ثقافة وفن

تقديم عبدالله الفكي البشير لكتاب: 2

مُفاكراتٍ حول منهج التحليل الثقافي ... الثقافة، الدَّولة، الدِّيموقراطيَّة، الاستقلاليَّة، الأيديولوجيا، والآفروعمومية، لمؤلفه الدكتور محمد جلال هاشم

د. عبد الله الفكي البشير

وقد نظر للطائفية باعتبارها آخر مراحل العبوديَّة، وبصيغة الاستفهام عالج سؤالاً تاريخيًّا مهمَّاً: كيف نتخلّص من الطَّائفيَّة؟ والأيديولوجيا دائماً باطشة، لكن متى تصبح متسامحة؟ وتناول دولة الإنقاذ، العهد البائد، ودلالة أيديولوجيَّتها الإسلاموعروبية. ووسم الفصل السادس وهو قبل الأخير بـ: “الخلايا النَّائمة للأيديولوجيا الإسلاموعروبية (ظاهرة الغباء الأيديولوجي والضُّمور الفكري)، فقدم طرحاً عميقاً وجديداً، ثم قدَّم مقترحاتٍ تمحورت حول “كيف نتعامل مع الخلايا النائمة للأيديولوجيا الإسلاموعروبية؟”. هنا لابد من الإشارة إلى أن المؤلف في كتاباته يمايز بين مصطلحي “الإسلاموعروبية” و”الثقافة العربية والإسلامية”. فالمصطلح الأول، عنده، كما يقول: “ذو دلالة أيديولوجية بحتة تعني مجموعة المحددات السلوكية التي تشكّلت بها الطبيعة الأيديولوجية للدولة السودانية الحديثة التي قامت على الأسلمة والاستعراب مظهراً إيّاها على أنها وعي اجتماعي ــــ ثقافي (هذا بينما هي محض أيديولوجيا في حقيقتها)، إذا قسناه بمقياس الإسلام، لن يكون إسلامياً، وإذا قسناه بمقياس العروبة، فلن يكون عربياً”. بينما المصطلح الثاني يعني عنده “مجمل التراث العربي والإسلامي في حال تجرّده من أي تشكلات أيديولوجية مرتبطة بالمصالح الحياتية لمجموعة معينة من البشر”.

هذا الكتاب يمثل حلقةً من حلقاتِ مشروع المؤلف؛ والمشروع، في تقديري، من أكبر المشاريع الثورية والنقدية المبوبة التي ظلت تدعو لبعث السودان وسوْدَنةِ النظر فيه وعنه، وتنشد التحرير والتغيير. تميز المؤلف، وهو يعمل في مشروعه، بالإنتاج العميق والمتنوع والمستمر، باللغتين العربية والإنكليزية، مُتبنياً الفكر النقدي، والمنهج التوثيقي الصارم، والإعمال للخيال التَّاريخي، مع الحضور الدائم في الفضاء المعرفي. فقد أصدر نحو عشرين كتاباً، ونشَر نحو مئة ورقةٍ علميةٍ، ومثلُ ذلك وأكثر من مقالٍ صحفيٍّ، وأذاع عشرات البيانات، وتحدث في مئات المحاضرات والندوات. ويكاد لا يمر أسبوع إلا ونجده قد رفد الفضاء السوداني والكوكبي بمقال أو بيان أو ورقة أو كتاب أو محاضرة. ومن نماذج كتبه على سبيل المثال، لا الحصر:

* جزيرة صاي .. قصَّة الحضارة: قضايا التَّنمية والتَّهميش في بلاد النُّوبة (2014)؛

* رسالة كجبار: من أجل السودان لا من أجل قرية (قضايا السُّدود بشمال السودان) (2016)؛

* منهج التَّحليل الثَّقافي: مشروع الدَّولة الوطنيَّة السُّودانيَّة وظاهرة الثَّورة والدِّيموقراطيَّة (2018)؛

* منهج التَّحليل الثَّقافي: فشل مشروع الحداثة في السُّودان وتحدِّيات ما بعد الحداثة (قيد الطّبع)

* الإسلام الثَّقافي: فقه ما بعد الحداثة (قيد الطّبع). 

ومن نماذج الكتب باللغة الإنكليزية:

*  To or not to be: Sudan at Crossroads: A Pan-African Perspective (2019)

ومن الأوراق العلمية التي نشرها، على سبيل المثال، لا الحصر:

* “الأطعمة السُّودانيَّة: ثراؤها وتنوُّعها وإمكانيَّة انتشارها عالميَّاً” (2018)؛

* “نحو منهج لإحياء التراث السُّوداني: الثَّقافة النُّوبيَّة كحالة دراسيَّة”، (1997)؛

* “المسئوليَّة الثَّقافيَّة للنَّصِّ الدِّارمي” (1986).

وكذلك العديد من الأوراق والمقالات باللغة الإنكليزية، ومن أمثلتها:

•“Islamization and Arabization of Africans as a Means to Political Power in the Sudan: Contradictions of Discrimination based on the Blackness of Skin and Stigma of Slavery and their Contribution to the Civil Wars” (2005).

تميز هذا الإنتاج الفكري المستمر والمتنوع، بالأصالةِ والإتقان والجودة الشَّاملة، سواء على مستوى اللغة أو المنهج أو التَّوثيق. والإتقان في الكتابة، فعل لا تصنعه الأحلام، ولا يتأتى بالحماسة، ولا تكفي فيه غزارة المعلومات، وإنما يتطلب الجد، والدربة، والدِّراية، وعمق المعرفة، وسعة الخيال، ووضوح الرؤية، وإعمال الحس النقدي، فضلاً عن التبحُّر في اللغة، والإلمام بمناهج البحث والمواكبة للجديد منها. وفوق كل ذلك؛ فإن الإتقان في الإنتاج الفكري يحتاج للمفكر الحر. فطاقة النصِّ وقدرته على النفاذ إلى القلوب والعقول والذَّاكرة، وتمكنه من عبور الزمان والجغرافيا والثقافة، لا تجيء إلا من المفكر الحر. وبقدر مستوى الحرية الفردية عند المفكر يكون مستوى التدرُّج في إتقانه، وقدرة نصِّه على النفاذ، وتمكنه من العبور والخلود. والحقُّ أن محمدًا ظل ينتج بإتقانٍ نادر المثالِ في السودان. فمتى ما قدَّم محمدٌ كتاباً، أو ورقةً علميةً، أو مقالاً صحفياً، لجهة ما، فإن المسؤول عن التحرير في تلك الجهة، يكون، وهو يدقق في عمله، حسب تقديري وتجربتي، في استمتاع وتعلم وارتياح كبير. فلقد اتفق أن كنت مُنسقاً لعدد من المؤتمرات والندوات الفكرية، وأحياناً عضواً في اللجانِ العلمية أو لجان التحرير، وكان محمدٌ مشاركاً في جلها، ومن بين عشرات الأوراق العلمية، فإنَّ الورقة التي يكاد المحرر لا يحتاج أن يدخل يده فيها، سواء من حيث اللغة أو المنهج أو المعالجة أو المصادر والمراجع، وهو يقرأها بمتعةٍ وارتياحٍ كبيرين، تكون هي ورقة محمد جلال أحمد هاشم.

على الرغم من أن مشروع المؤلف لم يحظَ بالاهتمام اللازم في الماضي، ولم يجد العناية التي يستحقها من قبل الأكاديميِّين والمشتغلين بشؤون الثقافة والفكر والسياسة في السودان، إلا أن الاهتمام به قد زاد الآن، ويقيني بأنه سيزيد، وما هذا الكتاب إلا دليل على ذلك. وفي تقديري، بالإضافة إلى نمو الوعي والتحرر، هناك عوامل عديدة ستجعل من مشروع المؤلف موضعاً للاهتمام في السودان، منها أولاً: تقاطع هذا المشروع مع رؤى قادة ثورات الكفاح المسلح، ولقاؤه مع تلك الرؤى في منتصف الطريق، كما سيرد الحديث لذلك لاحقاً. ثانياً: زاد الاهتمام بالمشروع بعد اندلاع ثورة ديسمبر (ديسمبر 2018 – أبريل 2019) المجيدة، فقد مثَّلت ثورة ديسمبر، على الرغم من محاولات اختطافها، خطوةً نحو الثورة الكبرى لإحداث التغيير الشامل والجذري. الأمر الثالث: ارتفاع صوت بعض المثقفين النبلاء من زملاء المؤلف واعترافهم بفضله وإسهاماته، فعلى سبيل المثال، لا الحصر، كتب سامي صلاح محمد (في موقع سودانير أونلاين بتاريخ 11 يوليو 2007)، قائلاً: “محمد جلال أحمد هاشم رجل قامة بحجم وطن، بل رجل وطن ما زال في معتقلات النظام إثر ما حدث في كجبار”. وأضاف سامي، قائلاً: “هذا الرجل أستاذي وأستاذ جميع الأجيال من الذين ينادون بفكرة الوطن المفتوح على التعدُّدية والاختلاف والتنوع، أول من رفض فكرة الدولة الآيديولوجية في بواكير الثمانينات عندما كان طالباً بجامعة الخرطوم، وصاغ في عام 1986م منهج التحليل الثقافي، وتحدث عن الصراع الثقافي العرقي وآيديولوجيا الخطاب الإسلاموعروبي و تكتيكاته الخادعة و المدمرة”. وكتب زميل دراسته بالمرحلة الجامعية فتحي الصديق (في بوست سامي صلاح)، قائلاً: “الأستاذ الدكتور محمد جلال أحمد هاشم رجل بقامة الوطن عرفته حين تزاملنا سويًّا بكلية التربية ــــ جامعة الخرطوم في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي .. مناضلاً من أجل إرساء دعائم الحريةِ وتثبيت أركانها”. وكتب أبوبكر سيد أحمد (في بوست سامي صلاح) في حق محمد جلال هاشم، وعن انشغاله السودان، قائلاً: “محمد يصغرني عمراً بكثير ولكنه صديقي .. همه ليس حصرا على منطقة النوبة، إنه يحمل الهم السوداني معه أينما ذهب. يكتب عنه ويحاضر ويبحث فيه .. لا وقت له لغير ذلك”. وشهد كذلك الصادق إسماعيل (في بوست سامي صلاح)، قائلاً:

“فتح لي محمد جلال الكثير من أبواب المعرفة، وتعلمت منه الكثير من شؤون الحياة اليومية، وكان يتحدث معي في أعقد القضايا الفلسفية … ولمحمد جلال مقدرة غير عادية في القراءة، فهو يقرأ أكثر من عشر كتبٍ في نفس اللحظة، ويستطيع أن يقدم لك تلخيصاً مُذهلاً عن هذه الكتب. ما زلت أدين بفضل كبير لأستاذى محمد جلال على تعريفى على العديد من الكتبِ والكتَّاب الرائعين؛ القائمة تطول ولكن أبرز الأسماء (شيخ أنتاديوب، كازنتزاكى، رسول حمزاتوف، سمير أمين).

ومن بين العوامل التي زادت وستزيد من الاهتمام بمشروع المؤلف، وهو الأمر الرابع: ظهور المثقفين الجدد المتحررين من التيارات السياسية والمنعتِقين من إرث الماضي، فقد أعلنوا عن تقديرهم للمؤلف واحتفائهم بإنجازاته. فقد كتب الدكتور قصي همرور، في صفحته على الفيسبوك (8 أبريل 2020)، قائلاً: “محمد جلال هاشم أحد أهم الأصوات والأقلام في المشهد السوداني العام منذ ثمانينات القرن المنصرم وحتى اليوم؛ ذلك لأنه أحد الأصوات الأساسية، الأصيلة، للحركة المستقلة السودانية؛ والحركة المستقلة أحد أهم تجليات الفكر والعمل السياسي السُّوداني الحديث”. وعن الجدل حول محمد جلال هاشم، أوضح قصي، قائلاً: “ما يلقاه محمد من استقبال مثير للجدل إنما يشير عموماً لفاعليته، فأولئك الذين لا يثيرون الجدل يعني أمرهم أن أحجارهم لا تُحدِث صوتاً أو أثراً ذا بال حين تُلقى في بركة العمل العام في السودان”. وعن كتابات محمد جلال هاشم، كتب قُصَي ــــ بنبلٍ وإنصافٍ ــــ قائلاً:

“من يقرأ كتابات محمد، وأوراقه العلمية وتحليلاته المتعمقة في قراءة التراث السوداني ــــ قراءة موسوعية موثقة ــــ لا يمكن أن ينظر للأمور بعد ذلك كما لو أنه لم يقرأ لمحمد جلال من قبل؛ سواء اتفق أم اختلف معه. أنا شخصيَّاً لم أعد أنظر للأمور في السودان كما كنت أنظر لها قبل قراءتي لمحمد جلال والتي بدأت منذ حوالي عشرة سنوات”.

وخلص قُصَي، قائلاً: “الذين يتجاوزون محمد جلال هاشم، ولا يستأنسون برأيه ــــ سواءً اختلفوا أم اتفقوا معه في النهاية ــــ يخسرون كثيراً”.

كما كتب فاروق عثمان في صفحته على الفيسبوك (14 أبريل 2020)، قائلاً: “أستاذنا وصديقنا د. محمد جلال هاشم ظل ولأكثر من أربعين عاماً يقف كالطَّود الأشم في سوح الفكر والمعرفة والتنوير، منذ أن كان طالباً يافعاً في كلية التربية جامعة الخرطوم … باحثاً في مجالات الهوية والحضارات واللغات السودانية القديمة ومنظراً لطبيعة الصراع في السودان من خلال منهج سودانوي خالصٍ ومُتفردٍ”. وعن الهجوم الذي واجهه محمد جلال هاشم، كتب فاروق عثمان، قائلاً:

“إن الهجمةَ الشرسةَ والمنظَّمةَ والمتلاحقةَ التي يشنها سَدنةُ مشروع السودان القديم بكل تفرعاته وتمفصلاته، ورأس رمحهم من الإسلاموعروبيين القُدامي واللاعبين الجدد، يدلل على أن الرجل يسير في طريقه القويم نحو دك معاقل السودان القديم وإزالة آثاره، وبناء سودان جديد ديموقراطي علماني فدرالي على أنقاضِه، بفكره وقلمه، قبل السيف والبندقية”.

يحضرني مع قول فاروق عثمان هذا، ما كتبه الأستاذ جمال محمد أحمد (1915 – 1986)، في مجلة كلية غردون،  في ديسمبر 1935، وهو أوانئذ طالب بكلية غردون (جامعة الخرطوم حالياً). كتب جمال، قائلاً: “وويلٌ لأمة أوقفت نشاطها على حرب الأشخاص لا على حرب أعمالهم” . والحق أن أعمال محمد جلال تستحق منا الاحترام والاحتفاء، غير أن الحرب على الأشخاص، حجبت أعماله عن القراءة والتحليل، ولكنه حجاب إلى حين. فالحرب على الأشخاص، والعداء للمبادرات الخلاقة، والمنافسة غير الشريفة بين المثقفين، وسعي العاجزون عن العمل والكمال بالنيل من الاخرين، أمر موروث في السودان منذ طلائع المتعلمين، ويرجع في بعض صوره إلى المعرفة الاستعمارية. فنحن كما يقول محمود محمد طه (1974: 12) حتى الآن مستقلون سياسياً، مستعمرون فكرياً، فقد أخرجنا المستعمر من أرضنا، ولكن الاستعمار لا يزال في عقولنا. كما أشار إلى أن الحركة الوطنية في ظل الصراع والمنافسة كانت “لا تجد فرصة للدرس والتفكير والنضج، بل لا تجد فرصة حتى لإشاعة روح الزمالة والثقة المتبادلة والشعور بوحدة المصير”. وهنا لابد من استدعاء اعتراف جيمس روبرتسون، آخر سكرتير إداري في السودان. فقد اعترف روبرتسون بأنهم كحكام شجعوا على التنافس المحموم بين الطائفتين الدينيتين وزعيميهما، وهي سياسة لا تزال آثارها السلبية باقية على السياسة السودانية . وبالفعل فإن الكثير من الصراعات والسياسات مثل سياسة التطهير والتمكين تجد تفسيرها في سياق السياسة الاستعمارية. ولهذا فإننا في حاجة لاستكمال الاستقلال بتحرير العقول والفكر والخيال.

والحاجة لتحرير العقول والخيال يتصل أيضاً بأمر آخر، وهو احتفاء السودانيين بالمفكريين والكتاب من الخارج، مع الإهمال للمفكريين المحليين. فعلى سبيل المثال، احتفى الكثير من السودانيين بما كتبه الناشط الامازيغي أحمد عصيد، بعنوان: “الأمم المستعربة أخطر على أفريقيا من العرب أنفسهم” ، وحق لهم أن يحتفوا بذلك، كونها كتابة لامست وجدانهم، ولكن الإشارة هنا لا تتصل بالناشط أحمد عصيد، له منا التحية والاحترام، ولا تتصل برأينا فيما كتبه، وهو موضع تقدير عندنا، وإنما تأتي الإشارة إلى أن ما كتبه أحمد عصيد هو عين ما ظل يردده محمد جلال هاشم على مدى أربعين عاماً.. وعندما تبادلت الرأي مع محمد جلال هاشم حول احتفاء الكثير من السودانيين بما كتبه أحمد عصيد، علَّق محمد جلال هاشم، قائلاً: “هذا ما ظللت أقوله على مدى 40 عاما دون أي احتفاء. هذا مرده عندي هو مركب النقص لدى قطاعات عريضة من السودانيين فأجمل الناس هم الذين في الخارج، وأجمل الكلام ما يقوله الذين خارجنا.. إلخ”. ثم سألت محمد جلال هاشم عن أسباب ذلك، فأجاب، قائلاً:

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق