آراء

غوايات

غواية الكتب (3)

عماد البليك

في طفولتي كنت مغرما بالقصص أسمعها عن أبي – رحمه الله – وأدونها كقصة أبو زيد الهلالي وصراعات قبائل البطانة والشكرية وغيرها من مرويات تراثية، وهناك قصة طويلة كتبتها في كراسة كاملة باسم “حسن شيخ الحرامية”، كانت مقسمة أشبه لنظام الروايات بالفصول وكل فصل له اسم معين. أيضا كنت أتابع الأفلام بالذات الهندية في السينما وأقوم بإعادة كتابة الفيلم في شكل قصة كاملة مشوقة تعكس لحد ما رؤيتي الذاتية عن مضمون الفيلم أو قصته.

ربما كانت تلك بذرة لعلاقتي مع فن القصّ والحكايات، إعادة رواية ما أسمعه وما أشاهده، وبهذا الشكل كانت قد تمكنت مني غواية القص، التي تلاحقت بالقراءة ومن ثم الكتابة في توليف بينهم الثلاثة، إذ لا يمكن فصل القراءة عن الكتابة والسرد.

غير أن الانتقال من السماع إلى التسجيل والتدوين من الشفاهة إلى المسطور، ليس بالأمر البسيط فهو يحتاج إلى خبرات وتمارين مستمرة، حيث سوف يكتشف الإنسان مع مرور الزمن واختمار التجربة أن صناعة النصوص الأدبية هي أمر معقد يمر بالعديد من المراحل والاختبارات التي لابد للكاتب أن يدخلها قبل أن يكون ناضجا بالفعل. في جيل سابق لنا وربما حتى جيلنا كانت الجدات (الحبوبات) يتولين مهمة إنتاج الحكايات للصغار في فترة المساء وقبل النوم، وهذا السرد المتوارث الذي يشتغل على المخيال الشعبي، كانت له أدوار تربوية واجتماعية، فهو يحفز في الطفل ملكة الخيال وينمي لديه القدرة على فهم المجتمع وطبيعة الحياة والكون بشكل عام، ذلك من خلال أنساق أو أشكال الوعي الاجتماعي المتوارث الذي يعبر عن إطار ميثولوجي معين في حدود زمكانية، يكون لها التوسع بالانفتاح على التجربة الإنسانية من خلال خبرة ذلك الطفل في مستقبل حياته عندما يدخل المدارس ويسافر ويقرأ الخ…

وقد دوّن الأديب الراحل البروفيسور عبد الله الطيب بعضا من هذه القصص والحكايات في كتاب “الأحاجي السودانية” الذي يعتبر مدونة مهمة تستحق التوقف عندها والدراسة التأملية، لما تحتويه من صور عن المجتمع السوداني والخيال الشعبي وبنية الوعي لدى السودانيين، إذ معروف أن الحكايات والسرديات هي تجلٍ للثقافة المجتمعية وطريقة رؤية الناس للعالم وتصوراتهم حتى لمستقبلهم.

لاحقا مع التجربة والوعي سوف أدرك أن ثمة فروقا في هذه المصطلحات، ما بين القصة والحكاية والسرد والرواية والأحجية وكلها ذات مسارات تعمل في أطر محددة، بحيث لكل من هذه الاصطلاحات نسق لن نقول إنه مغلق بل منفتح وله القدرة على احتواء المسارات والجوانب الأخرى المتضمنة في النوع الثاني أو الآخر. فالقصة تحتوي الحكاية وتنميها وتجعلها أكثر صفاء، والروايات تجعل القصص والحكايات تسمو إلى منزلة الحضور الكبير لفاعلية الإنسان والمجتمع والتجربة الإنسانية عموما، في حين أن السرديات هي تصورات كبيرة ومتسعة الرؤية للشعوب والأمم والمجتمعات حول وجودها بشكل عام، بما يحاول أن يفسر تاريخها ويدنو من راهنها ويستشرف مستقبلها.

محصلة ذلك أن فن القصص أو الحاجة إلى الحكايات لدى المجتمعات، وتغذية الأطفال من الصغر بها، ينبع من شغف إنساني له دوافع أبعد من مجرد تحقيق المتعة أو التسلية، فهي حاويات كبيرة للتصورات والرؤى والرغبات الإنسانية، فوراء كل قصة أو سردية أو رواية ثمة عالم كبير وعميق – إذا ما تأملنا بدقة – ورؤية تفكك العوالم وتعيد تشكيلها وفق نسق الوعي المعاصر أو الآني. إن الحاجة إلى فهم السرديات السودانية أو نسق السرد السوداني عبر تاريخه المتراكم منذ عصور قديمة يظل من القضايا التي يمكن أن تساعد فعليا في وعي الذات وحل إشكاليات الهوية وغيرها من الأسئلة المعقدة في راهننا، فالسرد والحكايات والتراث الشعبي الحكائي يعبر في نهاية الأمر عن صور تراكمية غنية وذات ثراء كبير، فقط تحتاج إلى الاكتشاف والاستكشاف والانطلاق لصناعة الذات الجديدة.

وإلى لقاء في غواية جديدة في الأسبوع المقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق