ثقافة وفن

تقديم عبدالله الفكي البشير لكتاب: 3

مُفاكراتٍ حول منهج التحليل الثقافي ... الثقافة، الدَّولة، الدِّيموقراطيَّة، الاستقلاليَّة، الأيديولوجيا، والآفروعمومية، لمؤلفه الدكتور محمد جلال هاشم

د. عبد الله الفكي البشير

“الغالبية الكاسحة من أقرب الأقربين لي من الأصدقاء، فكرياً وسياسياً واجتماعياً، بما في ذلك أسرياً وعشائرياً، ليس فقط لا يقرأون لي، بل يتحاشون قراءة ما أكتب. وفي ظني أن مرد هذا لأنهم، أولاً، ينتمون للأيديولوجيا الإسلاموعروبية، وثانياً لخشيتهم من أن تهتز مواقفهم الأيديولوجية إذا ما ألموا بأفكاري. ومع هذا لم تعز أغلبهم الجرأة في الكذب والادعاء في وجهي بأنهم قد قرأوا: مثلا، كتابي الفلاني مرتين وليس مرة واحدة فحسب. يظنون أنهم يخدعونني ويخدعون النّاس بهذا، بينما لا يخدعون إلا أنفسهم”.

هذا أمر مؤسف، أن نترك ما نريده، وهو بين أيدينا، ونبحث عنه عند الآخرين. وفي تقديري أن الاحتفاء بالخارج وعدم إعطاء الاعتبار للمفكرين في الداخل، أمر يتطلب منا عمل كبير من أجل التحرير. فالأمر بالطبع يعود لعوامل عديدة، ولكن من بين تلك العوامل، وأهمها، في تقديري، أسطورة الغريب الحكيم أو الوافد، وهي أسطورة حاضرة في تاريخ السودان. فالغريب هو الذي يأتي معه العلم والمعرفة، وهو الذي ينظم حياة الناس، وهو الذي أسس الممالك. أذكر أنني في مرة سألت الطيب صالح في محاضرة كان قد قدمها في الدوحة عام 1996، وقلت له: للغريب حضور كبير في أعمالك، كما أبطال رواياتك غرباء، هل لهذا الأمر علاقة بالغريب الحكيم أو الغريب الواحد الذي تحدثنا كتب التاريخ عنه وعن دوره في تطور السودان الفكري والسياسي، خاصة وأنه هو الذي أسس الممالك الإسلامية.. وقد أشار بعض النقاد لذلك، ومنهم على سبيل المثال، لا الحصر، عبد الرحمن الخانجي، في دراسته التي صدرت بعنوان: قراءة جديدة في روايات الطيب صالح. فأجاب الطيب صالح: نعم أبطالي هم غرباء وافدون وحكماء، وقد أخذتهم من تاريخ السودان ومن المواقع التي أشرت له ا.. فالاحتفاء بالغريب أمر له جذور في تاريخ السودان، مما يحتم علينا العمل من أجل تحرير الخيال والتصورات.

إن الاحتفاء بمشروع محمد جلال أحمد هاشم، والذي بدأ متأخراً من بعض الشرفاء والنبلاء، ولكنه الآن في توسع مستمر، يُعبر عن الاعتراف بصحة ما ظل يطرحه محمد جلال بشأن العديد من القضايا منذ ثمانيات القرن الماضي. والحق أننا عندما نتفحص ما كتبه محمد جلال خلال العقود الأربعة الماضية، مقروناً بما آل إليه حال السودان، من حالة الثورية الشاملة والرغبة القوية في التغيير والتصورات الجديدة لسودان المستقبل، فإننا ندرك بأن محمد جلال أحمد هاشم هو ذلك المفكر الذي عناه معاوية محمد نور (1909 – 1941). فقد قدم معاوية نور تعريفاً للمفكر في العام 1929، وهو يستعرض كتاب: فن التفكير The Art of Thinking الذي وضعه باللغة الإنكليزية عام 1929 الفيلسوف الفرنسي إرنست دمنت Ernest Dimnet (عاش ما بين 1866 إلى 1954)، عندما أجاب، ضمن استعراضه، عن السؤال الآتي: ما هو المفكر؟ فقد كتب معاوية، قائلاً: المفكر هو الذي “يرى حيثما لا يرى الآخرون، والذي لا تقع عينه على خلاف ما تقع عليه الأعين، غير أنه يرى فيها ما لا يراه بقية الناظرين” . وفي تقديري أننا في السودان إن أردنا تحسس مسار حركة التنوير والوعي بالذاتية السودانية وقياس مستواها ودراسة توجهاتها نحو سودان المستقبل فعلينا قراءة كتابات محمد جلال أحمد هاشم والاستماع إلى أحاديثه.  فقد تنبأ محمد جلال منذ عام 1983 مستخدماً منهج التحليل الثقافي، بأن الحرب في السودان، ليست هي حرب الجنوب ضد الشمال، بموجب التمفصل الخطي، وإنما هي حرب الهامش ضد المركز بموجب التمفصل الدائري. وتنبأ بانتشارها وبفشلها كذلك في “تحقيق النصر المنشود وتفكيك بنية المركز طالما ظلت الحلقة مفتوحة لم تستغلق بعد، أي طالما استمر تقاعس الوسط والشمال النيلي عن اللحاق بركب قوى الهامش وهي الحالة الراهنة التي نعيشها جميعاً اليوم” (ص 115 – 116). وهنا يقفز قول الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي (1891 – 1937): “لا تنجح الثورة في تحقيق أهدافها وتثبيت وجودها عبر ضرب رأس الدولة، إنما يتوجب على الثوار تفكيك المجتمع السياسي الذي هو جوهر الهيمنة والقائد الفعلي” (أماني السنوار، 2017). وهنا نلاحظ التوافق في النتيجة عند كل من محمد جلال وغرامشي، مع الاخلاف في المنهج المستخدم في التحليل. فالنصر المنشود عند محمد جلال، وبتوظيف منهج التحليل الثقافي، يكون بتفكيك بنية المركز، الذي هو محتكر السلطة والثروة، والمُؤمِّن لمصالحه بتسخير الثقافة والعرق والدين والجغرافيا، بينما يكون نجاح الثورة عند غرامشي بتفكيك المجتمع السياسي الذي هو جوهر الهيمنة والقائد الفعلي.

الدولة القديمة ومصير السكان الأصليين ومشروع محمد جلال هاشم

كان محمد جلال أحمد هاشم من الذين أعلنوا منذ ثمانينات القرن الماضي، المواجهة لإرث الدولة السودانية، الدولة القديمة منذ الاستقلال عام 1956، ناقداً برؤية ثاقبة ومنهج علمي، وباستمرار، لإرثها ومسارها، وعاملاً من أجل التأسيس للبديل. والحق أننا في السودان، كمجموعات وثقافات، لا نزال في مرحلة تعارف، وليس هناك سودان متفق عليه، وإنما جميعنا يبحث عن السودان. والبحث عن السودان لا يكون بالتمني والأحلام، وإنما يكون بالعمل، والعمل ثم العمل، على النحو الذي يقوم به محمد جلال هاشم. فالمسار الذي اخطته القادة والسياسيون والأحزاب السياسية السودانية، ولا يزال ماثلاً، يصادم تركيبة السودان الوجدانية، ويناقض مكوناته الثقافية، ويناطح إرثه الحضاري. بل مثَّل ذلك المسار حرباً مستمرة على التعدد الثقافي الذي ينعم به السودان. إذ لم ينتج عنه سوى اغتراب السودان عن ذاته وتعميق انبتاته عن نسبه الحضاري، فضلاً عن تعاليه على محيطه الأفريقي، وفوق كل ذلك أدى إلى استمرار التهميش والاقصاء والحرمان والاحتقار للسكان الأصليين ولثقافاتهم، بل استمرار قتلهم. وفي تقديري، أن المصير الذي كان ينتظر السكان الأصليين في السودان، في ظل مسار الدولة القديمة، دولة ما بعد الاستعمار، وتوجهاتها وسياستها وفكر قادتها وجل أحزابها، هو مصير السكان الأصليين في أستراليا (aborigines)، وكذلك في الولايات المتحدة وكندا، لولا أن هناك من فدى هذه الشعوب. وفي تقديري كان محمود محمد طه بمشروعه الفكري ومن خلال مواقفه هو الفادي. فالمفاضلة بين الناس عنده تكون بالعقل والأخلاق وليس بالعنصر أو العقيدة أو اللون أو الجنس. كما أعلن باكراً بأننا أمة أفريقية، وأن ‘السودان بلد أفريقي’ .. بل الحقيقة عمله كبلد أفريقي أعظم من عمله كبلد عربي”. ودعا منذ خمسينات القرن الماضي إلى السير بالسودان وبكل وضوح في طريق الحكم الذاتي لجميع مناطق وأقاليم السودان، ذلك لأن “اختلاف هذه المناطق يجعل التشريع المركزي الموحد غير صالح لإدارتها”. كما دعا إلى احترام اللغات المحلية و”عدم فرض اللغة العربية”، وإنما يجب تعليم  أهل الأقاليم بلغات أمهاتهم، قائلاً: “الناس يعلموهم بألسنة أمهاتهم” (للمزيد، انظر عبدالله الفكي البشير، 2021). كما ظل رافضا للدستور الإسلامي، ووسمه بالمزيف، كما أن الشريعة الإسلامية التي ظلت الأحزاب السودانية تدعو لها، هي عنده لا تكفل حقوق المواطنين غير المسلمين، بل هي تستهدف الضعفاء وتهمش غير المسلم وتجعله مواطناً من الدرجة الثانية. وظل مناهضاً لها بصلابة وشدة مراس، حتى يوم تجسيده لمعارفه على منصة الإعدام يوم الجمعة 18 يناير عام 1985. وقد ظلت أفكار محمود محمد طه حاضرة عند المحطات الوطنية الكبرى، محطات بناء السلام، مثل اتفاقية 1972 واتفاقية 2005، كما أخبرنا بذلك منصور خالد (1931 – 2020)، وهو أحد المشاركين فيها. كتب منصور، قائلاً: “إن ما طرحه الأستاذ محمود في كتابه: أسس دستور السودان لقيام حكومة جمهورية فيدرالية ديموقراطية اشتراكية، الذي نُشر عام 1955، واستهجنه الناس آنذاك، قامت على جوهره اتفاقية أديس أبابا عام 1972، ولم تخرج اتفاقية السلام الشامل [2005] من روحه، وقد جاءت بعد نصف قرن من الزمان” (المرجع السّابق). والدارس لمشروع محمود محمد طه يجد أن السياسيين والمفكرين في السودان وخارجه قد تبنوا أفكاره وسربوها ضمن أعمالهم ونسبوها إليهم دون الاعتراف بفضله أو الإشارة إليه. وقد كان محمد جلال، وهو من الذين جمعتهم بمحمود محمد طه جلسة ذات مضامين ودلالات عظيمة تتعلّق بمشروعه وبمسيرته الفكرية وقد عبر محمد جلال عن ذلك باحترام وتقدير كبيرين في عديد المرات. كان محمد جلال من أوائل الذين أشاروا لذلك التعاطي غير الأمين وغير الشريف من قبل السياسيين والمفكرين ووسمه “بالقرصنة الفكرية”. فقد كتب محمد جلال هاشم (2011)، قائلاً: “تمّ تبنّي أفكاره [أي محمود محمد طه] من قبل المفكّرين المسلمين على امتداد العالم كما من قبل المفكّرين السّودانيّين بوجهٍ خاصّ دونما أيّ اعترافٍ منهم جميعاً بهذا. ويكمن السّخف في هذا أنّ أغلب الذين سلخوا أعمارهم في محاربة أفكاره كانوا أيضاً ضمن من مارسوا هذه القرصنة الفكريّة”. وقد نشرت المقالة باللغة الإنكليزية، وتمّت ترجمة النص أعلاه إلى اللغة العربية بواسطة كاتبه محمد جلال هاشم، بناء على طلب كاتب هذا التقديم.

كذلك كان الحزب الشيوعي السوداني، هو الحزب الوحيد الذي ظل يفدى السكان الأصليين. فقد كان في أطروحاته الفكرية ورؤيته الوطنية، عابراً للثقافات والأديان والإثنيات والأقاليم، وهو الذي بذر بذرة الثورة من أجل الحقوق ورفع المظالم، منذ مؤتمر البجة/ البجة (11 – 13 أكتوبر 1958). فقد ضم الحزب أعضاء من مختلف أنحاء السودان، وقدم مناضلين كباراً وكثراً، منهم، على سبيل المثال، لا الحصر، المناضل جوزيف قرنق (1926 – 1971) المولود في قرية بالقرب من مدينة واو بجنوب السودان، والذي أعدم شهيداً في سبيل الوطن والمبادئ والفكر والإنسانية. وقد رثاه محمد الواثق (1936 – 2014) أستاذ اللغة العربية وآدابها بجامعة الخرطوم، وهو من أوائل المبدعين الذين رثوا مناضلاً جنوبياً، إن لم يكن أولهم، قال الواثق في رثائه لجوزيف قرنق:

صديقي الُمثابر جوزيف قرنقْ

فيا ربِ هلْ

على روحهِ أقرأُ الفاتحة

فقد عدِمَ القبرَ والنائحة

وأُلحِدَ في التُربِ كيفَ اتفقْ

       ***

وكان إذا جاشَ مِواره

تدافعه روحه الثائرة

وصادمت الكونَ أفكاره

وكم أنبت الكونُ من زهرةٍ ناضِرة

فكنتُ إذا تمادتْ به الفكرةُ الجانحة

أشيح إلى مكة القرية الصالحة

أعوذ نفسي بربِ الفلقْ

على أن جوزيف قرنقْ

كما شهدت دمعتي السافحة

جميل المحيا جميل الخُلُقْ

فياربِ هلْ على روحهِ اقرأ الفاتحة

فقد عَدِمَ القبرَ والنائحة

وأُلحِدَ في التربِ كيف اتفقْ

ولن أبرح هذا المحور والذي سعينا فيه لتقديم طرفاً من إنصافنا للحزب الشيوعي السوداني، إلا بعد استدعاء إنصاف محمد جلال هاشم لهذ الحزب. فقد نظر محمد جلال (في مقاله المسوم بعنوان: “الحزب الشّيوعي السّوداني.. الله لا جاب يوم شكرك!”، 2009)، إلى الحزب الشيوعي السوداني باعتباره أحد روافد الحداثة بجانب ثورة اللواء الأبيض ومحمود محمد طه. وقال إن شهيد الوطنيّة الحقّة عبد الخالق محجوب، قاد حزباً إليه يعود الفضل في تدشين الحداثة وفق رؤية حداثويّة ووطنيّة راشدة.. وفصَّل محمد جلال هاشم في إنصافه وأشار لمشروع الحزب الفكري الإنساني الضخم، فكتب، قائلآً: “من المؤكّد أنّ الحزب الشّيوعي السّوداني يقف كحالة ماثلة لتجاوز الزّمن سياسيّاً لمشروع فكري وإنساني ضخم بحجم الماركسيّة. هذا من جانب، إلاّ أنّه، من جانب آخر، بوصفه الحزب الرّائد في تدشين الحداثة، والأضخم إنجازا في مجالها، يقف كحالة نكوصيّة ورجعيّة في بنية الثّقافة السّودانيّة”. فالنّكوص هنا هو الموجة المتصاعدة لاستهداف هذا الحوب، بدلاً من الاعتراف بفضله. ولهذا نراه قد تناول ما تعرض له الحزب من استهداف واتهامات من قبل بينة الثقافة السودانية، فكتب، قائلاً: “فقد ظلّ هذا الحزب يتعرّض للاستهداف طيلة عمره السّنِي الموشّى بلون الدّماء ورائحة الموت، تتناوشه الاتّهامات وتلاحقه النّقمات بالطّعن في عقيدته وإنسانيّته. وقد صمد في وجه هذه العواصف كالطّود الأشمّ، إلاّ أنّ ليل الرّجعيّة، شأنه شأن كلّ الليالي المدلهمّة، قادر على إخفاء الجبال الشّوامخ. إنّ تشريع وجود مثل هذه الحركات تشريعاً ثقافيّاً واجتماعيّاً كاملاً سيظلّ أحد أهمّ المؤشّرات في تنامي الحقوق الإنسانيّة في المجتمعات التّقليديّة التي تسعى لاستشراف الحداثة”. لاشك أن الحزب الشيوعي السوداني قام بدور عظيم في سبيل السودان والإنسان، وكان له دور أعظم في فداء السكان الأصليين في السودان”. ولعلّ من المهمّ أنّ نُشير هنا إلى نصيحة محمّد جلال هاشم للحزب الشّيوعي السّوداني في خطابه المشار إليه بخصوص ضرورة تلافي الفجوة الفكريّة البرامجيّة المتعلّقة بالاقتصاد. فقد نصح محمّد جلال هاشم الحزب الشّيوعي بضرورة إعادة النّظر في الاشتراكيّة كحزمة سياسيّة برامجيّة تقوم على نظام الحزب الواحد، حسبما أُثر عن  تجربة المعسكر الشّرقي. وجاءت نصيحة محمّد جلال هاشم للحزب بأن يتبنّى نظام الاقتصاد التّعاوني باعتباره الوصفة البرامجيّة للاشتراكيّة. واليوم، تحمل الأنباء أنّ الحزب الشّيوعي السّوداني قد تبنّى فعلاً نمط الاقتصاد التّعاوني. وهذا يعكس لنا روحاً راقية في مجال التّكامل الفكري المأمول فيه أن يتطوّر إلى تكامل سياسي في المستقبل وذلك في سبيل بناء الكتلة التّاريخيّة التي من شأنها أن تحقّق مشروع السّودان الجديد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق