سياسة

شد الأطراف يضعف الوسط

مهندس: عمر البكري أبو حراز

ما حدث في تشاد من تمرد قبلي بدأ في شمالها قبل أكثر من عام حتى أفضى إلى مقتل الرئيس إدريس دبي الأسبوع الماضي، مهما اختلفت رؤى المحللين لكن كان للرئيس دبي دور مهم في أفريقيا خاصة في حلفه مع فرنسا التي ما زال لها أثر في حكم كثير من دول أفريقيا التي كانت تستعمرها وما زالت لها أهداف اقتصادية خاصة في مجال المعادن في أجزاء كثيرة من أفريقيا ومن بينها السودان، الذي عملت فيه فرنسا في تعدين واستخراج الذهب لسنوات طويلة في سرية كبيرة كانت جزءاً من فساد النظام المباد غير المسبوق.

كان دبي في حكمه تشاد قوياً ممسكاً بخيوط الحكم ولكن في السنوات الأخيرة ظهرت معارضة طابعها عنصري، خاصة من القبائل العربية والقرعانية التي كانت مساندة لحكم حسين حبري الذي أطاح به قائد جيشه وأمين سره الرئيس الراحل إدريس دبي.

أتوقع أن تشهد دولة تشاد فترة جديدة من عدم الاستقرار خاصة بعد طريقة تحول الحكم بعد وفاة إدريس دبي، وتكوين مجلس عسكري انتقالي في ساعات قليلة وتعيين نجله محمد كاكا رئيساً للمجلس وليس رئيساً لتشاد، وتعطيل الدستور وفرض حظر التجوال وقفل الحدود، كلها إشارات انقلاب كان مخططاً له مما يثير غباراً كثيفاً على الرواية الصحيحة حول مقتل إدريس دبي.. فرنسا لم تتحرك كما كانت تفعل في حماية دبي خاصة بعد تحرك قوات المعارضة من الحدود الليبية على بعد أكثر من ألف كلم وتوغلها إلى حوالي 200 كلم عن العاصمة، لم تقم فرنسا بأي دعم عسكري أو استخباراتي يساعد إدريس دبي في تقدير الموقف قبل سفره إلى مناطق العمليات التي قتل فيها، المعارضة التشادية المسلحة أعلنت رفضها تكوين مجلس عسكري وتعيين ابن إدريس دبي رئيساً له، واصفة الخطوة بعملية التوريث والانقلاب وتجاهل الدستور، لذلك قررت مواصلة الزحف نحو العاصمة إنجمينا.

واضح جداً أن هناك أياد خارجية أوروبية أو ربما عربية وراء التطورات في تشاد، علماً بأن منطقة تشاد وما جاورها من دول بما فيها السودان تعاني من هشاشة الحكم وضعف الاقتصاد، وتواجد الحركات المتطرفة الإسلامية مثل داعش وبوكو حرام، لذلك لن يستقر الحال في تشاد وسوف يشهد السودان هجرة ونزوحاً عكسياً، إذ نزحت أيام الإنقاذ قبائل ومواطنين من شمال ووسط وغرب دارفور إلى تشاد عندما اشتدت المعارك بين الحركات المسلحة والقوات المسلحة والدعم السريع، الآن يتوقع هجرة مسلحة خطيرة من فصائل تشادية ومواطنين تشاديين مسلحين إلى عمق دارفور، خاصة منطقة الجنينة الجريحة.

هذا النزوح المتوقع سوف يعيد إقليم دارفور إلى المربع الأول إذا لم تولي القيادة العسكرية المشاركة في الحكم الانتقالي أهمية قصوى، وتحسُب ورصد استخباراتي وتعزيزات كبيرة من القوات المسلحة.

ما سيحدث في غرب البلاد في دارفور وما هو حادث الآن من توتر وحشود عسكرية على الحدود الشرقية سوف يجعل السودان مشدوداً من الأطراف، وكما هو معلوم الشد من الأطراف يؤثر على الوسط ويجعله رقيقاً (رهيفاً) يؤثر على سلامة السودان واستقراره.

عليه ونحن نستشرف مؤتمراً دولياً بعد ثلاثة أسابيع في باريس لمساعدة السودان اقتصادياً هو مؤتمر باريس، الذي من المتوقع أن يُصدر توصيات غاية في الأهمية مثل إعفاء ديون السودان، تقديم قروض ومنح كبيرة، تشجيع الدول الغربية على الاستثمار في السودان. سوف يصدر توصيات فقط لذلك أقول للمشفقين والمتحمسين والقائلين عبر الميديا أن مشكلة السودان الاقتصادية سوف تُحل الشهر القادم من باريس- أقول لهم على رسلكم- أي تمهلوا ولا ترفعوا سقف طموحات الشعب السوداني إلى مستوى عال غير واقعي، حتى لا يصاب بإحباط إذ أن كل ما يصدر من مؤتمر سيكون مشروطاً بالاستقرار في الحكم الانتقالي، وقناعة المكون العسكري في الحكم بالتحول الديمقراطي والحكم المدني المستدام، ثم اتفاق مكونات الحكم في مجلس الوزراء والمجلس السيادي ومجلس الشركاء، ضرورة إكمال مؤسسات الحكم الانتقالي المتمثلة في المجلس التشريعي، المحكمة الدستورية، تكوين النقابات المهنية وفق قانون جديد، إكمال خلق جيش قومي واحد بتسريح قوات الدعم السريع وقوات الحركات المسلحة وضمها للقوات المسلحة السودانية القومية خلال شهور قليلة، أيضاً يطالب المانحون والدول المهتمة بالشأن السوداني مثل أمريكا بحكومة قوية متماسكة ومتفقة على أهداف عليا تسعى المجموعة الدولية لتحقيقها، وهي سياسة خارجية موالية للغرب أهمها التطبيع مع إسرائيل ومعالجة مشاكل وعقبات الاستثمار الزراعي، الحيواني، المعدني، وذلك بإزالة كل التشوهات ونزاعات الأراضي بين المواطنين والمستثمرين وفرض هيبة الدولة.

الذي يدعو للتفاؤل أن البعثة الأممية برئاسة فولكر الألماني تعمل في صمت ووفق خطة محسوبة بدقة ومتماسكة لتحقيق الجو المساعد والمشجع للتدخل الدولي في الاستثمار، وخلق سودان قوي اقتصادياً وعسكرياً حتى يقوم بدور الحماية وفرض الأمن والسلم الإقليمي والدولي من السودان بواسطة الأجهزة الأمريكية الاستخباراتية العسكرية.

لكل ما تقدم يجب أن ينعكس ما سيحدث في تشاد إيجاباً على علاقتنا مع أثيوبيا، إذ يجب العمل الفوري على إزالة الاحتقان والتوتر معها بسبب سد النهضة وأراضي الفشقة، أثيوبيا منذ الإطاحة بنظام منقستو تسعى لأن تكون علاقاتها بالسودان طيبة، ساءت مرة واحدة عام 1995 في ضلوع حكم البشير والإنقاذ في عملية اغتيال حسني مبارك الفاشلة في إديس أبابا، ملس زيناوي كان كثير الحديث عن فوائد سد النهضة للسودان، أبى أحمد شارك بقوة في الاحتفاء بالثورة وقدم دعماً كبيراً في وساطة مستمرة إيجابية أدت إلى الإعلان الدستوري وبداية الحكم الانتقالي، لذلك يجب الجلوس الفوري مع أثيوبيا لحلحلة مسألة السد والفشقة في مباحثات ثنائية لأن جزءاً كبيراً من النقاش لا يعني مصر ولا يهمها وهو مسألة الفشقة، الربط بين مشروع السد وفائدة السودان منه في الكهرباء وربطها بفائدة أثيوبيا في الزراعة في منطقة الفشقة كأراض سودانية تؤجر لمزارعين أثيوبيين بأي صيغة استثمارية سوف يحل المشكلة والأزمة، إذ سترتبط مصالح سودانية بكهرباء السد ومصالح أثيوبية بأراضي السودان الزراعية، المصالح المشتركة دائماً ترياق حل الأزمات والتوترات.

السودان لا ولن يحتمل الشد من طرفية في الشرق والغرب في آن واحد، على الأقل الآن نملك أن نبطل الشد من الشرق لأننا خبرنا كل أبعاده، ولأن علاقتنا مع أثيوبيا تاريخية وعرقية (أكثر شعب يشبه شعب السودان هو الأثيوبي والإريتري) ومفاتيح إبطال مفعول الأزمة في أيدينا، أما ما سوف يحدث في غرب السودان في دارفور فهو في علم الغيب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق