ثقافة وفن

الإسلام والحداثة (2)

إسلام المؤسسة أم إسلام الرسالة؟

إبراهيم مشارة

كثيرون يعلقون مشاكل العالم العربي والإسلامي على الاستعمار وهذا خطأ بين فالاستعمار كان نتيجة ولم يكن سببا إن ضعف المسلمين وعدم مشروعية نظامهم السياسي ومصادرة الإسلام الثوري الرسالي لصالح الإسلام المؤسساتي هي التي أوصلتهم إلى الضعف والوهن حتى حاق بهم ما حاق ومن ويلات الاستعمار.

إن ما يدمي القلب مثلا تلك المقولة التي رددها الشيخ محمد عبده بعد عودته من رحلة إلى أوروبا قال:”في أوروبا وجدت مسلمين بلا إسلام وعندنا وجدت مسلمين بلا إسلام” ماذا يعني ذلك؟ إنه لا يعني الطقوس فهي موجودة والمؤسسات الدينية قائمة ولكن الغائب روح الإسلام الحرية والعدالة والمساواة.

نحن شعوب متدينة جدا ولكن فاسدة جدا إنه الدين المؤسساتي حيث يعتقد الواحد أن الخلاص يكون بالتوبة والإقلاع عن المعاصي في مرحلة متقدمة بعد كوارث يأتيها – ونحن لا نغض من هذا المبدأ القرآني- ولكن ننوه إلى كيفية تحويره وتزييفه، ماذا تعني التوبة بغير رد المظالم؟ وما جدوى توبة حكام نهبوا شعوبهم وأخروها قرونا؟ كيف يردون المظالم؟ هل في إمكانهم استعادة الزمن للإصلاح؟ إن العربي المسلم اليوم مثلا يعيش حالة فصامية إنه منقسم منشطر، نفس أمارة بالسوء وغرائز ترجو الإشباع وضرورات طبيعية لاستمرار الحياة لا تجد الإشباع إلا في بيئة فاسدة إقطاعية غابت فيها العدالة الاجتماعية والحرية والكرامة التي بذلها الخالق لعباده، وأجور زهيدة تبقي السواد الأعظم فقراء والعجيب في عالم عربي وإسلامي هو من أغنى المناطق بالثروات الطبيعية، ماذا يعني أن تحاسب فتاة فقيرة لا تجد عملا إلا ببذل جسدها أو تحدثها عن العفة والشرف؟ وأجير تحدثه عن الصدق، يتعلم فنون الكذب والاحتيال والهروب من الدائنين من أجل المعاش؟ وشاب آخر يكفر بكل القيم؟ فهو لا يجد عملا يحفظ كرامته في حين يسمع عن الحاكم الفلاني الذي أنفق في زفاف ابنه أو ابنته ملايين الدولارات ويمر عليه شاب ابن مسؤول أو وجيه في سيارة فارهة ولم يعمل شيئا لا هو ولا أولاده لتبرير الثروة التي جنوها ، وملايين العاطلين الفقراء يرون الثروة تتكدس عند من لا يعمل ولا يقدم شيئا للوطن سواء أكانوا من الساسة أم من الإقطاعيين ثم يذهب هؤلاء إلى خطيب يخطب فيهم يوم الجمعة عن فضائل الصبر والتسامح والقناعة ووحدة الأمة الإسلامية وقد قهرتهم الحاجة وأذلهم الجوع وداس على كرامتهم المسؤولون حيث المسؤول هو قارون جديد أو فرعون معاصر والعجيب كلهم يؤدون الشعائر، أو يقدم واعظ كلاما وصفيا رومانسيا عن عدالة الإسلام ووحدة الأمة العربية أو الإسلامية في حين يعلم الإسلام أن الوحدة لا تتم إلا بالاقتصاد وليس باللغة أو الدين وحدهما-فاللغة والدين لا يصنعان لوحدهما وحدة- فالزكاة ركن ولهذا مدلوله فالوجود يهيمن على الوعي والفقر لا يترك فضيلة ولا محمدة ، أو يقص من وحي كتبه الصفراء أقاصيص قديمة استهلكت لفرط استعمالها، مع أن الجمعة منبر للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا معروف أهم من تكريس الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية وهذا هو الأصل في اجتماع المسلمين يوم الجمعة. تقول الكاتبة فاطمة المرنيسي:” لقد كانت خطبة الجمعة إذن تفرض على الخليفة أن يكرس قدرته على التواصل مباشرة مع الجماعة وأن يخبرها بإيجاز ويركز على الأشياء الأساسية ويتحمل مسؤولية ما يقوله “أليس هذا برهانا على مصادرة الإسلام والانزياح في تفسيره وفي تفهيمه للناس ، فمن يتحمل ذلك الوزر أليس رجال الدين ؟ لذا فالتحالف التاريخي بين السياسة والدين لم يبدأ اليوم وإنما يوم تم الالتفاف على الإسلام لصالح الأوليغارشية الأموية ثم العباسية.

لقد ظهر مثقفون مسلمون تنويريون ثوريون دافعوا عن قيم الإسلام فماذا كانت نهاياتهم؟

فآل البيت انتهوا جميعهم مقتولين بدء بالحسين ثم الحسن الذي في ورد رواية أن معاوية سممه حتى يخلو الجو لولده يزيدا فيأخذ له البيعة ووعد زوجة الحسن بالزواج من يزيد إن مات الحسن ونفذت بنت الأشعث بن قيس الذي لعب والدها دورا مشبوها في معسكر علي بن أبي طالب ثم الإمام زيد الذي صلب عاريا ومحمد النفس الزكية وإبراهيم وغيرهم من آل البيت الذي رووا قيم الإسلام بدمائهم الزكية.

وهذا غيلان الدمشقي قتل من قبل هشام بن عبد الملك بتهمة الزندقة في مناظرة مع الأوزاعي وقد كانت مناظرة ظالمة حيث نية القتل مبيتة والسبب التقارب سابقا بين عمر بن عبد العزيز وغيلان ودعوته إلى بيع أملاك الأسر الأموية لأنها مظالم وعدم جواز حكمهم ولا تجب البيعة لهم مما أحفظ هشاما عليه فدبر له مكيدة الزندقة وألصقت به وصدقت العامة الفرية وراح هذا المسكين شهيدا في سجلات التاريخ.

وهذا الجعد بن درهم ذبحه الوالي خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحية أمام المسجد استمالة لعواطف المصلين للدعوة للخليفة ناصر الملة والدين الذي سل سيف الحق المبين على الزنادقة والمرتدين وما كانت تهمته إلا أنه دخل عتبة مظلمة لا مفكر فيها أو مستحيل التفكير فيها، تلك مسألة حرية الإنسان إزاء السلطة القائمة وعدم كونها قدرا مقدرا. وأخير فالإمام العظيم أبو حنيفة النعمان نصير آل البيت والذي بعث بنصيب من المال للإمام زيد لما خرج على الأمويين وكان يسمي الخليفة هشاما “اللص المتغلب” هذا الفقيه المدرك لروح الإسلام والرافض أن يكون واعظ سلطان وقد استقل ماليا فلم يقبل هدايا الخلفاء ولا راتبهم فقد كان يمارس التجارة تكريسا لمبدأ الاستقلالية حتى لا يكون عبدا لأجرة شهرية تدفع له من بيت المال مقابل الولاء فقد كان يقول رحمه الله:”لا تقبلوا شهادة من ليس في بيته طحين” فالجوع كما يقول الإمام علي:” ما ضرب الله عباده بسوط أوجع من الفقر”. هذا الإمام مات سجينا فقد كان معترضا على الخلفاء-الملوك- ويرى عدم شرعية بيعتهم لأنهم متغلبون بالعسف والقوة والمكر لا غير.

لقد دخلت مرة إلى مسجد الإمام الحسين في خان الخليلي ووقفت أمام الضريح -على فرض أنه مدفون هناك بالرأس أو بدون رأس- فما شعرت إلا والدموع تنهمر من عيني، لقد استحضرت جهاد الحسين وثورته ،هذا السبط المحمدي الذي خرج على الأمويين ليسجل- ليس على يزيد وحده – بل على الأمويين جميعا وبني العباس وسائر الحكام عدم مشروعية حكمهم، إن ذلك الخروج الحسيني هو شهادة سرمدية على تحريف الإسلام ومصادرته فلم يكن خروجه انتحارا بل شهادة في أذن الزمان وفي ضمير التاريخ وكان الخطب يحتاج إلى مثل هذه الشهادة لتقول للأجيال إن الإسلام قد صودر ، إنها قيم الإسلام الرسالية العظيمة والتي هي قيم الإنسانية تستحق أن يفتديها سبط من آل محمد بدمه فتكون في الخافقين –المشرق والمغرب- بلون الشفق لتذكر الناس بالشهادة والرسالة والعترة المحمدية .ويا للعجب كان أمام الضريح نسوان وشباب ومرضى وشيوخ وعجائز من ترجو عريسا ومن يرجو شفاء ومن يرجو نجاحا كلهم يتوجه بالدعاء متوجها إلى الحسين أو مستعملا إياه واسطة!الحسين الذي علم الناس معنى الثورة استلهاما من رسالة جده يغدو في إسلام المؤسسة مقاما يبخر ويتوجه إليه بالدعاء وترمى عليه النقود ! ويستمر الدين شهيدا في سجلات التاريخ كما يقول على شريعتي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق