خارج الحدود

السعودية … تخلع إهاب الوهابية وتتهيأ لطفرة سياسية وإيديولوجية مغايرة!

عبد الله رزق

تتغير المملكة العربية السعودية، فيتغير العالم تبعا لذلك. لا يتعلق الأمر بكم إنتاج النفط وسعر برميله، الذي تتحكم السعودية، كأكبر منتج، في اقداره، كما يستخلص من شواهد وتداعيات حرب أكتوبر عام ١٩٧٣، التي دخل البترول سوحها، كسلاح، لأول مرة. غير أن الأمر، يتصل هذه المرة، بالعالم الإسلامي، ومن ضمنه العربي، وبوعد التغيير العقائدي والسياسي، الذي ينتظره، على الأقل، بفعل الهزات الارتدادية للتغيرات في مركز ثقله، الذي تمثله المملكة العربية السعودية. يشمل هذا الوعد العديد من جماعات الإسلام السياسي، التي ظلت تنظر لتجربة المملكة في ظل هيمنة المذهب الوهابي، كنموذج يجسد مشروعها السياسي، لتطبيق الشريعة والحل الإسلامي لقضايا المجتمعات المعاصرة ومشكلاتها. حيث بات يتعين عليها إعادة دوزنة خطاها على إيقاع “الوسطية والاعتدال”، البديل الافتراضي للغلو والتطرف.

ويبدو أن ما لم يفعله أكثر من مائة مجدد، يفترض تواتر ظهورهم منذ البعثة المحمدية، بمعدل امام لكل قرن، وفق مقولة ذائعة، قد فعله ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في لقاء تلفزيوني عابر، في الرابع من مايو الجاري، غض النظر عما إذا كانت هذه النقلة من وضع الجمود إلى نقيضه، مما يدخل في التجديد، بالمعنى الاصطلاحي للمفردة. فقد ظل التجديد الديني، حسب الدكتور محمد جابر الأنصاري، يمثل تحديا للنهضة والتقدم والتطور في العالم الإسلامي والعربي، بسبب حالة “الجمود العقائدي” المستفحلة، التي تدعم التخلف، وتناوئ التطور، وتناهض التجديد. ويعتبر ابتدار الدولة، للتقدم في هذا المجال، بدلا من المؤسسة الدينية، ألموغلة في المحافظة والجمود، علامة بارزة في هذا التطور. يجدر بالانتباه، أن اخوان السودان، بزعامة الدكتور حسن عبدالله الترابي، الذين اغتصبوا الحكم لثلاثين عاما، متذرعين بأن الله يزع بالسلطان، ما لا يزع بالقران، لم يستطيعوا المضي خطوة واحدة، على طريق تجديد حقيقي وملموس للدين، ولأحكام الشريعة، خاصة، أعمالا لقاعدة أن الله يزع بالسلطان مالم يزع بالقرآن، ، رغم ادعاءاتهم التجديدية، ومزاعمهم الحداثوية. فمقابل اجتهاد ولي العهد السعودي، الذي قد يشمل مراجعة أحكام شرعية، بما فيها الحدود، وفق مراقبين، فإن اخوان السودان، الذين طالما نظروا للعقوبات الحدية كجوهر للإسلام وجماع الشريعة، قد تمحور اجتهادهم طوال ثلاثة عقود في الحكم، حول درء الحدود بالشبهات، اتقاء استثارة الرأي العام العالمي، كما حدث خلال مشاركتهم  في تطبيق الشريعة في ظل  حكم المشير جعفر النميري، أكثر من اجتهادهم في استنباط حكم او تقعيد شرعي للموقف، يؤسس ل”تعليق” أحكام الحدود، وفق اقتراح المستشار محمد سعيد العشماوي في كتابه “أصول الشريعة”، قياسا على تعليق العمل بحد السرقة في عام الرمادة، سواء لعدم ملاءمة البيئة الدولية، أو لخلو السودان من الجرائم الحدية، مثل: الزنا والسرقة الحدية، والحرابة، والردة…

فحسب موقع عربي بوست ” فلقد فجَّر الأمير محمد – مفاجأة مدوية في مقابلة تلفزيونية مع الإعلامي عبد الله المديفر، بحديثه المطول عن الفقه الإسلامي وعلم الحديث، والذي قد يفهم منه أن السعودية ليست ملزمة بالوهابية، كما بدا من كلامه أنه تمهيد للتخلي عن بعض الأحكام التي يعتبرها علماء الوهابية بأنها شرعية. “

ومما جاء في حديثه، والذي يرهص بتخلي المملكة عن مذهب محمد بن عبد الوهاب، قوله: „متى ما ألزمنا أنفسنا بمدرسة معينة أو بعالم معين معناه هو أننا جعلنا من البشر “آلهة”.” واستطرد موضحا:” أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لو خرج من قبره ووجدنا نلتزم بنصوصه ونغلق عقولنا للاجتهاد ونؤلهه أو نضخمه لعارض هذا الشيء، فلا توجد مدرسة ثابتة ولا يوجد شخص ثابت.. “. ان تخلي المملكة العربية السعودية، عن الوهابية، وعن دعم مذهب التشدد حول العالم، والذي يستجيب، ابتداء، لحاجات التطور السياسي للدولة، ومن ثم لمقتضيات علاقاتها بالعالم الخارجي، وفق المتغيرات في المشهد الدولي، سيكون له انعكاساته البعيدة في واقع السلم الاجتماعي، الذي تنشده الكثير من بلدان العالم، المبتلاة بالتطرف والغلو الإسلاموي، والذي يعتقد على نطاق واسع أن جذوره تمتد في المذهب السني، أكثر من تجذره في الشيعي. فهو يمثل خطوة باتجاه تعزيز الحريات الدينية، أحد الملفات الشائكة في العلاقات الأمريكية – السعودية، مثلما يشكل خطوة هامة في ميدان محاربة الإرهاب، بتقويض أساسه الأيديولوجي، الغلو والتطرف الديني.

وقد كان لهذا التشدد، والتطرف الديني، المتصل بالوهابية، أثره في تسخين الحرب الباردة، على جبهة مصر-السعودية، التي انقسم العالم العربي والإسلامي، وتوزع بين خندقيها، خلال ستينيات القرن الماضي. وشاءت الأقدار أن يمتد العمر، بالقيادة الإخواني، محمد قطب، ليشهد من السعودية، صعود وسقوط محمد مرسي أول رئيس اخواني لمصر، وحظر السعودية، في ذات الوقت، تقريبا، لجماعة الإخوان المسلمين، بعد تصنيفها كتنظيم إرهابي. فقد كان للوهابية السعودية دور كبير في دعم ونمو جماعات الإخوان المسلمين، في مصر وفي السودان، وفي غيرهما من البلدان، قبل أن تتطور جماعات أنصار السنة كفروع للمركز الوهابي، وتنتشر بموازاة تنظيمات الإخوان، في المنطقة العربية وشمال وغرب أفريقيا. مثلما كان لها دورها السياسي الملموس، مرة ثانية، على هامش الغزو السوفييتي لأفغانستان، حيث نشأت التنظيمات الجهادية لمحاربة الغزاة السوفييت وأنصارهم من الشيوعيين المحليين، غير أن أبرز التنظيمات التي افرزها الجهاد الأفغاني، هما حركة طالبان، الناشطة – حاليا-في كل من باكستان وأفغانستان، وتنظيم القاعدة، بقيادة أسامة بن لادن، أبرز تجليات ما عرف بظاهرة الأفغان العرب، والتي تجاوز نشاطها فوق – القاري، حدود أفغانستان. ولم تكن “داعش”، التي ظهرت على هامش الحرب في سوريا والعراق، غير نسخة منقحة  ومطورة من تجربة تجييش “الأفغان العرب”.

ويمكن النظر إلى ظهور “القاعدة” على المسرح السياسي، باعتباره الحدث الأهم عالميا، بعد اتهامها بالقيام بهجمات ١١ سبتمبر، وما ترتب عليها من حرب عالمية على الإرهاب ابتدرتها الولايات المتحدة الأمريكية، لازالت مستعرة، في أكثر من مكان، وعلى أكثر من صعيد. فالإرهاب، الذي يتلبس الدين الاسلامي والحرب العالمية على الإرهاب، كان لهما اثرهما العميق، منذ ذلك الوقت، ولازال، في إعادة تشكيل صورة العالم. وفيما تعيش أوروبا، في حالة رعب مستدام من الإرهاب والإرهابيين، فإن قسما كبيرا من القارة الأفريقية، كما هو الحال في بعض أنحاء جنوب شرقي اسيا، قد أصبح مرتهنا، بشكل أو آخر، لسطوة الجماعات المتطرفة واجندتها الجهادية، وحسب تقارير مؤتمرات الاتحاد الأفريقي، فإن تنظيم القاعدة، الذي ينشط، تحت واجهات عديدة، في الصومال، وموزمبيق، ونيجيريا، والنيجر ومالي وبوركينا فاسو، يشكل مهددا جديا للأمن والاستقرار في القارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق