ثقافة وفن

مدن المدائن

" بناصا الأثرية التحفة النادرة على ضفاف نهر سبو"

محمد هريدة

يعد التراث بمثابة الذاكرة الإنسانية المتطورة عبر التاريخ البشري، وتحمل في طياتها رونق الحضارة، باعتبارها سمة من سمات الماضي، وتؤرخ لنا فترات غابرة في الزمن السحيق، ولعلى إحدى هذه البلورة المشعة من عبق التاريخ القديم، التي لازالت تصمد شامخة بكل تفاصيلها الثابتة والمتحولة، انها جوهرة الغرب ” موقع بناصا الأثري”.

تنفرد منطقة الغرب ” الازغار” بمجال استراتيجي على المستوى الجغرافي، مما جعلها منطقة جذب واستقطاب واستقرار، بسب العوامل المحفزة وطبيعة المجال وبنيوية الموقع وقدم التكوين الجيولوجي، الذي جعل من المنطقة وجهة دينامية متجددة، توفرها على كل الاشكال الطبوغرافية، التي ساهمت في غنى المجال، ندرة التنوع الجيولوجي والمناخي وتنوع الغطاء النباتي وتربة خصبة التي تشكل مشتلا لكل الزراعات والنباتات والأشجار، اما على المستوى المائي أدى تعدد المحاور المائية أبرزها واد سبو النهر العظيم، لتصبح بذلك رقعة تحفظ سرا خالدا عبر التاريخ البشري.

يتواجد الموقع الأثري بناصا، المعروف باسم ” سيدي علي بوجنون” بجماعة سيدي الكامل التابعة لإقليم سيدي قاسم على بعد 17 كلم جنوب مدينة مشرع بلقصيري، و65 كلم شمال مدينة القنيطرة، حيث تتموضع على الضفة اليسرى لنهر سبو، وهو موقع أثري يعود، حسب المؤرخين، من الفترة المورية- الرومانية، التي ترجع إلى القرن السادس قبل الميلاد.

وكشفت الأبحاث الأثرية الاركيولوجية القديمة، التي أجريت بالموقع، عن وجود أدوات التي تم صقلها بواسطة حجر الصوان، والتي تبرز عن أقدم استيطان بالمنطقة الأثرية ويرجع الى فترة ما قبل التاريخ.

موقع بناصا ” المستوطنة … الرومانية بمنطقة الغرب ”

تعد بناصا المستوطنة الرومانية، التي أقامها الإمبراطور الروماني أوكتافيوس في موريتانيا الغربية، حيث يرجع مدلول الاسم الى جذوره المحلية، فقد ورد إسمها في العديد من المصادر القديمة وفي إشارات محدودة، فقد حددها بلينوس الشيخ على بعد خمس وسبعين ميلا من ليكسوس ووطنها بطليموس بين °30 -7 و20- 34°, وترد في الدليل الانطونيني.

حدد الدارسون تاريخ المدينة بين الفترة المورية والفترة الرومانية، فقد كان الاعتقاد السائد قبل منتصف القرن العشرين أن موقع بناصا لم يعرف استقرارا سابقا عن الوجود الروماني، غير أن عددا من الاستبارات أكدت عكس هذه الأطروحة، وتبقى المعلومات المتحصل عليها عن هذا الموقع، منحصرة عن الفترة المورية، في نتائج الاستبارات خلال نهاية الخمسينات من القرن العشرين ما بين سنة 1955 و1956، تؤكد على أنه يعود للقرن السادس قبل الميلاد.

وتتخذ مستوطنة بناصا شكلا طوليا من الشمال إلى الجنوب، حيث أغلب المباني متركزة على الواجهة الغربية للكاردو الرئيسي، ويبرز التخطيط ان شكل المدينة مستطيل ذات شوارع متوازنة ومتقاطعة بجوانبها الأربعة، تحتوي المدينة على المباني العمومية والتي تتكون من الساحة العمومية (الفوروم) التي تعتبر القلب النابض، وهي عبارة عن ساحة مستطيلة ( 38م و 34 م ) تختص بالتوسع من الجهة  الشمالية الشرقية، محصنة بنظام الأبواب ويفترض انها كانت تقفل ليلا، وتتميز الكورية Curie الذي يتخذ شكلا مستطيلا، مع لمسة من البازيليك ملحقين يكملان الساحة العمومية (الفوروم) وهي عبارة عن قاعة مخصصة لاجتماعات المجلس البلدي، بمتداد البازيليك على الواجهة الشمالية وتصل مساحته 941,06 مربع تنفتح على الواجهة بفتحة واسعة وعلى رأسها معبد، لأن كل مدينة حسب اعتقادهم محروسة وتحت حماية الآلهة .

وتختص بناصا بحماماتها التي تعود فترات ضاربة في القدم، حيث كشفت الحفريات عن أربع حمامات عمومية تتركز كلها في الجهة الغربية، إضافة إلى حمامات خصوصية بجانب الفوروم وأخرى في الحي الجنوبي، كما توجد خلف الموقع المباني الخصوصية ومنها منازل ذات باحات معمدة وأخرى تتخذ أشكالا تختلف حسب المساحة.

ضمت بناصا شمال الساحة العمومية، أربع وحدات سكنية متفاوتة الحجم تحف بها أربعة شوارع رئيسية بالنظر لشكلها يمكن أن تدخل ضمن ما سمي بالمنازل ذات الممر الوسط، وأخيرا تضم بناصا منازل عبارة عن بناية ذات شكل مربع لواجهاتها الخارجية، تحتوي على مايشبه ” ابراج” يصعب تحديد وظيفتها. اجمالا تعد بناصا بمنطقة الغرب المعلمة التاريخية، التي تشهد على تاريخ أجدادنا مند عهد الموريين والرومان، والتي أفرزت تلاقح حضاري وثراتي وعمراني، وبالتالي اختزلت كل الروابط الإنسانية وبين اهم الحضارات التي تعاقبت على بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط، وشكلت مجرى دم بين كل الاطياف والعناصر الاجتماعية، من الأمازيغ والعرب والأفارقة والأوربيين، وميدانا خصبا لاحتضان تراكمات التراث الإنساني .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق