سياسة

المشرُوع الوطني لِبناء الدولة السُودانية

وحدة السُودان مبدأ فوق دستوري

نضال عبد الوهاب

في اتجاه التأسيس لمشروع وطني سُوداني يلتف حوله الجميع لبناء الدولة السُودانية ، نأتي لمسألة هامة جداً تُعتبر واحدة من الأشياء التي أرّقت الكثيرين من بنات وأبناء هذا الوطن وهي وحدة السُودان وحمايته من التقسيم والانفصال ، خاصة بعد انفصال الجنوب بسبب أزمة العقلية التي كانت سائدة وضُعف القيادة السياسية وقتها وضحالة تفكيرها حول الحلول التي كان يُمكن وبكل يُسر اتخاذها بعيداً عن ما تم ، والأهم هو اتخاذها قراراً غير صحيح ولا يُراعي حتي القوانين الدولية التي تمنع من التدخل في الشئون الداخلية للدول ويحصنها من التفتت نتيجة لاي صراع إثني أو ثقافي ناتج عن تعدد موجود داخل هذه الدولة ويُحافظ بالتالي علي الاستقرار والسِلم الإقليمي والعالمي ، فتم تجاوز كُل هذا وفقاً لصفقة للأسف شاركت فيها قوي دولية ذات مصلحة في ذلك الحين ، كان يجب أن تكون هي الأحرص علي حماية القوانين الدولية وتأسيس مفهوم يقوم علي احترام المبادئ وقوانين ومواثيق الأُمم المُتحدة ..

شكّل انفصال الجنوب بالإضافة للصِراعات الإثنية والحرب في عدد من أقاليم وأجزاء السودان في دارفور والشرق وجنوب كُردفان والنيل الأزرق، شكّل كابوساً ووسواس مُستمر من أن تمتد يد التقسيم لأجزاء أُخري من أرض الدولة السُودانية بنفس السيناريو لانفصال الجنوب، وبالفعل شجّع هذا بعض الفصائل والحركات المُسلحة للمُطالبة بالانفصال وتقرير المصير (الانفصالي) أُسوة بما حدث للجنوب الذي أصبح نموذجاً ومثالاً عند البعض للسير في ذات الطريق! 

ومع إيماننا العميق بأُكذوبة ما يُسمي بحق تقرير المصير (الانفصالي) للإثنيات والشعوب داخل الدولة الواحدة وأن أقصي غاية ما يُمكن المُطالبة به وفقاً للقوانين الدولية ومواثيق الأمم المُتحدة هو حق تقرير المصير الداخلي (غير الانفصالي) ومثال له حق (الحُكم الفدرالي أو الذاتي) داخل الدولة الأُم الموحدة، وحتى هذا يتم وفقاً لشروط مُحددة لا تنطبق على أمثلة من طالبوا بالانفصال وحق تقرير المصير.. رغم مطالبتنا الحالية الآن وضمن ذات المشروع الوطني لبناء الدولة السُودانية بإقرار نظام الحُكم الفِدرالي، كنا قد كتبنا سابقاً بتخصص في هذا وتفصيل في مقال بعنوان (أُكذوبة حق تقرير المصير الانفصالي)..

ونتيجة لاختلال ميزان التنمية و بسبب انفراد مجموعات إثنية مُحددة وطُغيان الثقافة العربية والإسلامية علي غيرها من ثقافات وإثنيات واحتكارها للسُلطة في السودان، نشأ الصِراع وقامت الحرب الأهلية الداخلية، وزاد منها ومن انتشارها مشروع الإِسلام السِياسي الذي كرّس لهيمنة وعُلو الثقافة والعُنصر العربي والإسلامِي علي غيره من شُعوب الُسودان وعلي كافة مُكوناته الإثنية والثقافية، الإفريقية والنوبية والبجاوية وغيرها داخل السُودان المُتعدد .. وبعد سُقوط النظام السابق ومشروعه العُنصري المُتسلط في السُودان وقيام الثورة أصبحنا جميعاً نتجه نحو التغيير والحُلول المُستدامة للسودانيين ولدولتنا العظيمة..

واحدة من أهم الحُلول المُستدامة والتي تُمهد لكل الأجيال القادمة العيش دون صِراعات ووساوس من طُغيان مجموعة إثنية أو دينية أو ثقافة مُحددة حتى وإن كانت أغلبية أو أقلية للتأثير على وحدة السودان والتفريط في أراضيه وتقسيمها، هي وضع وحِدة السودان كمبدأ فوق دستوري والنصّ على هذا في ميثاق يتوافق عليه جميع مُكونات وقوي المجتمعات السودانية وقواه السياسِية.. والمبدأ فوق الدستوري هو الذي لا يكون قابلاً أبداً للإلغاء أو التعديل ومُحصّن ضد التغيير أو الاستبدال لضمان استمراريته فيما يختص، إذن لكي نضمن وحدة السُودان يجب وضعها كحق ومبدأ فوق دستوري.. كما تفعل أمريكا مثلاً وكما فعلت المانيا بعد الحرب العالمية الثانية وفترة النازية البغيضة بإقرارها مبدأ الإتحاد الفدرالي وتضمينه كحق فوق دستوري لتحصين الديمُقراطية بها وعدم جرها للدكتاتورية، وكما فعلت تركيا بوضعها للعلمانية كمبدأ فوق دستوري أيضاً، والمُلاحظ أن كل هذه الدول الكُبري تتشابه في مسألة التنوع والتعدد الإثني والثقافي والقومي تماماً كما حال السُودان..

وبمثل ما طالبنا في تأسيسنا لمشرُوع وطني لِبناء الدولة السُودانية بإقرار فصل الدين عن مؤسسات السُلطة والدولة السياسية وإقرار (العلمانية) كمبدأ فوق دستوري فإننا نُطالب أيضاً بإقرار وحدة السُودان كمبدأ فوق دستوري غير قابل للتعديل أو الإلغاء تحت كُل الظروف الآن وفي المُستقبل!

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق