غير مصنف

أرسين لوبين أشهر لصوص القرن العشرين

الأبطال الشعبيون الكبار لا يموتون، ويظلون عالميين. آخر مثال حالي: الشخصية الشهيرة التي ابتكرها موريس لوبلان في بداية القرن العشرين، والتي اعادت معالجتها وانتاج سلسلة تلفزية عنها شركة البث الحي “نتفليكس”، واختراع قصتها بكل حرية، وهويتها وجولاتها…وبرغم بعض الانتقادات، كان النجاح شاملا وبدرجة هائلة، ادى الى الاقبال المكثف على المكتبات.

بعد الخرجات الاعلامية المتكررة حول هذا التحمس الجديد لأرسين لوبين، يجدر بنا العودة الى الاصول من اجل فهم عبقرية هذا الكاتب الفرنسي من خلال شخصيته الكاريزمية وعالمه المتفرد وعمله المطابق للسلسلة التلفزية, لنر المشهد عبر حوار مع أحد عشاق لوبين.

كاتب السيرة الذاتية لموريس لوبلان ومؤلف العديد من الكتب حول ظاهرة أرسين لوبين، يعرف جاك ديروا أكثر من اي شخص اخر عالم اللص الظريف. وقد حاورته هيئة تحرير المجلة (اقرأ=LIRE) حول الكيفية التي عاش وفقها الكاتب مكانته كمؤلف شعبي.

كيف وُلد أرسين لوبين؟

في العام 1904، نشر موريس لوبلان في جريدة “السيارة=L’Auto) حكاية بعنوان “الجِنتلمان”، وكان هذا الجِنتلمان لصّاً للسيارات…لم يكن لوبلان يعرف انه يمسك بشخصية أرسين لوبين, وبالفعل، في العام التالي، أطلق الصحفي المبدع بيير لافيت مجلة جديدة اسمها (أعلم كل شيء=Je sais tout) واستعان بصديقه موريس لوبلان الذي كلفه بكتابة مسلسل شعبي وابتكار شخصية ما. فظهرت حلقة “توقيف أرسين لوبين” في يوليوز 1905. كان النجاح فوريا. ينبغي القول أن بيير لافيت يتوفر على عبقرية تجارية نادرة؛ فمنذ العام 1907 كان يستخدم الاشهار، وهو شيء لم يكن معمولا به في ذلك الحين. ولم يتم شيوعه بالنسبة للكتب الا بعد  حرب 1914-1918 من طرف الناشر برنارد غراسي.

لماذا يتعلق الامر بلص بدل محقق؟

في تلك الفترة كان اللص حدثا اجتماعيا جديدا وموضوع أحاديث الناس؛ إنها الفترة الجميلة، فترة انتشار البورجوازية، ومنازل الأثرياء التي تحتوي على أشياء ثمينة لسرقتها…انتهى زمن عصابات الطريق التي لم يكن بمقدورها اقتحام المنازل المشددة الحراسة. وفي بداية القرن العشرين، برزت ظواهر جديدة: استخدام الشيكات، الشقق الفارغة…تنامت عمليات السطو بشكل كبير.

من أين جاء اسم أرسين لوبين؟

لقد تأثر على الأرجح موريس لوبلان، دون وعي منه، بمستشار جماع يدعى “أرسين لوبين”، عمل تغييرا خفيفا في كتابة الاسم من Lopin إلى Lupin.

هذه الشخصية، هل كانت فعلا موجودة؟

هذا السؤال قد يؤدي الى التشويش على القراء المتابعين للعمل. تجري الامور كما لو كانت الشخصية موجودة فعلا في الواقع. بل لقد نجح فرانسيس لاكاسان في اخراج سيرة ذاتية لأرسين لوبين: مما نعرفه انه وُلد في العام 1874، في قرية بلوا. وهنا تجلت عبقرية لوبلان الذي نجح في جعل الناس يعتقدون أنّ أرسين لوبين كان موجودا في الواقع، اعتبارا أنّ مغامراته الأولى، التي نشرت على شكل قصص قصيرة، تم التقديم لها على انه لم يكن من الممكن سردها على جمهور القراء الا بفضل ما أسرّ به أرسين لوبين شخصيا إلى موريس لوبلان !…

من كان فعلا موريس لوبلان؟

لقد تغير كثيرا موريس لوبلان خلال سبعين سنة. كان في شبابه يحب الرياضة بشغف، والمغامرات والاسفار. ثم جاءت حرب 14-18 فصار سيّدا بعادات منتظمة، يعيش حياة هادئة. لقد تبع تطور زمانه: فبعد أن تعاطف مع التيار اللاسلطوي (الاناركي) العنيف في البداية، صار بورجوازيا، شأنه شأن كتّاب آخرين، أمثال مالارمي، موريس باريس…لكن كانت لديه سمة ثابتة: التكتّم. لقد تفاجأ بنجاح مغامرات أرسين لوبين ولم يفسّر ذلك أبدا وظل مندهشا، غير أنّه عاش رغم ذلك في ظل صنيعته تلك. وكان علينا انتظار أواخر حياته لكي يشعر بشيء من الاعتزاز: كان لا يمر أسبوع واحد دون أن يطلب منه حقوق إعادة النشر، أو الترجمة أو التصرف في العمل. فكان مضطرا للإقرار أنه ابتكر فعلا عملا ذا قيمة معينة.

ما هو تأثير كبار تلك الفترة (من منطقة النورماندي)، فلوبير وموباسان؟

كان هائلا؛ فقد وُلد فلوبير بمدينة روين، مثله، وعرف في شبابه اصداء مبدع “مدام بوفاري”. وجعل لوبلان الناس يعتقدون أنه كان يعرفه. وكانت تلك دعاية حسنة، فدخول عالم الآداب بهذا الاحتضان لن يكون من شأنه إلا الدفع به. لكن الحقيقة مغايرة تماما…فلم يكن يبلغ من العمر الا خمس عشرة سنة عندما توفي فلوبير. أما عن موباسان، فقد ادعى لوبلان أنّ هذا الأخير ساعده، لكن هذا غير مرجح…

كيف عاش موريس لوبلان نجاح أرسين لوبين؟ كان رائعا بالنسبة إليه. لأنه كان يأمل في دخول الأكاديمية الفرنسية، أن يكون الموباسان الجديد، او المعادل لبول بورجي. وقد سعى حتى آخر حياته لكسب الشهرة خارج أرسين لوبين، لكن موريس لوبلان صار لا يعيش الا مع شخصيته. لم يكن من النادر أن يوقع اسم أرسين لوبين في الكتاب الذهبي لاحد المطاعم.

كيف عاش شعبية واشتهار صهره موريس مايترلينك، الحاصل على جائزة نوبل للآداب؟

اعتُبر مايترلينك في حياته كاتبا كلاسيكيا وشاعرا كبيرا. وقد يثير هذا الاستغراب اليوم. شخصيا أجد أنّ كتاباته غير مقروءة كليّا. لكنه كان قريبا من لوبلان الذي كان محط اعجابه وتمنى لو تبادلا الأدوار.

هل تطور أرسين لوبين مع الوقت؟

كان تطور أرسين لوبين يتبع تطور موريس لوبلان، وهكذا نجد في القصص الاولى التعاطف اللاسلطوي للوبلان، لكنه يختفي في الروايات التي كُتبت في الحرب الكبرى حيث صار لوبين نفسه وطنيا وأحيانا مضادا للألمان صراحة. وخصوصا أنّ أرسين لوبين بدأ يتوقف عن أعمال السطو ليصبح محققا.

كيف تفسرون هذا المنعطف؟

تمكن موريس لوبلان، مع أرسين لوبلان، من تحقيق إنجاز بمهارة عالية، لقد نجح في جذب اهتمامنا بحبكة بوليسية مذنبها معروف سلفا. المذنب إنه هو، أرسين لوبين. فأغلب الروايات تعمل بشكل معاكس: تُرتكب الجنحة، فتكمن كل اهمية القصة في البحث عن الجاني. ولم يكن أرسين لوبين ليبقى لصا طول حياته: لم يعد ذلك الشخص الذي يسطو، ولكن ذلك الشخص الذي يبحث عمن ارتكبوا الجرائم، لقد صار المدافع عن الارملة واليتيم. ويطابق ذلك تغيّر العقليات بين الحربين.

هل صار لوبين بورجوازيا مثل لوبلان؟

آه نعم. مع الوقت صار الجِنتلمان اللص نفسه بورجوازيا بما أنه لم يعد يفكر في السطو. وهو متعلق جدا بأملاكه. ففي نهاية قصة ” أسنان النمر”، يتقاعد في ملكيته لزراعة الازهار والاغتنام من ثروته، الى درجة انه في مغامراته الاخيرة، صار شخصية تلجأ اليها الفتيات لتخليصهنّ ممن يلحق بهنّ الأذى.

هل صار أرسين لوبين لاسلطويا؟

نعم، في بداية مسيرته. ارتكب أرسين لوبين عملية السطو الاولى في عمر سبع سنوات. لقد سرق عقد الملكة. كان هؤلاء النبلاء يستغلون والدته دون حياء، والتي كانت تعمل منظفة عندهم. لقد أبان أنه لاسلطوي بما أنه كان يسرق الاغنياء الذين يسيئون معاملة الفقراء… وفي هذا لم يعمل لوبلان سوى على التماشي مع روح عصره المؤيدة للاسلطوية.

فيم هو متأنق؟

كان اللاسلطويون لسنوات 1890-1900 أيضا متأنقين في لباسهم. القبعة العالية الشكل، العصا… قد يفاجأ هذا، لكن في تلك الفترة، كان الموقفان مرتبطان بشكل عميق. وكانت اللاسلطوية وسيلة لتأكيد التفوق على المجتمع. لكن لوبين، الاسلطوي، لم يكن يتعاطف مع الأرستقراطية.

أرسين لوبين، ليس أرستقراطيا؟

لا، بالفعل، أصله عادي، لكنه كان يحلم بإضافة حرف النبالة. عندما يختار لقبا، يكون دائما دون حرف النبالة. ولو عدنا الى التحليل النفسي، سندرك أنّ كل شيء بدأ من الإهانة التي عرفها عندما كان طفلا، حيث عاين تحقير الأسياد لأمة الخادمة. ينبغي ان نضيف أّنّ الاغنياء الذين كان يسطو عليهم لم يكونوا ارستقراطيين حقيقيين، ولكن بارونات دون حروف نبالة، الشيء الذي يجعل لقبهم موضع تساؤل.

أخيرا، لماذا حقق أرسين لوبين أعلى المبيعات؟

أولا، لأن اسلوب موريس لوبلان، وأشدد على هذا، ليبس اسلوب كاتب كلاسيكي شعبي، ولكن أسلوب كاتب كبير. أسلوبه لم تصبه تجاعيد الزمن، إنه دائما بسيط للغاية. يعرف لوبلان كيف يتناول الاساسي، ويعرض الاشياء المعقدة بكل وضوح. حاول الاختبار بنفسك! خذ صفحة من مغامرات أرسين لوبين وحاول كتابة الشي نفسه بسرعة: لن تنجح في ذلك. السبب الثاني: كان موريس لوبلان يتمتع بخيال وابتكار خارقَيْن… هذا المزيج، من الماضي والحداثة، من التاريخ والجغرافيا، من الخوارق والتقدم التقني، مدهش حقا!

(مترجم من طرف مصطفى شقيب  – المغرب … عن مجلة اقرأ “LIRE” في عددها رقم 494. مارس 2021. ص.47-49.).

البستان المسيّج، بمدينة إيتريتا بفرنسا، الذي اشتراه موريس لوبلان سنة 1918، وأقام فيه حتى آخر حياته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق