سياسة

خارج المتاهة

أثيوبيا ومصر ... خواطر متناثرة

محمد عتيق

التطرف وإطلاق الأحكام القطعية هو سيد الموقف عندنا، بين الشباب الثائر وعند أغلب الجماعات المستنيرة وفي الشارع العام، تجد الحدة في المواقف والجزم بها هو الشائع .

بعضنا يحب مصر ويمجدها بينما يبغضها الآخرون ولا يطيقون ذكرها (بلداً وشعباً)، وبعضنا يحب إثيوبيا ويعشقها ولا ذكر – في الغالب – لغير ذلك .. في كل الأحوال نحن نتطرف في المواقف والمشاعر .. بالمقابل؛ بعض المصريين يبادلونك المحبة ولكن من وجهة نظر مصلحتهم الخاصة أو الوطنية العامة، وبعض البعض: لوجه الله .. ونحن – بالكل – نحب إثيوبيا مسحورين بالموسيقى والرقص والجمال فيها، بينما الأثيوبيون يحترموننا، يتخذوننا قدوةً لهم وبلادنا قبلةً أو معبراً للهجرة والاغتراب.

كذلك كان النظام الساقط ولكن وفق عقيدته ودوافعه؛ لا حدود تحكم البلاد جغرافياً، فالوطن عنده هو الإسلام، فليصدر الثورة (ثورة اسلامه) للعالم بدءاً بالجوار، تصدير كان لا بد له من ردود أفعال تعادله في القوة أو تتفوق عليه، وفي ذلك حاول اغتيال الرئيس المصري على أراضيها، فكانت الردود من الطرفين :

– إثيوبيا تتوغل في الأراضي السودانية في منطقة الفشقة الشديدة الخصوبة ، تؤسس فيها المستوطنات الثابتة لمزارعيها وتؤهلها بالكهرباء والماء وكل ضرورات الحياة وتؤسس فيها ولها شبكات من الطرق تربطها باثيوبيا وتطلق العنان أمام مليشياتها المسلحة (الشفتة) لتدافع عن تلك المستوطنات ومزارعها داخل السودان في مواجهة أهلها وأصحابها ليظهر كل الفعل فعل (شفتة) خارجة على القانون وعلى سيطرة الدولة الأثيوبية.

– ومصر ، المتربصة تاريخياً بالمثلث الحدودي لها مع السودان على ساحل البحر الأحمر (مثلث حلايب ، الشلاتين ، أبو رماد) وجدت ضالتها فتمددت داخل المثلث بشبكات الطرق والكهرباء والخدمات ، تسبقها قوتها العسكرية لتلتهم المنطقة بسكانها وثرواتها في الباطن والظاهر وسواحلها البكر على القلزم، يساعدها ضعف القبضة السودانية على المنطقة وبساطة إنسانها وفقره المدقع .

وجاء رد فعل العالم تضييقاً على النظام الساقط، أحكم قبضته عليه وأخضعه ليعود ذليلاً منقسماً على نفسه، يداري عوراته الوطنية في الفشقة وحلايب بالتعتيم الإعلامي والصمت المظلم على “الاحتلالات” وغيرها من الاعتداءات المتكررة من مختلف الجهات التي مستها محاولات (تصدير الثورة) .. تراخت القبضة خارجياً على تخوم الدولة واشتدت في الداخل، فتمدد الأثيوبيون في المدن والقرى، وفي أنحاء العاصمة وأحيائها القديمة بثقافاتهم وأزيائهم، لافتاتهم مكتوبة بالأمهرية حتى أن اسم أحد متاجرهم أصبح اسماً شعبياً لمنطقة هامة من مناطق العاصمة الخرطوم، وانتقل جزء من رجال الاعمال السودانيين بينهم أرباب للنظام بأموالهم واستثماراتهم – رحلوا – إلى إثيوبيا حيث القوانين المجزية للمستثمر مع التنفيذ الصادق لها بشفافية خالية من فساد واستبداد أهل النظام الساقط في بلادنا .

   وأخذت مصر في تنفيذ إتفاقية الحريات الأربعة مع السودان بما يرضيها ويبدد مخاوفها من الإرهاب (وحركة أربابه): حريات كاملة للمصريين، منقوصة ومشروطة للسودانيين، تمدد الوجود المصري على أرفف المتاجر ومخازنها سلعاً رخيصة الأسعار تشمل كل شيءٍ من الأسمنت إلى رقائق البطاطس ولبان الأطفال، وفي ردهات المهن المختلفة عمالاً مهرة وغير مهرة وأصحاب أعمال مختلفة.. الخ.

   ثم جاء زمان السد “سد النهضة” على النيل الأزرق عند حدود السودان الشرقية، المشروع الأثيوبي المليء باللغط التاريخي منذ فكرته الأولى على عهد الامبراطور، لغط حول الموقع ودرجات الأمن والسلامة .. هنا تنقل النظام الساقط في المواقف على أسس سياسية ماكرة، متأرجحاً بين التحفظ والانحياز للجانب الأثيوبي وفقاً لمصالحه الضيقة خاصةً في كسب إثيوبيا إلى جانبه في موضوع المحكمة الجنائية الدولية ، مسنداً إدارة ملف السد لعناصر مرتبطة به من الفنيين لينطلقوا في تعداد مزايا السد وفوائده للسودان .

  هكذا ظل السودان – حتى بعد ثورة ديسمبر ٢٠١٨ – في موقفه السياسي المنحاز لأثيوبيا (أو موقف المحايد الوسيط في أحسن الأحوال) بعيداً عن الأسس الفنية الموضوعية، منشغلاً بصراعاته الداخلية بين المكون العسكري وقوى الثورة، ثم بين أطراف قوى الحرية والتغيير نفسها .. فإذا جاءت وثيقة واشنطن (أواسط ٢٠٢٠) بين الدول الثلاث بملابساتها عنواناً لبدء انتقال المواقف إلى خانة الاهتمام بالشؤون الفنية والموضوعية، وجاءت حرب الدولة الأثيوبية ضد إقليم التقراي وظروف استعادة الفشقة محطة هامة على طريق التخلص من أسر المواقف المتطرفة، والتقديرات العاطفية والأحكام المسبقة .

    بعيداً عن (النبش) في ملابسات التحرير، الجميع يؤيد عودة مناطق الفشقة إلى حضن الوطن، وبعيداً عن تحليل دوافع التقارب مع مصر، الموقف الوطني المسؤول يؤيد التقارب مع دول الجوار والتعاون معهم، فقد وضعتنا الظروف: (الموقع الجغرافي والطبيعة العاطفية) في مواجهة جارتين عزيزتين، فلنتحول في أتونها من الانفعال والتطرف إلى الانطلاق من المصلحة السودانية العليا التي تراعي – بإنسانيتها ووعيها – مصالح الأطراف الأخرى، لتتوجه الطاقات إلى معارك التعاون والإخاء وحسن الجوار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق