سياسة

سفينة بَوْح

هيثم الفضل

بعد أكثر من سبعين سنة على تحرر افريقيا من القبضة الكونوليالية ودخول معظم دولها مرحلة البناء.

١) المُغيَّبين  ..!

الدوران والهُتاف خارج دائرة النداء الوطني المُتعلِّق بإرساء دعائم النظام الديموقراطي ، وما يحتويه من مبادئ أهمها  احترام حقوق الإنسان وحماية الحريات العامة والتداول السلمي للسلطة واستتباب دولة المؤسسات والقانون وغيرها من القيَّم التي ناضل من أجلها الشعب السوداني ، يُعتبر طبيعياً إذا كان صادراً من الذين لم يملكوا ما يعينهم على (فهم واستيعاب) الطموح الحقيقي لهذا الشعب في ما هو مطلوب من (تغيير مُنتظر) ما بعد ثورة ديسمبر المجيدة ، كيف يستغرب الناس أن يعجَّ السودان بأرتال من (المُغيَّبين) عن نبض الشارع وأهداف الثورة ، في شتى مؤسسات الدولة ومن بينها الشرطة والجيش والخدمة المدنية والجهاز المصرفي وشركة الكهرباء ومصفاة الخرطوم وموانئ بورتسودان ومطار الخرطوم وغيرها من المؤسسات ؟ ، كيف نستغرب ؟ ووضع هؤلاء يناسب مقولة (فاقد الشيء لا يعطيه) ، فهم  يفتقدون إلى (مصادر) سابقة تعينهم على توسعة مداركهم الديموقراطية ، لأنهم ببساطة ومنذ بدايات تكوينهم الفكري والسياسي والثقافي والمهني كانت جُل مصادرهم المعرفية في فقه التعامل مع عامة الناس وخصوصاً البسطاء الذين لا مصلحة لهم في هذه البلاد سوى العيش الكريم والكرامة والحرية ، مُجرَّد عناوين عريضة خطَّها نظام الإنقاذ الشمولي البائس ، فلم يستوعبوا في ما تعلَّموا وخبِروا غير ما احتوى من مساوئ أخلاقية وفضائح  قيَّمية وسلوكية أودت به في نهاية الأمر إلى مذبلة التاريخ.

لا نستغرب أفعال وأقوال الذين يُقارنون ما نحن فيه الآن من تحديات مع ما سبق من حكم ديكتاتوري غاشم ، من أبواب لا ترقى إلى استيعاب الرؤى المُقدسة لدولة الحريات والعدالة والسلام التي يأملها هذا الشعب الذي يستحق ،  على سبيل المثال يُراهنون على أن تكون الأزمات المعيشية التي يعانيها المواطن السوداني (مدخلاً) لحنينهِ وأشواقه إلى عهد الذُل والهوان كما يُحنَّون ويشتاقون ، ويتغاضون عمداً عن أن حكومة الفترة الانتقالية في الواقع المُعاش لم تستلم دولة ، بقدر ما استلمت (ضيعة) كان يملكها نافذي حزب المؤتمر الوطني البائد ، كما لا نستغرب أن لا يعلم مدير الشرطة أن الشرطة السودانية في دولة (التغيير المنشود) قد استفادت من إلغاء قانون النظام العام قبل استفادة المواطن السوداني ، وذلك من المنظور الافتراضي لإيمانها ودرايتها بأن صيانة كرامة الإنسان وحقوقهِ من أهم وأقدس واجباتها ، وأن مكافحة الجريمة واستتباب الأمن المجتمعي لا يحتاج إلى  قوانين تفسح المجال بلا  قيد لانتهاك حرية وكرامة المواطن السوداني.

ركون الشعب السوداني بوعيه المُتمرِّد على واقعهِ المُضني إلى فضيلة الإصرار على الصبر و(الانتظار المُتفائل) ، ريثما يتم إعادة بناء الأركان الأساسية لدولة السودان التي اجتهدت عصابة الأمس في هدمها لثلاثون عاماً بمعاوِّل الفساد والعُلو بالنفوذ والقوة والبطش ، هو السلاح الإستراتيجي الأكثر أهميةً من الإصلاح السياسي والاقتصادي في معركة تمكين المسار الديموقراطي واعتماده منهجاً مُستمراً وخالداً لإنتاج العدالة والمساواة والتنمية المُستدامة ، بغير هذا السلاح (الفتَّاك) لن يصمُد هذا الأمل الجماعي في مواجهة أولئك الذين لم ولن يستوعبوا (العريضة) الوطنية التي خطها الشعب السوداني بدماء شهدائه وتضحياته التي ما زالت تتوالى يوماً بعد يوم وفي مقدمتها (مراهنتهُ) على (العبور) إلى بر الأمان طال الزمان أم قصر.

٢) مُناوشات (بريئة)!

لا نلوم بعض اتجاهات الرأي العام (البريئة) من التواطؤ مع سدنة النظام البائد ، والمُتعلِّقة بالمبالغة في بيان ما يحدث من أزمات معيشية وخدمية حالية على أنها (واجهة رئيسية) لفشل الحكومة الانتقالية خصوصاً في شقها المدني ، لأن مستويات (الوعي) السياسي والاقتصادي والإستراتيجي يجب أن نقبل فيها التعدُّد والتفاوُّت والنسبية ، خصوصاً وأن بعض أولئك النُقاَّد والمُتابكين على من نحنُ فيه من حال ومن منطلقات (بريئة أيضاً) ، تتمثَّل مشكلتهم في مُجرَّد (ضيق) الأُفق وضُعف القُدرة الاستيعابية لما هو ماثل من تحديات ، هذا فضلاً عن (محدودية) القُدرة على التحليل الجيِّد لمسارات الحكومة الانتقالية في أجندة (الأولويات الإستراتيجية) التي ستنبني عليها فيما بعد قواعد (الاستقرار) السياسي والاقتصادي والأمني والثقافي والاجتماعي.

الاستقرار كلمة مُختصرة تُعبِّر عن مفاهيم عدة جميعها تُعد شروطاً أساسية لإرساء قواعد متينة و(مُستدامة) لإحلال دولة المؤسسات والعدالة والمساواة والتنمية المتوازنة ، (بديلاً) لدولة الحزب والشخوص والإقصاء بشتى أنواعه ، وعلى افتراض إيماننا ببراءة ما يقولهُ هؤلاء عن الفشل الانتقالي من منظور أزمات الخبز والغاز والمحروقات ومعها الغلاء الفاحش للأسعار والتي لا يمكن أن ينكرها إلا مكابر ، ثم قمنا باستثنائهم من قائمة المصطلحات التي بات (يبغضها) ويتوجَّس منها الكثيرون ، مثل مصطلح الفلول أو الدولة العميقة أو النفعيين ، نجد أنفسنا مُضطرين أن نُلفت انتباههم إلى ضرورة مراجعة تحليلاتهم للواقع الراهن عبر تقدير الفرق بين (الحلول المؤقتة للأزمات) والتي تعتمدها الأنظمة الشمولية لخشيتها من ثورة الشارع وهذا ما حدث في أواخر عهد الإنقاذ البائدة ، وبين (الحلول المُستدامة للأزمات) والتي تعمل عليها حكومة انتقالية تسندها قواعد شعبية واعية ، لا تخشى غضب الشارع لأن أقصى ما يمكن أن يودي إليه هذا الغضب هو ترجُّلها عن دفة قيادة البلاد التي يعلم الجميع أنها لم تعُد مكسباً  بقدر ما هي خِضم  من الخسائر والمصاعب.

إيجاد حلول جذرية للأزمات الماثلة ومعها قضايا كثيرة كالغلاء وتردي التعليم والصحة وتوقف عجلة التنمية والخراب الذي طال المشاريع الوطنية الكبرى وتردي الخدمة المدنية وهشاشة بنية النظام المصرفي وغيرها الكثير ، يعتمد بالأساس على (رؤى) إستراتيجية تستهدف (إعداد وتجهيز) البنية الأساسية للسودان الجديد ، ليكون مُستعداً وقادراً على استقطاب العون الخارجي والاستثمارات الأجنبية الداعمة لتوجُّهاته الاقتصادية والإنتاجية ، فالقضاء على صفوف الخبز والوقود والغاز وغيرها من المصائب (يبدأ وينتهي) بإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ، وتوقيع اتفاق السلام الشامل مع الحركات التي تخلَّفت عن اتفاق جوبا ، وإعفاء ديون السودان ، فضلاً عن استقطاب دعم  قوى المجتمع الدولي على مستوى المُنَّظمات والدول للمساهمة في بناء وتطوير البنية التحتية للواقع الاقتصادي السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق