخيصة ونظيفة من إثيوبيا. (25)

وبالتالي تطبيع العلاقات بين اسرائيل والسودان قد يجعل اسرائيل تفكر في التأثير على موقف السودان الحالي المتضامن مع مصر ازاء قضية سد النهضة عن طريق استغلال التباين في وجهات النظر السودانية حول ملف سد النهضة واستغلال الوضع غير المستقر سياسياً واقتصادياً في السودان لتهديد أمن مصر المائي والتأثير في توجهات السودان المتضامن مع مصر ازاء السد، تحاول اسرائيل أن تستثمر فى أزمة سد النهضة، وتطرح نفسها طرفا رابعا بجوار مصر والسودان وإثيوبيا، لعلها تحصل مستقبلاً على حصة من مياه النيل.

خصوصاً أن الشركات الإسرائيلية تجد أيضًا آفاقًا اقتصادية في السودان حيث ترى أن سد النهضة الإثيوبي ، الذي تملأه إثيوبيا حاليًا ، يوفر الفرصة لمشاريع تنموية كبرى في السودان أيضًا بناءً على التوقعات المتفائلة، سيحسن سد النهضة تنظيم المياه في نهر النيل ويوفر الكهرباء للدول المجاورة ، مما يوسع القدرات الزراعية والصناعية في السودان قد تجد شركات التكنولوجيا والمياه والزراعة الإسرائيلية هذه المشاريع جذابة.(25)

وتجدر الاشارة الى هناك دراسة من معهد دراسات الامن القومي بجامعة تل أبيب عام 2018 ترى في التعنت الإثيوبي فرصة كبيرة لإسرائيل لإيصال المياه لها عبر مصر من خلال اجبار دولتي المصب (26)

فاسرائيل دائماً ما كانت تسعى الى توطيد العلاقات مع دول حوض نهر النيل والذي تعلقت به رغبة إسرائيل الدائمة في الحصول على مياهه؛ من خلال الضغط على صانع القرار المصري، نظراً لحساسية ورقة المياه في الاستراتيجية المصرية، وكان لإسرائيل دائماً الدور غير المباشر في صراع دول حوض النيل، مستفيدة من نفوذها الكبير في دول مثل إثيوبيا وكينيا ورواندا

كما أن من أبرز الأهداف الإسرائيلية العامة في إفريقيا، هي التأثير في الأمن المائي والغذائي العربي وبالأخص المصري فهي تستخدم الماء وسيلة للضغط على الدول العربية الإفريقية، وعلى رأسها مصر التي تعد قضية المياه بالنسبة لها قضية مصير وحياة أو موت، ومن ثم فإن التنسيق الإسرائيلي مع دول منابع النيل، وخاصة إثيوبيا وأوغندا والكونغو الديمقراطية وحالياً بالتطبيع مع السودان، قد يمثّل تهديداً سواء على المدى القصير أو الطويل للمصالح المصرية بشكل لا يحتمل التأويل (27)

والتهديد على المدى الطويل هنجده من خلال سعي اسرائيل للتأثير على أمن مصر المائي من خلال التأثير المباشر باقناع السودان مستقبلاً بإنشاء سدود على النيل بما يؤثر على أمن مصر المائي خصوصاً أن اسرائيل لها أدوار تاريخية في هذا الشأن ففي مجال بناء السدود المائية مثلا؛ قدمت إسرائيل دراسات فنية إلى زائير ورواندا لبناء سدود، وذلك في إطار برنامج شامل لإحكام السيطرة على مياه البحيرات العظمى، وبالتالي التحكم في مجرى النيل. وفي زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي “ليبرمان” في أيلول 2011 لعدد من الدول الإفريقية، أبرم 5 اتفاقيات لتمويل 5 سدود على نهر النيل في تنزانيا ورواندا. وقد أكد خبراء المياه الدوليين أن هذه المشاريع ستؤثر سلبا على حصة مصر السنوية من المياه (28).

لقد أصبحت قضية الأمن المائي من أهم المحاور الرئيسية التي أضافت بعدًا جديدًا للصراع العربي الإسرائيلي، فإسرائيل تريد أن تضمن الحصول علي المياه وفي نفس الوقت تريد أن تمنع العرب من ذلك،  لذلك فهي تعمل علي تهديد الأمن المائي العربي خاصة مصر،  مستفيدة في ذلك من النفوذ الكبير الذي تمتلكه في دول المنابع مثل إثيوبيا ورواندا وكينيا، والتطبيع مع السودان قد يفتح المجال مستقبلاً بتعزيز العلاقات مع اسرائيل بما يؤثر على الأمن المائي المصري وتعد الأطماع الإسرائيلية في مياه نهر النيل ليست جديدة فنجد أنه بعد توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 ظهرت عدة مقالات في الصحافة الإسرائيلية تدعو لشراء مليار متر مكعب من مياه النيل وتوجيهها لصحراء النقب لتأمين المياه لإسرائيل، إذا فالأهداف الإسرائيلية في تهديد الأمن المائي العربي واضحة وصريحة.

ثانياً: الملاحة الدولية في البحر الأحمر

تطويق الأمن القومي العربي وتهديد أمنه المائي حيث تعمل إسرائيل على تحجيم النشاط العربي في أفريقيا من خلال تطويق الدول العربية بحزام موالي لإسرائيل بتعميق الخلافات بين الدول العربية والأفريقية، والسيطرة على البحر الأحمر لأن تواجدها فيه يؤمن لإسرائيل الحفاظ على أمنها القومي والوصول للعالم الخارجي، فهي تخشى من تحوله إلى بحيرة عربية خالصة فالبحر الأحمر نقطة رئيسية في الأمن القومي المصري نظراً لأنه المجال الملاحي المهم لمصر من خلال قناة السويس والسيطرة عليه تعتبر نقطة قوة كبرى لمن يمتلكه.

فقد شكّل الموقع الجيوسياسي للبحر الأحمر وكذلك مضيق باب المندب أهمية كبرى، لذا حرصت القيادة الإسرائيلية على الوصول إلى البحر الأحمر والحصول على منفذ بحري على هذا البحر الذي يربط قارة إفريقيا بآسيا، كما ظلت سياسة إسرائيل في القرن الإفريقي امتدادًا لسياستها في البحر الأحمر رامية إلى منافسة الأهداف الإستراتيجية العربية، وإنشاء عمق إستراتيجي لها في هذه المنطقة للحفاظ على أمنها وضمان تحقيق مصالحها وتطلعاتها للهيمنة وتوسيع الوجود العسكري وترسيخه، وذلك يتيح لها إمكانية الهجوم المباشر على خصومها في مضيق باب المندب، وتأمين خطوطها البحرية والعسكرية فضلًا عن التجسس على العديد من الدول العربية وهي (مصر- السعودية- اليمن- جيبوتي- الصومال)،  لذا سعت إسرائيل إلى توثيق علاقتها بدول القرن الإفريقي ولاسيما إثيوبيا وأيدت سيطرة إثيوبيا على أريتريا منذ عام 1952، عندما أعلن موشي ديان أن أمن إثيوبيا وسلامتها يشكلان ضمانة لإسرائيل، والآن استطاعت أن تفتح مجال العلاقات مع السودان بما قد يعزز أكثر من الوجود الاسرائيلي في البحر الأحمر ويرسخ من وجوده وهذا أمر غير مقبول بالنسبة للدولة المصرية التي ترى ان أمن البحر الأحمر هو جزء من الأمن القومي المصري كما تهدف إسرائيل أيضاً الى فتح الأسواق الأفريقية أمام الاستثمارات والمنتجات الإسرائيلية وتحقيق تبعية الاقتصاد الإفريقي لها لكسر الطوق الاقتصادي العربي في القارة (29)

وبالتالي بعد اتفاقية التطبيع مع السودان قد يفتح ذلك الباب أمام اسرائيل الى تعزيز العلاقات الاقتصادية مع السودان وزيادة التبادل التجاري معها ومنافسة المنتجات والاستمارات المصرية في القارة بشكل عام وفي السودان بشكل خاص.

ثالثاً: التواجد العسكري والأمني الإسرائيلي في أفريقيا

شمل التقارب الاسرائيلي الأفريقي في السنوات الماضية مناحي عديدة سياسية ودبلوماسية واقتصادية وعسكرية وسنركز على الجانب العسكري في العلاقات بين اسرائيل وافريقيا، فالمتابع الجيد للنشاط العسكري والأمني الاسرائيلي في القارة سيجد عدد من التحركات الاسرائيلية في القارة في هذا الصدد فتل أبيب ولظروف توتر علاقاتها مع الدول العربية سعت الى تعزيز وجودها العسكري والأمني في أفريقيا ونظراً لعدم قدرة اسرائيل على انشاء قواعد عسكرية لها في القارة كالقواعد العسكرية الأمريكية والفرنسية اتخذ التواجد العسكري والأمني شكل تقديم الاستشارات العسكرية التي يقدمها بعض العسكريين المتقاعدين في الجيش الاسرائيلي فضلاً عن توسيع دور الشركات الاسرائيلية الامنية في أفريقيا وتدريب اسرائيل لوحدات النخبة في الجيوش الأفريقية وقتال عناصر أفريقية كمرتزقة في صفوف الجيش الاسرائيلي فسنجد على سبيل المثال في التقرير الذي بثته القناة الاسرائيلية 13 ان هناك 12 دولة أفريقية تستفيد من الخبرات الاسرائيلية في ندريب فرق النخبة والحرس الرئاسي ومن أبرز تلك الدول اثيويبا رواندا كينيا تنزانيا وملاوي وزامبيا وجنوب أفريقيا وأنجولا والكاميرون ونيجريا وساحل العاج وغانا وتوجو وفي سبيل تعزيز التواصل بين الجانبين عينت تل أبيب جنرالها المتقاعد “أفيبز سيغال” كأول ملحق عسكري اسرائيلي في أفريقيا منذ عقود وتجدر الاشارة الى أنه من أهم وحدات النخبة الأفريقية التي يتم اعدادها وتدريبها من قبل عناصر اسرائيلية متقاعدة هي كتيبة وحدة التدخل السريع الكاميرونية (BIR) ويتم تزويدهم بالبنادق القتالية من انتاج شركة Israel weapon industries.

قامت أيضاً اسرائيل من خلال المخابرات الاسرائيلية الخاصة “بلاك كيوب”  بتقديم خدمات استخباراتية للرئيس الكونغولي جوزيف كابيلا للتجسس على معارضيه وهذا ما أكده التقرير الاستقصائي لبرنامج UVDA وأوفدت الوكالة عدد من العناصر العسكرية والأمنية الى العاصمة كينشاسا وتم تحويل أحد الفنادق بها الى مقر عملياتي للوكالة الاسرائيلية، كما قدمت منظمات فلسطينية قائمة عريضة الى هيئة الادعاء العام في جنوب أفريقيا تضم أسماء حوالي 75 جنوب أفريقي اشتركوا في القتال في غزة وأكد المدعي العام في المحكمة الجنائية الدولية في عام 2009 أنهى يحاول اجراء تحقيق ضد الكولونيل ديفيد بينجامين بتهمة المشاركة في عملية الرصاص المصبوب.(30)

كما أصدر جهاز الموساد الإسرائيلي كتابا يفتخر خلاله بما أسماه “الانتصار الإسرائيلي” في انفصال جنوب السودان وتضمن الكتاب ملامح وابعاد الدور الإسرائيلي وأبرز الأدوات التي استخدمتها إسرائيل في انفصال جنوب السودان ونجد أن الأداة العسكرية كانت في مقدمة تلك الأدوات حيث أرسل الموساد في الستينيات صفقات اسلحة إسرائيلية للجنوب عبر الاراضي الاوغندية ثم الإثيوبية وقامت إسرائيل بتدريب المتمردين في أوغندا وكينيا وإثيوبيا. بل أن حركة أنيانيا الانفصالية قد تمت بفضل ثلاثة ضباط من الموساد الإسرائيلي منهم إيلي كوهين المستشار السياسي للانفصاليين. ووصل الدعم إلى انتقال بعض ضباط القوات الخاصة الإسرائيلية لتدريب الانفصاليين بحنوب السودان أثناء خدمة السفير الإسرائيلي أوري لوبداني سفير إسرائيل في أوغندا وإثيوبيا. كما أنشأت إسرائيل مدرسة لتخريج الكوادر العسكرية لقيادة فصائل التمرد واشتركت عناصر إسرائيلية في المعارك لنقل خبراتهم للجنوبين. وفي أواخر السبعينيات إلى الثمانينيات مدت إسرائيل جون جرانج بأسلحة متطورة بل ودربت 10 طيارين على مقاتلات خفيفة والتقطت القوات الحكومية بالاقمار الصناعية وسلمتها للإنفصاليين، وفي اواخر التسعينيات مولت إسرائيل الانفصاليين بمبلغ 500 مليون دولار لتقوي موقفهم خلال تفاوضهم وجاء عام 2003 لتكشف إسرائيل عن اهم ادوار يهود الفلاشا في الصراع حيث ارسلتهم كقوات محاربة بجانبهم جارنج مستغلة الملامح الشكلية المتشابهة..ومع عام 2011 كانت اسرائيل اول دولة اعترفت بجنوب السودان بعد الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي بعد يوم من اعلان استقلال الدولة.(31)

وبالتالي تسعي اسرائيل من خلال هذا التواجد العسكري في القارة المتعدد صوره كما أسلفنا الى تعزيز نفوذها في تلك المنطقة التي لها أهمية استراتيجية وحيوية وذلك قد يهدد الأمن القومي العربي وبالأخص المصري فقد تفتح اتفاقية التطبيع الاسرائيلية السودانية المجال لعلاقات عسكرية واستخباراتية متبادلة بين السودان واسرائيل خصوصأ في ظل الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية الواضحة في القارة التي تسعى الى النفوذ والتطويق الاستراتيجي للأمن العربي وتهديده، فستحاول اسرائيل اقناع السودان بالتطبيع الكامل والحصول على تسهيلات عسكرية من السودان في شكل قواعد عسكرية أو تواجد عسكري وأمني من خلال تقديم الاستشارات العسكرية من جانب العسكريين المتقاعدين في الجيش الاسرائيلي وتقديم الخبرات العسكرية او الاستشارات الاستخباراتية وكلها تسهيلات قد تجعل لها موطئ قدم في السودان وهذا قد يؤثر على الأمن القومي المصري نظراً للموقع الجغرافي المشترك مع السودان.

رابعاً: حلايب وشلاتين

أعلن رئيس المجلس الانتقالي الحاكم في السودان وقائد الجيش عبدالفتاح البرهان،أن القوات المسلحة “لن تفرط في شبر من أرض السودان”، مشيرا إلى منطقة حلايب وشلاتين المتنازع عليها مع مصر والخاضعة للسيادة المصرية. وقال البرهان، في كلمة بمناسبة العيد الـ66 للجيش في منطقة وادي سيدنا العسكرية بولاية الخرطوم، إن “القوات المسلحة لن تفرط في شبر من أرض السودان”، وأضاف: “حقنا ما بنخليه ولن نتراجع عنه ولن ننساه حتى يتم رفع علم السودان في حلايب وشلاتين وفى كل مكان من السودان”، وفقا لما نقلته وكالة الأنباء السودانية الرسمية.

ووجه البرهان حديثه “للقوات المسلحة المرابطة حول حلايب وشلاتين وأرقين وكل الذين يدافعون عن البلاد”، قائلا: “نحن معكم”، مضيفا أن السودان “يتعرض لاستهدف كبير في وحدته وحدوده”، وفقا لما نقلته الوكالة. وتعهد البرهان بأن الجيش سيدافع عن “الثورة السودانية” وتدعمها، وقال إن “القوات المسلحة ستقف شوكة حوت لكل من يريد محاولة سرقة ثورة ديسمبر المجيدة ولن تفرط فيها”. (32)

ويطالب السودان بمثلث حلايب وشلاتين منذ عام 1958 وتقول القاهرة إنه أرض مصرية ورفضت في 2016 بدء مفاوضات لتحديد الحق في السيادة على المنطقة أو اللجوء إلى التحكيم الدولي بشأنها. وفي يناير 2018، طلبت حكومة السودان من مجلس الأمن الدولي بشكل رسمي، إبقاء قضية النزاع حول مثلث حلايب في جدول أعمال المجلس لهذا العام.

ومن هنا يعيد رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، إلى الأذهان مجدداً خطابات الرئيس السوداني السابق عمر البشير، عندما تحدث عن قضية حلايب وشلاتين المتنازع عليها مع مصر، حيث تؤكد مصر دائما “أن حلايب وشلاتين أراض مصرية وتخضع للسيادة المصرية” حيث عبّرت الخارجية المصرية، عن رفضها القاطع لما وصفته “مزاعم” السودان حول سيادة الخرطوم على منطقتي حلايب وشلاتين الحدودية بين الدولتين، في بيان على لسان المتحدث باسم الخارجية، أحمد أبوزيد.

وجاء في البيان تأكيد المستشار أحمد أبو زيد المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية على أن حلايب وشلاتين أراض مصرية يقطنها مواطنون مصريون تحت السيادة المصرية.” (33)

يأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات بين مصر والسودان، تقاربا كبيرا وتوافقا في المواقف خاصة فيما يتعلق بقضية سد النهضة الإثيوبي، ولذلك يرى مراقبون أن طرح البرهان قضية حلايب وشلاتين الحدودية مع مصر بالإضافة إلى القضايا والخلافات الداخلية ووضع الجيش يؤكد أن هناك مشاكل وصراعات كبرى في الداخل بين المكونين العسكري والمدني وبين المدنيين أنفسهم، وأن تلك الخلافات بدأت تتسرب إلى الشارع، وأن هذا الأمر دفع البرهان للخروج عن صمته مدافعا عن الجيش وأيضا عما يعتبره “حقوق سودانية”، لشغل الرأي العام السوداني عن القضايا الخلافية التي أثيرت مؤخرا مثل تصريحات متحدث الخارجية حول التطبيع مع إسرائيل، خاصة أن القضايا الكبرى ليست من مهام الحكومة الانتقالية الحالية وفق الوثيقة الدستورية الموقعة بعد الثورة العام الماضي 2019”.(34)

وعلى الرغم من هذا الرأي الذي يفسر تصريحات البرهان بشأن أثارة قضية حلاويب وشلاتين مجددأ بأن هذه القضية ليست من أولويات السودان في هذه المرحلة وأنها تصريحات للاستهلاك المحلي وكسب تعاطف الرأي العام السوداني الا أن مسألة التطبيع بين السودان واسرائيل قد تبرز هذه القضية مجددأ على الساحة لاثارة الصراع بين مصر والسودان خصوصاً أن تصريحات البرهان تتزامن مع مشكلة سد النهضة وهو ما قد يجعل قضية حلايب وشلاتين قضية صراع مثاره مجدداً وهو ما تسعى اليه اسرائيل التي تعمل على تهديد الأمن القومي العربي وبالأخص المصري فهى أكثر الدول استفادة من ظاهرة المحاور العربية العربية.

ولذك فقد تسعى اسرائيل من خلال فتح العلاقات مع السودان استغلال النزاع حول حلايب وشلاتين واثارة خلافات كامنة وابرازها الى السطح في سبيل استكمال أهدافها لتجزئة وتقسيم الدول العربية.

ـ التحركات المصرية ازاء التقارب مع السودان في ظل المتغيرات الجديدة :

يواجه السودان حالة غير مسبوقة من السيولة السياسية بعد ثورة ديسمبر 2018 كما أن فرص الاستقرار السياسي السوداني المؤثر على الأمن الاقليمي العربي والأفريقي تبدو بعيدة نسبيا حيث تتوالى الأزمات السياسية في الداخل ولذلك شهدنا تحركات مصرية واعية ازاء السودان ايماناً بأن أمن السودان واستقراره من أمن مصر.

ولذلك شهدت العلاقات المصرية السودانية حالة من الاستقرار ووجدنا نوع من التفاهمات في أكثر من ملف وذلك كانعكاس مباشر لزيارة رئيس الوزراء المصري للخرطوم في يونيو 2020 والمساعدات الاقتصادية المصرية للسودان ودعمها للحكومة الانتقالية على المستوى السياسي وبالتالي كان هناك حضور مصري مهم في الساحة السودانية واسناد سياسي واقتصادي مارسته القاهرة خصوصاً في ظل أزمة كورونا والفيضان غير المسبوق على مدى قرن كامل.(35)

وبالتازمن مع المتغيرات الجديدة التي ظهرت على الساحة الإقليمية والتي من شانها أن تهدد الامن القومي المصري، وعلى رأسها استمرار التعنت الاثيوبي في مفاوضات سد النهضة، إضافة الى التباين في الموقف السوداني منذ بداية أزمة سد النهضة، ووصولا الى اتفاقية التطبيع الأخيرة بين السودان واسرائيل، ولما لها من تداعيات خطيرة على الأمن القومي المصري. ومن هنا جاءت التحركات المصرية الواعية لإعادة استمالة الموقف السوداني وتعزيز التقارب بين البلدين على اعتبار أن مصر والسودان يجمعهما مصير مشترك.

وبالتالي يمكن أن نقسم التحركات المصرية تجاه السودان في الآونة الأخيرة الى ثلاث محاور رئيسية

أولا التحركات الاقتصادية:

قام رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي بزيارة رسمية الى جمهورية السودان في أغسطس الماضي، التقى خلالها بنظيره السوداني عبد الله حمدوك، وتناول الجانبان العديد من الملفات المشتركة، كالتعاون الاقتصادي في مجالات النقل والتجارة والصناعة والتدريب والصحة وغيرها من المواضيع.

غلب الطابع الاقتصادي والتنموي على زيارة مدبولي للخرطوم بداية من الوفد المرافق، والذي ضم وزراء التجارة والصناعة والكهرباء والصحة والسكان والموارد المائية، واثمرت الزيارة التزام البلدين بتعزيز انسياب حركة التجارة بين البلدين عبر المنافذ البرية والموانئ البحرية على البحر الأحمر، وتمخضت الزيارة عن إمكانية تعزيز حركة النقل والمواصلات بين الجانبين عبر إعادة هيكلة وادي النيل للملاحة النهرية، وتنفيذ مشروع ربط السكك الحديدية بين البلدين، وأخيرا تفعيل اللجنة الدائمة السودانية المصرية والدعوة الى انعقادها في الخرطوم خلال الأيام المقبلة.

لم تغفل زيارة مدبولي مسألة التنمية البشرية بين مصر والسودان، إذ عرضت مصر مراجعة عمل القوافل الطبية المصرية للسودان، وامكانية استفادة السودان من حملة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في معالجة مليون أفريقي من فيروس سي، فضلا عن إمكانية علاج مصابي ثورة ديسمبر 2018 السودانية في المستشفيات المصرية.

وإكمالا لمسائلة التنمية البشرية ورفع كفاءة المواطنين في كلا البلدين تم الاتفاق على تبادل المنح الدراسية على مستوى الدراسات العليا والبكالوريس لتقدم السودان 100 منحة دراسية للطلاب المصريين للدراسة في الجامعات السودانية وفي المقابل ستقدم القاهرة 200 منحة دراسية للطلاب السودانيين في جامعة الأزهر، كما تم الاتفاق على تدشين برنامج خاص للتأهيل المهني والتقني بين البلدين وإنتشار برامج متخصصة لهذا الغرض، وستقوم الوكالة المصرية من أجل التنمية بتغطية تكاليف تللك البرامج.

ودعونا لا ننسى أن أبرز ما تناولته زيارة مدبولي هو اتفاق الجانبين على زيادة قدرة مشروع الربط الكهربائي بين الجانبين من 70 ميجا وات الى 300 ميجا وات، وتم الاتفاق على اطار زمني لتحقيق ذلك، وتعطي مسألة رفع قدرة مشروع الربط الكهربائي بين الجانبين الى 300 ميجا وات ميزه تفاوضية للجانب المصري في مواجهة اثيوبيا التي طالما أغرت السودان بشبكة ربط كهربائي ناتجة عن سد النهضة قدرتها 200 ميجا وات، ففي محاولة لاستمالة الموقف السوداني ضاعفت اثيوبيا في 8 يونيو 2020 كمية الكهرباء المصدرة الى السودان لتصل الى 200 ميجا وات، وهذا تحرك واعي من الدولة المصرية في ظل المتغيرات والتحديات الجديدة.(36)

واستكمالا لهذه التحركات المصرية أرسلت مصر، 4 طائرات عسكرية محملة بكميات كبيرة من المستلزمات الطبية العاجلة والأدوية إلى السودان لمساعدته في مكافحة فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19” وكشفت الرئاسة المصرية أن شحنة المساعدات تشمل “كميات كبيرة من الأدوية والمستلزمات الطبية للمساهمة في تخفيف العبء عن كاهل الشعب السوداني في ظل أزمة نقص الأدوية ومستلزمات الحماية والوقاية اللازمة لمواجهة فيروس كورونا ومساعدتها في الحد من تزايد أعداد الإصابات والوفيات به.(37)

كما أعلنت مصر في سبتمبر الماضي، فتح جسر جوي مع السودان لإرسال المساعدات لمتضرري السيول والفيضانات التي ضربت البلاد، حيث كشف العميد تامر الرفاعي، المتحدث العسكري المصري، أن طائرة نقل عسكرية أقلعت من “قاعدة شرق القاهرة الجوية” متجهةً إلى مطار الخرطوم، وهي محملة بكميات كبيرة من المواد الغذائية والمستلزمات الطبية والأدوية. (38)

ويمكن القول أن تلك المساعدات جاءت في إطار سلسلة من المساعدات المصرية، قدمتها إلى الأشقاء السودانيين منذ اجتياح أزمة كورونا، فضلًا عن تيسير أزمة العالقين السودانيين. وهي التحركات التي تأتي في جميعها انعكاسًا للرغبة في تعميق أواصر الصلة بين شعبي وادي النيل، والتأكيد على ضرورة استعادة الروابط التاريخية بين البلدين، والتي أضعفتها جملة من العوامل والسياسات العدائية، التي انتهجها نظام الإنقاذ على مدار ثلاثة عقود، في إطار سياسة إقليمية استقطابية، عززت من حالة القطيعة وفاقمت من اتساع نطاق الفجوة بين الجانبين. (39)

ثانيا التحركات السياسية:

تعتبر القاهرة أن السودان هو العمق الإستراتيجي لمصر جنوبا، لذلك فإن ما يجري في هذا البلد الذي يمر عبره نهر النيل قبل أن يصل إلى الأراضي المصرية يشكل أهمية كبرى بالنسبة إليها.(40) ومن هنا فقد أعربت القاهرة بعد الاطاحة بنظام البشير من قبل الشعب السوداني عن “ثقتها الكاملة في قدرة الشعب السوداني الشقيق وجيشه الوطني على تجاوز المرحلة، إذ تضمن بيان لوزارة الخارجية المصرية تتابع مصر عن كثب وببالغ الاهتمام التطورات الجارية والمتسارعة التي يمر بها السودان الشقيق وتؤكد دعم مصر الكامل لخيارات الشعب السوداني الشقيق وإرادته الحرة في صياغة مستقبل بلاده وما سيتوافق حوله الشعب السوداني في تلك المرحلة الهامة.(41)

كما أن أول زيارة للبرهان خارج السودان منذ إطاحة الرئيس السابق عمر البشير كانت لمصر، بعدما عقد  الرئيس المصري قمة تشاورية حول الأوضاع في السودان في حضور بعض الدول الافريقية في 23 أبريل 2019 لمناقشة تطورات الأوضاع في السودان، وقد حضر هذه القمة نحو 13 رئيساً ومسؤولاً أفريقياً رفيع المستوي. (42) وقال الرئيس السيسي خلال تلك القمة إن الحل سيكون من صنع السودانيين أنفسهم، عن طريق حوار شامل جامع، بين القوى السياسية المختلفة في السودان، يؤدي إلى التوصل إلى حل سياسي توافقي ويضع تصوراً واضحاً لاستحقاقات هذه المرحلة، ويقود إلى انتخابات حرة ونزيهة، وأضاف نحن كدول جوار للسودان ودول تجمع ايغاد وكشركاء إقليميين، نتطلع لتقديم العون والمؤازرة للشعب السوداني، وصولاً إلى تحقيق الاستقرار والرخاء الذي يتطلع إليه ويستحقه. (43)

وتجدر الإشارة الى أن الرئيس الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قام بزيارة إلى الخرطوم في يوليو  2018 أثناء حكم الرئيس الأسبق عمر البشير، في أول رحلة خارجية له بعد إعادة انتخابه في رئاسة الجمهورية، وقد مثلت هذه الزيارة تحولاً في مسار العلاقة بين البلدين، بحيث أسهمت في نزع التوتر الذي ساد العلاقة بين القاهرة والخرطوم في السنوات الأخيرة، وتبنّي سياسة التقارب بينهما، وتَمحور التفاعل الإيجابي الأخير بين البلدين حول سد النهضة وتسكين النزاع الحدودي، إضافة الى تجنب الصدام في الصراعات الإقليمية، وكذلك العمل على  تزايد وتيرة مشاريع التنمية المشتركة.(44)

وربما يكون من اللافت على المستوى السياسي أيضا أثناء زيارة رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي الى السودان في أغسطس الماضي، هو الانتباه إلى ملف البحر الأحمر في علاقات البلدين، ذلك أن أمنه يتطلب تنسيقاً بين القاهرة والخرطوم، بما يلبي المصالح المشتركة لهذه للدولتين، خصوصاً مع وجود مشروع الحزام والطريق الصيني المار بالبحر، الذي يتطلب وجوده تنسيقاً بين الدول المشاطئة للبحر الأحمر بحيث تكون الاستفادة من موانئها في إطار هذا المشروع، أو حتى مشروعات شركة دبي للموانئ تكاملياً وليس تنافسياً بأهداف تقليل حدة المنافسة الاقتصادية الإقليمية وتهدئة الصراعات البينية التي يستفيد منها فقط المستثمر أو المستفيد  بالحصول على الخدمات المطلوبة في الموانئ بأدنى الأسعار، ولعل السياسات التي مارستها إثيوبيا في القرن الأفريقي من إشعال التنافسية بين دول البحر الأحمر لمصلحتها، دون الاعتداد بمصالح أشقائها الأفارقة لهي خبرة لا بد أن تؤخذ في الاعتبار.(45)

ثالثا التحركات العسكرية:

أجري سلاح الجو السوداني والمصري، تدريبات جوية مشتركة، وذلك بعد نحو أسبوعين من زيارة قام بها وفد عسكري مصري رفيع المستوى إلى الخرطوم، وانطلقت بقاعدة “عوض خلف الله بمروي” السودانية، فعاليات المناورات الجوية “نسور النيل 1″، ومع اكتمال وصول القوات المصرية المشاركة، من المنتظر أن تختتم الفعاليات التي تشمل عددا من التدريبات والتمارين الخاصة بإدارة الأعمال الجوية المشتركة، إلى جانب استخدام أسلحة الجو المختلفة، في التاسع عشر من الشهر الجاري.

وتأتي هذه التدريبات بعد زيارة قام بها رئيس أركان الجيش المصري، محمد فريد حجازي، للخرطوم مطلع نوفمبر الجاري، وإجراء مباحثات عسكرية بين الجانبين، تم الاتفاق خلالها على التوسع في مجالات التعاون العسكري من دورات تأهيلية وتدريب مشترك، ليشمل كافة التشكيلات البرية والجوية والدفاع الجوي والبحرية.(46)

ومن المقرر أن يشهد التدريب تنفيذ العديد من الأنشطة والفعاليات من بينها تخطيط وإدارة أعمال قتال مشتركة بين قوات البلدين الجوية، وقيام المقاتلات متعددة المهام من الجانبين بالتدريب على تنفيذ عدد من الطلعات الجوية الهجومية والدفاعية على الأهداف موضوع التدريب، وتدريب قوات الصاعقة على أعمال البحث والإنقاذ القتالي.(47)

وتجدر الإشارة الى أن من شأن هذه المناورات والتدريبات العسكرية المشتركة بين مصر والسودان أن تعزز التقارب بين البلدين، وتنذر بمزيد من التعاون على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية فيما بينهم وتأتي هذة التحركات المصرية التي تسعي لتوثيق العلاقات العسكرية مع السودان بعد عملية التطبيع السوداني الاسرائيلي وذلك في ظل ادراك ووعي تام من جانب الادارة المصرية بالمستجدات التي تطرأ على الساحة الاقليمية.

مقترحات للتقارب المصري مع السوان :

سنقدم كمجوعة من المقترحات التي تعمل على خلق دوائر للتوافق والتقارب فيما بين الموقف المصري والسوداني، والعمل على الاستفادة من قدرات السودان باعتبارها أحد أهم دول حوض النيل وذلك من خلال الاتي

1 – اعتماد أسلوب دبلوماسية التنمية، عبر اقامة عددا من المشروعات الكبرى في السودان، وزيادة الروابط الاقتصادية والتجارية بين البلدين، كما تمتلك السودان ملايين الأفدنة الخصبة التي تحتاج إلى الاستثمار، والتي تجتذب إليها دولًا خليجية كالسعودية والإمارات والكويت. يمكن لمصر أن تستغل كل هذه الأراضي الخصبة في إنتاج غذائها بشكل آمن ومستمر ويضمن لها ولاء الخرطوم خاصة فيما يخص أزمة السد.

2– تنمية وتطوير عناصر القوة الصلبة والناعمة التي تمتلكها مصر، فالقوة الصلبة التي أبرز عناصرها القوة العسكرية والقوة الاقتصادية يكمن استخدامها لإقناع الآخر يتغيير مواقفهم عبر محاولات الإقناع “الجزرة” وحتى “العصا”، وعناصر القوة الناعمة أو القوة غير الملموسة كالثقافة والعقيدة والمؤسسات ذات الجاذبية والإغراء وغيرها من الأدوات يمكن أن تتكامل معا لتمكن مصر من التفاعل مع محيطها الإقليمي وقيامها بدور خارجي فعال ومؤثر. (48)

3– تنمية وتطوير الدور المصري في السودان عبر عدد من التحركات السياسية في الملفات الهامة السودانية، مثل الصراع في دارفور والذي يشكل تحديا وفرصة لمصر للعب دور قيادي كبير فيه وتفعيل دور الوساطة المصرية في هذا الملف لاحداث حالة من السلام والاستقرار في السودان الشقيق.

4 – العمل على تعزيز وتفعيل الدور الثقافي لمصر في السودان من خلال اقامة فروع لجامعة الأزهر في الخرطوم وتبادل المنح الدراسية لزيادة التعاون الثقافي والتعليمي فيما بين البلدين، وهو قامت به مصر بالفعل خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، عن طريق 200 منحة دراسية للطلاب السودانيين في جامعة الأزهر.

5 – إنشاء إطار قانوني مؤسسي جديد يتضمن في عضويته كل دول حوض النيل خصوصاً انه لا توجد سوى اتفاقيات ثنائية تجمع دول حوض النيل وبالتالي قد أثبت الواقع العملي ضرورة وجود منظمة اقليمية تجمع دول حوض النيل تحت مظلة واحدة، وذلك من أجل التغلب على الخلافات القائمة انطلاقا من الالتزام بالاتفاقيات القانونية السابقة ،مع عقد اتفاقيات أمنية وسياسية واقتصادية جديدة لمواجهة أي تدخل خارجي في هذا الشأن.

6 – العمل على كسب النظام الجديد في السودان المتمثل في الحكومة الانتقالية فضلاً عن لعب دور الوسيط بين المجلس الانتقالي بمكونيه العسكري والمدني، والمساهمة في دعم مرحلة التحول الديمقراطي في السودان والوصول به الى بر الأمان حتى إجراء الانتخابات.

7 – تفعيل ما يعرف بدبلوماسية القمة، واعطاء الرئيس دفعة قوية للعمل الدبلوماسي التقليدي لإعادة صياغة العلاقات المصرية الأفريقية عامة والسودانية خاصة، والعمل بقدر كبير من الجدية لتغيير تلك الصورة الذهنية السيئة عن مصر سواء على مستوى الشعوب أو الحكومات بكونها دولة تبحث فقط عن مصالحها.

8 – العمل على استغلال تواجد مصر والسودان معا في مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، لرفع مستوى التعاون والتفاهم فيما بينهم، وتنسيق المواقف السياسية، وتوثيق التعاون الأمني للحد من المخاطر والتهديدات التي يتعرض لها البحر الأحمر ومواجهة اي نفوذ يسعي للتواجد في تلك المنطقة.

خاتمة:

ساعد الوجود الإسرائيلي في افريقيا على تحقيق مصالحها  سواء في الحصول على مزيد من الاعتراف بها من قبل المجتمع الدولي، أو إعادة العلاقات مع دول أفريقية انقطعت منذ سنوات وذلك من خلال التفاعل عبر المجالات السياسية والاقتصادية واليوم نشهد تطبيع العلاقات مع السودان وظهور مستجدات ومتغيرات جديدة على الساحة الاقليمية في تسارع غير مسبوق، الاستراتيجية التي تتبناها اسرائيل لا تقتصر على مجرد التفاعل مع الجهات الرسمية فقط بل السعي للوصول للشعوب الأفريقية والعربية ومحاولتها تغيير توجهاتهم تجاه إسرائيل من أنه كيان محتل للأراضي العربية إلى دولة تسعى لمد يد العون للدول الأفريقية والعربية ومساعداتهم على التقدم والتنمية.

وعلى الرغم من الغطاء الثقافي والإنساني الذي تتستر وراءه نماذج القوة الناعمة الإسرائيلية في أفريقيا إلا أن هذا الغطاء يُخفي وراءه الكثير من الأهداف التي لا تُبشر بالخير للقارة الأفريقية، وتُنذر بتقويض الأمن القومي العربي الذي هو جزء من الأمن القومي الأفريقي ، وهو ما يفرض على الأمة العربية ضرورة التحرك الواعي لتعزيز العلاقات فيما بينهم ووضع تصور استراتيجي لبناء علاقة مميزة مع أفريقيا بشكل عام والسودان بشكل خاص بعد عملية التطبيع الاخيرة.

إذن، لا شك أن مصر لا تزال تنتهج حتى الآن ما يمكن أن أسميه بسياسة النفس الطويل في التعامل مع أزمات المنطقة، وهي سياسة تعتمد في جوهرها على الجانب السلمي والمسار التفاوضي، والحيلولة دون تفاقم الأزمات في منطقة ملتهبة لم تعد تحتمل أزمات جديدة. لكن من الضروري أن أشير هنا إلى أن الالتزام بهذه السياسة يظل مرتبطًا بعامل رئيسي هو عدم وصول أيٍّ من هذه الأزمات إلى تهديد حقيقي للأمن القومي المصري، فمن المؤكد أن القيادة المصرية ستتعامل مع هذا الوضع الجديد بكل القوة المطلوبة. وفي هذه الحالة تظهر أهمية الدور الوطني للشعب المصري الذي يجب أن يواصل تأييده للقيادة السياسية المصرية، ودعمه أية قرارات سوف تتخذها مهما كانت طبيعة هذه القرارات. (49)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق