ثقافة وفن

مصرية في السودان … الغرام المكنون

الطيب السَّرَّاج (عن مصر يتكلم)

بدر الدين العتاق

يقولون خبلت بحبها

فيا / رب زدني في الخبال خبالا

مصر … تحية وقضية:

يظل الافتنان بمصر المحروسة ديدناً يراود كل من عاش فيها أو نشأ في حواريها وأزقتها أو من يحلم بها في أوقات اليقظة والمنام فما بالك من شرب من نيلها وارتوى من طبيعتها وناسها حتى الثمالة، وكم من الشعراء والفنانين وأهل الفن والأدب كتب فيها بما جادت عليه قريحته تأثراً وتأثيراً ولا شك عندي أنَّ كل من زارها لا بد أن يصيبه سحرها ولو القليل فتداعى عنده الصور والمخيلات فيكتب براً وسعادة وحقاً أصيلاً فيها وعنها ولها ومنها يأخذ مادته بلا ريب.

الحديث عن مصر والكتابة عنها لا ينتهي ولا ينضب ولا يموت ولا يُمَل في كل حين وكل آن ولا أستطيع حصر من قال فيها ولها وعنها بحال من الأحوال، قال الحكمي:

أحذاكها صنع البيان يمده جفر * إذا نضب الكلام معين

ويسيء بالإحسان ظناً لا كمن* هو بابنه وبشعره مفتون

ونحن في السودان لا نرضى الشر لمصر ولا لأبنائها ولا لشعبها فالسودان ومصر علاقة غير قابلة للمقارنة مع بقية الدول وغير خاضعة للمقاييس المتعارف عليها فهي أكثر من مميزة وأعمق من التاريخ وأدق من ماء الحياة معنى ورمزاً،  ومهما يكن من توترات هنا وهناك هي في الحقيقة كالإخوة المتشاكسين لا يزيدهما التوتر إلا تعلقاً ببعضهما البعض وإن أبى من أبى ورضى من رضى،  فهذه حقيقة لا مناص منها وما قضية حلايب وشلاتين  والسد العالي إلا كالزوبعة في الفنجان وإن شئت:  كالبعوضة في أذن الفيل،  ولا أتكلم عن حضارة مشتركة قوامها سبعة آلآف سنة بل أتكلم عن قيمة هذه الحضارة لكلتا البلدين،  فالحكومات شأنها ما شأنها والشعوب لها ما لها بلا مغالاة ولا تثريب،  ولا أخفي مدى ارتباطي بها بحال من الأحوال ولا أغالي ولا أرائي كما ترى والله يشهد وكفى بالله شهيداَ .

مدارسة النص:

صدرت رواية:  ” مصرية في السودان ” للكاتب الأديب الدكتور / صلاح البشير،  سنة 2018 م الطبعة الأولى من الهيئة المصرية العامة للكتاب،  من سلسلة أفريقيات والتي قدَّمت لها الأستاذة الكريمة / أماني الطويل ص 7 فقالت:  [ هذه الرواية اقتحمت بشجاعة يُحسد عليها حساسيات ومشاكل العلاقات المصرية السودانية التي دائماً ما نقول عنها أنَّها أزلية والتي تتمتع بوجود أواصر الدم والنسب عبر التاريخ،  ورغم ذلك لا نكف على المستوى الشعبي عن التنابذ مرة حول قضايا أو مشاكل هي من صنع النظم السياسية،  ومرى بشحن إعلامي غير واعٍ لطبيعة مكونات هذه العلاقة بكل إيجابياتها وسلبياتها،  ومرة أخرى ربما تعبير عن وطنية محلية في كل قطر يحسبها البعض يمكن أن تفرق شعبي وادي النيل ] هذه المقدِّمة الجيدة بلا شك .

وأحسب أنَّ مقدمتها للرواية، وكذلك إهداء صاحبها لشعبي مصر والسودان [إلى الشعبين الشقيقين السوداني والمصري .. أُهدي هذا العمل ] ص:    محاولة منهما لتأطير العلاقات بين البلدين محل موضوع الرواية هو بعيد بقدر كبير من لبها الذي رأيته وإن كان جل ما فيها يقول بذلك لكنى لم أرى غير أنَّ غراماً مكنوناً وقع في نفس الكاتب لمصر المحروسة فأراد أن يعبر عنه بصورة الرواية وبطليها:  جلنار وهشام الشيخ،  وليست ثمة سبب آخر غير ما ذكرت لذلك مهدت للقارئ الكريم بما جاء صدر المقدمة عاليه أثر التعلق بمصر من الشعب السوداني وما هو إلا غرام وضعه الله تعالى في قلوبهم بصورة من الصور كيف لا وهي المذكورة بالقرآن الكريم في خمس مواضع فيكفيها به شرفاً ورفعة ومنزلة وحياة لمن أراد الحياة .

عاش الكاتب الدكتور / صلاح البشير،  في مصر وخبر أماكنها وحواريها ومدنها وأزقتها بصورة عميقة للغاية وتفاعل مندمجاً بها وفيها وبين ناسها وطرقها وحياتها الرحبة النشطة البحبوحة التي لا تقف عنها عجلة الحياة،  فجاءت الرواية عبارة عن ولاء وامتنان وغرام وتداعيات وذكريات وواجب تملية الضرورة الأخلاقية والمجتمعية الذاتية فعبَّر عنها بقوله في أكثر من مرة بذات العبارة حيث قال في صفحة 24 – 115:  [ كرَّت مسبحة ذكرياتها ]،  التي هي في الحقيقة لم تكن غير ذكرياته هو فيها معايشة ومعاشرة في قالب شخصيتيه المحوريتين:  جلنار وهشام الشيخ،  حتى أثر تلك المعايشة والمعاشرة جاءت في ثوب الأسلوب المكتوب بها بين العاميتين المصرية / الروشنة /  والسودانية الرندوك،  ووفق فيهما أيَّما توفيق ولك أن تعلم أنَّ لغة الروشنة المصرية أو العامية المصرية في التحدث لهي أهون منها في الكتابة،  فالعسر كل العسر في كتابتها،  واليسر كل اليسر في التحدث بها،  وهذه قمة التأثير والتأثر بالمحروسة ( سوداني مأشر / مقشَّر ) كما ترى .

فكرة الرواية:

تقع فكرة الرواية في غير ما ذكرته وهو الأصل عندي / التأثير والتأثر بالحياة في مصر / في الديموغرافيا الروائية،  بمعنى:  الناس والمكان،  وبصورة ثالثة:  الزمان والمكان يتخللهما الناس،  وهي الحياة الجامعية وطلبتها والجو العام الأكاديمي والسياسي والمجتمعي بين الطلاب المتفاوتة أعمارهم وأفكارهم وطرح القضايا المعايشة لا في الوسط الطلابي في فترة من الفترات وهي فترة الحكم الإنقاذي 1989 م – 2019 م،  للسودان وطبيعة العلاقات مع مصر الشقيقة فحسب،  بل والصراع حول الأنثى / طالبات الكلية اللائي في مدرج وقسم واحد بالتحديد / من الشباب الثائر الفائر لمن يفوز بإحداهن،  وتعلق الشاب السوداني ” هشام الشيخ ” بالفتاة المصرية ” جلنار ” / الأثر الأعمق عند الكاتب وتعلقه بمصر فيما أرى ليس غير وبلا تكرار فيما صوَّره بتلك العلاقة العاطفية التي هي في الأصل فيما قرأت بين السطور علاقة عاطفية ذات بعد نفسي مرتبط بالزمكانية الموغلة في التشبب والتعلق / حتى توجت بالزواج كمصير طبيعي وحتمي لعلاقة صحيحة وصادقة – وهي النتيجة الحتمية المعايشة بين شعبي وادي النيل المتوجة بديمومة العلاقات بغض النظر عن التوترات بين الفينة والأخرى – بل وأوعز الكاتب آخر فصوله البالغة ستة وعشرين فصلاً بتقارب المزاوجة بين أخيه ممدوح وابنة خالة جلنار ” أسمهان ” في العام القادم وهي كما ترى نتيجة غير متناهية من العلاقات المشتركة بين شعبي وادي النيل .

لا تقوم حين يرى الكاتب ومقدِم الكتاب الأستاذة / أماني الطويل،  فكرة الرواية على أساس قضية مثلث حلايب وشلاتين وأبي رماده،  كما قدَّمت أول هذه المادة كعمود أساس لبنية الرواية السردية وتماسكها من حيث لبنات المواضيع وتعددها ولا من توترات حدثت حقيقة إبَّان المباراة التي أقيمت بين منتخبي مصر والجزائر فازت فيها الجزائر على مصر،  بل أرى إن شاء الله أنَّ الكاتب استخدم تلكم المواضيع ليقوي به عمود فكرة الرواية لا ليجعلها أساساً قائماً مرتكزاً عليها بأي حال من الأحوال وأفلح هو إن أفلحت أنا في هذه القراءة لأنَّه إن لم يكن كذلك لكانت الرواية عبارة عن عمل ممجوج لا يقدِّم ولا يؤخر في بنية عقل المتلقي فتيلاً،  ولجاءت أكثر من عادية لا يُرجى من وراءها فائدة .

الرؤى وأفكار الرواية:

من ضمن المواضيع التي استخدمها الكاتب لتقوية بنية النص الأدبي هي قضية الديموقراطية وحرب النكسة 1967 / حزيران، وتوتر العلاقات بين مصر والمملكة العربية السعودية في حرب اليمن وكان الفضل بعد الله تعالى يرجع لحكمة الدبلوماسية السودانية بقيادة الراحل المقيم / محمد أحمد محجوب (1908 م – 1976 م) وإرجاعها لمحلها الطبيعي والطليعي، – ص: 83، 84 – بين الأشقاء العرب إلى غيرها من القضايا داخل النص.

لم يخِلْ النص بتنوع المواضيع في الزمكانية الديمغرافية الواحدة وهي سنوات الدراسة / الزمن / وجامعة الخرطوم / المكان / من سلامة السرد إلا في الفصل ( 13 ) فهو يغرِّد هنا خارج السرب وبَعُدَ عن الموضوع جداً ولم يوفق تقنياً في الرجوع للموضوع من جديد – حياة الجامعة والطلاب والعلاقة بين محوري الرواية – إذ غلب عليه الخروج من الزمكانية الواحدة لغيرها متنوعاً ومعدداً الأفكار والأحداث لكنه لم يوفق هنا بسبب أنَّ الفصل ( 13 ) يتكلم عن الحياة العملية بعد سنوات التخرج حين كان الأفضل / إن احتاج إلى ذلك وهو لم يحتاج بكل تأكيد لهذا الفصل وحشاه حشراً وحشواً مخلاً لمن دقق القراءة،  راجع كل الفصول لتجد حقيقة ما رأيت والله أعلم / أن يرجأه آخر الفصول وهذا ما لم يحدث وكان في غنى عنه تماماً ليحافظ على التقنية العالية في النص من حيث السبك والحبك التراجيدي فيها،  قال ص 60:  [ الحياة في مصر وشكولها ] يقصد بها عمل بطلة الرواية في الحقل الطبي،  فتغير النمط الكتابي بصورة عكسية للغاية وهو أضعف فصول الرواية فيما قرأت .

  كذلك الفصول من:  13 – 19،  الجامعة من جديد،  انفرط العقد منه هنا،  قال ص 59 – 70 :  [ مرَّت أربعة سنوات منذ أن شنَّف هشام الشيخ أذنيها … ]،  تغير التنميط الكتابي للكاتب وأرى علَّة ذلك في اندماجه بالحياة المصرية مع سودنته فأخرجه من مواصلة الإبداع والمحافظة على نضيد عِقده السردي الحلو توافقاً بين الحياتين،  فلم يتسق نسقه المنسوق ذي التداعيات التي بدأها أول الفصل    ( 21 ) [ عانت كثيراً ] حتى صفحة 100،  فلم يقدر الكاتب على غلق الفصل / القفلة / من التداعي بالرجوع إلى الفصل ( 13 ) / قفزة غير موفقة / فتركها كما هي،  فهذا الفصل محشو حشواً سخيفاً   [ وهي لا تدري إن كان هذا الأمر سيشكل عليها مستقبلاً أم لا ] ص:  100 .

الفصل (24) مزايدات وتطويل حين بدأ يلملم أطراف القصة [معرفة والدة بهية بهشام]، ثم عاد لتعدد الرؤى والأفكار لمواصلة تداعيات الحبكة الروائية التراجيدية الدرامية فذكر من المواضيع في عمق مخيلة الكاتب أو قل: عقله الباطن: كرة القدم والمنتخبات الكروية والدوري وأفضال السودان على مصر والفصل (25) ليربطه مع الفصل (13 – 21 – 24) محاولاً لكنه فشل فيه أيضاً باعتباره فصلاً قائماً بذاته ولا يتناسب مع الذكريات.

الفصل: 24، تتذكر جلنار أحداثاً جرت بالجامعة وفجأة حولها الكاتب إلى فصلٍ لذاته، فلا هو ربطه محكماً ولا جعله منفصلاً، “تقنية الفلاش” باك فجاء مترهلاً لا كغيره من الفصول، فليراجع إن شاء الله في موضعه، فالقارئ لا يتكيف مع أيهما كان، هل أراد الكاتب الحشو قصداً أم أراد تقوية الرواية حيث خانه التقدير بمزيد من طرح المواضيع والقضايا التي لا حاجة إليها؟ في كل الحالتين الأمر ضعيف لعدم ترابط اتساق التسلسل النصي القصصي مع الحشو اللفظي الذي كان في غنى عنه ولربما لو جعله بصياغة مختلفة بلا تداعيات أو ذكريات ليربط بنية النص التلقائية العفوية المتسلسلة التي بدأ بها فصول الرواية لكان أجود وأجمل وأفضل لكنه أخلد إلى الخيال بسلاسة الانطلاق القديمة فكان حشواً خارج موضوعية الفكرة من الفصلين، راجع الفصلان جيداً حتى ص: 119.

انتهاء المدرسة:

كتب الأستاذ الدكتور المرحوم / الفاتح عمر مهدي، روايته الخالدة ” عندما تمطر الخرطوم ” وهي على ذات السِّنخ والسليقة، قرأتها قبل أكثر من خمسٍ وعشرين سنة (بالتحديد سنة: 1995 م، السنة الأولى لي في الجامعة) وما زالت ذكراها في ذاكرتي، على نفس المنوال، وأثرت فيَّ بشكل كبير جداً اعجاباً وولاء لما عايشته أنا في سنوات الكلية وكتبت روايتي اليتيمة ” لاجئة ” لا لتكرار المشاهد لكن بحقيقة الأحداث وليست بصمتي ببصمتهما فهما أجود فتأمل!

لا أود الخروج من هذه الرواية لما فيها من فنٍ يقوم على ألوان من الإبداع الكتابي ذي الحبكة والتماسك النصي للفكرة الزمكانية الواحدة فقلما تجد من يكتب مثله اليوم، يحتاج لمزيد من المذاكرة والمدارسة ولكن لا بد مما ليس منه بد لأختم هذه الكلمة عن الأديب وروايته، ولست أنا من يشيد بها ولا به لكنَّها احقاقاً لحق التكيف مع الفكرة والمحتوى للرواية وحبذا لو كان هذا مسلكه وليس الطب لجاءنا بما هو أحلى وأنضد بلا ريب.

صلاح البشير، طبيب وروائي سوداني، يعيش حالياً في الولايات المتحدة الأميركية، تخرج في كلية الطب جامعة القاهرة – مما يقارب طباقاً ما ذهبت إليه من تأثره بالحياة في مصر حباً وكرامة وولاء ووفاء للمحروسة إن شاء الله – عام: 1986 م، وصدرت له أعمال روائية عديدة منها: أولاً وأخيراً، المجنونة التي عشقناها، حديقة بلا سياج، إلى من يهمه الأمر، المبروك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق