آراء

كوكاسيات

عبد العزيز كوكاس

السوق السياسي بالمغرب: مروضو قرود، قارئو الفال، نصّابون وحلايقية 2/2

تختلط الأصوات المرتفعة عبر مكبرات الصوت مع كل حملة انتخابية كما في كل سوق أسبوعي، وهي تعرض: دواء البرغوث والعقارب وسراق الزيت، يكررها صاحبها بغباء ويصاب بالتعب كلما تقدم النهار، صوت البراح يُشيع في الناس أوامر السلطة ونواهيها: “ما تسمعوا إلا كلام الخير”، مع العلم أن ما يأتي بعد هذه العبارة لا يكون خيرا أبدا.

في مدخل السوق هناك شخص لا يسهو ولا يغفو، هو أول من يفتتح السوق وآخرُ من يكتب نهايته، إنه “صاحب الصنك”، محصل الضرائب الضرورية لولوج السوق، وهناك المقدمين أو الشيوخ الذين قد ينزوون في خيمة لشرب الشاي وتقرقيب الناب ومعرفة ما يروج من أخبار ليملأوا بها تقاريرهم اليومية التي تنتعش كل أسبوع، لأن السوق هو مجال لاستهلاك وتداول الأخبار والإشاعات.. قرب السور المحيط بالسوق ترسو العربات والدواب من كل صنف وترتفع الروائح الكريهة التي تذكرني بتلك المراحيض الجماعية التي كانت في الأحياء الشعبية زمن السبعينيات..

وكما في السوق تماما تجد في مشهدنا السياسي كل أنواع الحرف: عطارون، خضارون، حدادون، نجارون، بقالون، “شفانجية”، “حلايقية”، “فنانة” من كل صنف، نشالون، طباخون، جزارون.. ومتسوقون من كل الطبقات الاجتماعية و”النفسية”، نساء ورجال، شباب وأطفال وشيوخ، خماسون ورباعون، رعاة وإقطاعيون، أسياد وعبيد، محرومون وغانمون، سعداء وتعساء، مؤمنون ومجرمون، دهاة وسذج.. إنه الجمهور المغربي بكافة أطيافه الذي لا ينال من كل أشكال الفرجة المعروضة في السوق إلا أوهام الشعارات. 

من الشروط الأساسية في أي سوق عربي: غياب الثقة، فالبائع لا يثق بالشاري، والشاري لا يثق في البائع، المكر والخداع والتحايل، النشل والنصب.. في كل مكان من هذا السوق، قبل أن يغادر الزوج أو الابن المنزل تحذره الزوجة والأم من السرقة والنشل والنصب الذي يحترفه المزيفون والمحتالون على البدو السذج القادمين بحيواناتهم ومنتوجاتهم لبيعها.. فلا ثقة في السوق ألبتة.

في روايتي “ذاكرة الغياب” وصفت السوق الأسبوعي كسوق سياسي ترميزي لصراع السلط واستعراضها بشكل احتفالي، كالأتي “السوق في البادية مهرجان للصور، عيد للحواس كلها: وصف للاشتباكات السرية، ضجيج أصوات الباعة، صفقات مريبة، عقود زواج، بوادر المصالحة، تفاصيل سرية للعشق، شبق صامت يتوارى خلف العيون، الاحتكاك بالمؤخرات، صدفة اللصوص والنشالين الذين تنشط عيونهم في الزحام، المجال الحيوي لتجديد السلطة، فم الإقطاع الشره، أكياس الخضر والفواكه الطرية المهربة لرجال الدرك، كشف الأسرار ومراسيم البوح الجماعي، مطالعة الحظ على الورق، قراءة الطالع على عظمة كتف خروف، أسرار نسائية، زوج عنّين أو غيرة فاضحة.. قبة الولي الصالح حيث يأتي الكسحاء والمعتوهون وذوو الحظ المنكود من كل فج عميق، زمن بطيء كالموت، فقد قاس تبرز آثار ندوبه على المحاجر والشفاه.. توابل متراكمة كالتلال، مواد غذائية يعلوها الغبار والذباب، علب الصابون والشاي والسكر التي فقدت ألوانها لفرط ما احتملت من أشعة الشمس ورذاذ المطر.. شيوخ طاعنون في السن يجرجرون معهم الخيبة والآهات المكبوتة، حواة ورواة وفكاهيون، أطفال شاحبون، طالب معاشو: “بلاك، بلاك”، أدعية المتسولين، تهارش كلاب جائعة قرب المجزرة، قذارة وبول، شتائم وملاسنات، شبكة سرية للترابطات القبلية…”

هل بدا لكم وصفي مقنعا؟ أترك لكم حرية تتبع كل معروضاتنا في المشهد السياسي ووضعها في المكان المناسب لها من السوق الأسبوعي، لتروا النتيجة بأنفسكم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق