سياسة

محكومان بالجغرافيا والتاريخ

المغرب وإسبانيا ... صداقة حذرة على إيقاع عداوة تاريخية

عبد العالي الطاهري

في سياق ما تعيشه العلاقات المغربية ـ الإسبانية حاليا من أجواء توتر، لم يعشها البلدان منذ نشوب أزمة «جزيرة ليلى/ جزيرة تورة» في يوليوز 2002، فقد مرّت العلاقات بين المغرب وإسبانيا بحقبات عدّة بدءاً من الوجود العربي في الأندلس مروراً باحتلال إسبانيا لشمال المغرب وجنوبه، وصولاً إلى استقلال المغرب واحتفاظ إسبانيا بجيبي سبتة ومليلية المحتلين.، حيث تشهد هذه العلاقات دائما مداً وجزراً ويمكن وصفها بأنها صداقة حذرة تؤدي إلى أزمات ديبلوماسية بين الحين والآخر.

ففي العام 2002، نشبت أزمة حادة بين البلدين بسبب إقدام المغرب على رفع العلم المغربي على جزيرة “ليلى” الصغيرة المحاذية لمضيق جبل طارق والواقعة في المياه الإقليمية المغربية، اعتبرت إسبانبا هذا العمل مستفزاً وبادرت إلى إرسال جنودها إلى الجزيرة وكادت تتطور الأمور إلى حرب بين المملكتين لولا التدخل الأمريكي.

وفي العام 2007، زار العاهل الإسباني السابق خوان كارلوس مدينة سبتة المحتلة، واختار لزيارته تاريخاً يعني الكثير للشعب المغربي وهو 5 و6 نوفمبر، أي تاريخ انطلاق ملحمة «المسيرة الخضراء» المظفرة و استرجاع المغرب لمجمل مناطقه الصحراوية، التي كانت مستعمرة لإسبانيا، لذلك اعتبر المغرب أن الزياره هي استفزاز مقصود.

من الحضارة الأندلسية إلى عهد الاستقلال

حين فتح العرب الأندلس، عام 711، قاد الهجوم القائد المغربي الأمازيغي طارق بن زياد، وفي عهود عدّة، بعد القرن الحادي عشر، كان ملوك الدول التي تعاقبت على حكم الدولة المغربية يضمّون الأندلس إلى ممالكهم كما كان الحال في عهد الدولة المرابطية على سبيل المثال.

لذلك، يرى محللون أن بعض أسباب تأرجح العلاقات بين إسبانيا والمغرب يرجع بالأساس إلى فترة الوجود الإسلامي في الأندلس وطرد العرب والمسلمين بعد ذلك منها في العام 1492، حين خرج العرب من الأندلس، طاردتهم الملكة إيزابيلا حتى السواحل الإفريقية وعززت الوجود الإسباني في المياه المغربية الشمالية بهدف إبقاء السيطرة الإسبانية على حدود بلاد الجار الجنوبي وذلك منعاً لحدوث أيّة “مفاجآت”.

وخلال حقبة الاستعمار، أواخر القرن التاسع عشر، خضعت أجزاء واسعة من الأراضي المغربية للاستعمار الإسباني (شمال وجنوب المغرب)، إذ لم تمرّ هذه المرحلة بهدوء، حيث واجهت إسبانيا مقاومة شرسة في الريف المغربي قادها المقاوم الزعيم عبدالكريم الخطابي وهزم الجيش الإسباني بشكل مُذل في المعركة التاريخية « أنوال » في العام 1921، وهو ما دفع بإسبانيا إلى استعمال السلاح الكيماوي في سلوك صُنِّف بجريمة حرب ضد الإنسانية، حيث يعتبر شمال المغرب من بين المناطق الأولى في العالم التي استخدم فيها هذا السلاح، يقول نشطاء في الحركات الحقوقية المدافعة عن ضحايا حرب الريف المغربي إن المئات قضوا نحبهم، ويتحدثون عن ظهور أمراض خطيرة (أنواع عديدة من مرض السرطان)، وعن تأثر البيئة في الريف من جرّاء هذا السلاح كما يطالبون إسبانيا برد الاعتبار للضحايا وبالكشف عن خبايا هذه الحرب اللاأخلاقية واللاإنسانية.

لم تنسحب إسبانيا من الشمال المغربي قبل العام 1956 وبقيت تسيطر على الصحراء المغربية، التي تعتبر جزءاً أصيلاً من الأراضي المغربية، حتى العام 1975. وإلى الآن، لا تزال تسيطر على جيبٓي سبتة ومليلية المحتلين، وهما بالمناسبة أقدم منطقتين محتلتين في العالم، وتفرض سيطرتهاا عليهما وتعتبرهما أوروبيين رغم أنهما يقعان ترابياً في شمال إفريقيا ما يؤكد الأحقية السيادية للمغرب عليهما.

تعاون على إيقاع الخلافات

بعد شهر من تسلّمه العرش من أبيه خوان كارلوس، اختار العاهل الإسباني الحالي فيليب الثاني أن تكون أولى زياراته لدولة غير أوروبية إلى المغرب.

رغم كل العناصر السلبية والخلافات المتراكمة عبر التاريخ بين البلدين، من المفروض على البلدين الجارين اللذين لا تفصل بينهما جغرافيا سوى مسافة 14 كيلومتر، التعاون في ملفات كثيرة وعلى مستويات عدة.

تقارب المصالح الاقتصادية بين البلدين.

تعتبر إسبانيا ثاني شريك اقتصادي للمغرب بعد فرنسا، وتتلقى 14 في المئة من صادرات المغرب ومعظمها منتجات زراعية، كما يعتبر السوق المغربي الوجهة الإفريقية والعربية الأولى للصادرات الإسبانية. وفي مجال الصيد البحري، تحظى السفن الإسبانية بحصة الأسد من رخص الصيد الممنوحة للأوروبيين في المياه المغربية.

ويشكل ملف الهجرة غير الشرعية أحد الملفات المهمة التي نجحت سلطات البلدين في التنسيق بشأنها والحدّ منها، فموقع المغرب يجعل منه بلداً مناسباً لعبور المهاجرين غير الشرعين، وخاصة أبناء إفريقيا جنوب الصحراء إلى اوروبا. كذلك نجحا في التنسيق في ملفات محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب.

كيف فاقمت استضافة زعيم البوليساريو

الخلاف المغربي- الإسباني؟

استقبال إسبانيا لزعيم البوليساريو لأجل العلاج، ليس سوى التجلي الأبرز لغابة الخلافات بين مدريد والرباط على عدة ملفات، منها على وجه التحديد والخصوص، نزاع الصحراء المغربية وملف الهجرة ورواسب تاريخية تعود لفترة الاستعمار وكذلك وضع مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين.

توتر جديد تعيشه العلاقات بين الرباط ومدريد على خلفية استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو، إبراهيم غالي، لأجل العلاج، حيث استدعت وزارة الخارجية المغربية السفير الإسباني للتعبير عن “عدم الفهم والسخط”، ومدريد أكدت فعليا أن نقل غالي إلى إسبانيا يأتي لـ”دواعٍ إنسانية بحتة من أجل تلقّي علاج طبّي”، وفق ما نقلته وكالة فرانس برس، فيما تشير تقارير إسبانية إلى أن غالي تابع علاجه في مستشفى بمدينة لوغرينيو شمال إسبانيا.

وقد أكدت الخارجية الإسبانية في وقت سابق، أن العلاقات مع المملكة المغربية لن تتأثر بعد هذا التطور، غير أن علاقة الجارين يحكمها الكثير من المد والجزر، لأسباب تاريخية وأخرى اقتصادية أو بسبب اتفاق الهجرة الذي يجمعهما، ومن أكبر الأدلة على ذلك أن قمة الحكومتين بين البلدين التي كانت مقررة في ديسمبر/ كانون الثاني الماضي لم تنعقد لأسباب رسمية، تعود إلى جائحة كورونا، لكن المتتبعين يُدركون أن هناك أسبابا أخرى تعود للتباين الحاصل بين البلدين في العديد من الملفات الحارقة، وفق ما نشرته جملة من التقارير.

وبالنسبة للمغاربة تعدّ إسبانيا دولة محتلة لجزء من ترابهم، وكذلك كان لها دور أساسي في نشوب نزاع الصحراء المغربية، خصوصا في سنواتها الأخيرة بالمنطقة، كما توجد مطالب تاريخية بضرورة اعتذار إسبانيا عن استخدام أسلحة كيماوية خلال حرب الريف.

لكن مع ذلك تبقى العلاقة بين الطرفين مركبة، فإسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب، وهي ثاني بلد في الخارج يحتضن الجالية المغربية، ولديها العديد من الاتفاقيات مع الرباط في مجالات التشغيل والتعاون الأمني والهجرة.

سبتة ومليلية.. جُرح المغاربة الغائر

نهاية العام الماضي، استدعت مدريد السفيرة المغربية لطلب توضيحات، بعد دعوة رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني إلى فتح نقاش حول مدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. إسبانيا ترى أن تصريحات من هذا القبيل تمس “سيادة أراضيها” بينما لم يُصَعِّد المغرب الموضوع، كما لم يسبق له المطالبة بشكل رسمي خلال السنوات الأخيرة باسترجاع المدينتين السليبتين.

لكن بالنسبة للمغاربة، تبقى المدينتان محتلتين، شأنهما شأن بعض الجزر في البحر المتوسط، وسبق أن وقع احتكاك عسكري بين المغرب وإسبانيا في جزيرة ليلى (جزيرة تورة) عام 2002.

التوتر حول سبتة ومليلية ليس سياسياً فقط، بل كذلك اقتصادي، فكثير من سكان المناطق المغربية القريبة من المدينتين يعتمدون عليهما في المجال الاقتصادي، خصوصا فيما يطلح عليه ب «التهريب المعيشي».

أطراف داخل المغرب وإسبانيا كانت مستفيدة من هذه الظاهرة، غير أن الضغط الحقوقي بسبب كثرة الحوادث المميتة وتواتر الصور المهينة للكرامة في المعابر، خصوصا لنساء ما يعرف بـ”التهريب المعيشي»، كان أحد الأسباب التي دفعت المغرب إلى إغلاق المعبرين، لكن غياب البديل الاقتصادي فاقم من الاحتقان الاجتماعي في المناطق المحيطة، ما تسبب في وقوع احتجاجات، كما جرى في مدينة الفنيدق خاصة في ظل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المرتبطة بتبعات وآثار جائحة كورونا.

ملف الهجرة.. الآلام المزمنة

تجمع المغرب وإسبانيا اتفاقيات لمواجهة ظاهرة الهجرة غير النظامية، إذ شكّلت السواحل المغربية منطلقًا تاريخيًا لما يعرف بـ”قوارب الموت” في البحر الأبيض المتوسط إلى جانب سواحل ليبيا والجزائر وتونس.

ورغم أن اتفاقات الرباط – مدريد هي جزء من اتفاق عام بين دول الاتحاد الأوروبي ودول جنوب المتوسط لمنع تدفق المهاجرين غير النظاميين، إلا أنها تحمل خصوصية كون التراب المغربي يحتضن مدينتين (سبتة ومليلية المحتلتين) واقعتين تحت النفوذ الإسباني تشهدان ضغطًا كبيرًا من مهاجرين يحاولون اختراق سياجاتهما.

غير أن الرباط لا ترضى بأن تتحول إلى “دركي” يحمي حدود أوروبا، وفق تصريحات سابقة لوزير الخارجية ناصر بوريطة، إذ ترغب الرباط بعلاقة أقوى من أن تتحول لحارس للحدود.

وتعاني الرباط بدورها ضغطًا واسعًا في مجال الهجرة، فعلاوة على مئات الآلاف من المهاجرين من جنوب الصحراء، توجد شبكات محلية تنشط في محاولة تهريب أبناء البلد إلى الداخل الإسباني، فضلا عن أن المغرب يرفض استقباله لجميع الجنسيات المرحلة من إسبانيا، ويعتبر أن كل دولة مسؤولة عن استقبال رعاياها فقط.

ومن أمثلة ذلك أن السواحل الإسبانية استقبلت أرقاما قياسية من المهاجرين غير النظاميين عام 2018، كما أن الأيام الماضية شهدت عبورا جماعيا لشباب مغاربة نحو إسبانيا عن طريق السباحة، أي في الفترة ذاتها التي يخيّم فيها جدل استقبال إبراهيم غالي في إسبانيا.

كما أن جزر الكناري المجاورة للمغرب استقبلت 4 آلاف مهاجر منذ بداية هذا العام، بارتفاع 125 بالمئة عن الفترة نفسها من العام الماضي حسب تقارير إسبانية، غير أن المغرب ينفي بشكل دوري هذه الاتهامات، خصوصا مع إعلانه فتح تحقيق في عمليات العبور الأخيرة.

الصحراء.. الخلاف القديم-الجديد

وبالنسبة لنزاع الصحراء المغربية، تؤكد إسبانيا باستمرار موقفها التقليدي إسوة بدول الاتحاد الأوروبي، أي البحث عن حل للنزاع تحت إشراف الأمم المتحدة، وهو موقف لا يعجب المغرب الذي صرَّح على لسان وزير خارجيته ناصر بوريطة «أنَّ على الدول الأوروبية أن تخرج من ‘”منطقة الراحة” والانخراط في “دعم الدينامية الإيجابية” في ملف الصحراء، خاصة بعد اعتراف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب رسميا وبمرسوم رئاسي، بسيادة المغرب على الصحراء».

وتقول وسائل إعلام إسبانية كـ”إلباييس” إن المغرب يضغط على إسبانيا لتغيير موقفها من النزاع، لكن مدريد تؤكد دومًا أن موقفها محكوم بالحل الأممي.

وتعيش مدريد تحديًا كبيرًا في نزاع الصحراء، فمن جهة تضغط أحزاب إسبانية، خاصة حزب   بوديموس الذي مُني مؤخرا بهزيمة مدوية في الانتخابات التي شهدتها إسبانيا ما أرغم زعيمه على تقديم استقالته من الحياة السايسية، الشيء الذي أكد عدم واقعية وجدوائية رؤيته وفقدانه لشعبية مزعومة داخل الكتلة الناخبة الإسبانية، خاصة أن فئة عريضة من الشعب الإسباني أصحت واعية بأن تدخل إسبانيا في ملف الصحراء المغربية يعتبر تدخلا في شأن سيادي داخلي مغربي مع ما يعنيه ذلك من استنزاف لمقدرات الشعب الإسباني في الدفاع عن « ملف » لا يعنيهم لا من قريب ولا من بعيد، بل ليس سوى إرضاء لغرور بعد متطرفي المشهد السياسي الإسباني ارتباطا بنظرتهم اللاعقلانية واللاموضوعية للعلاقات المغربية ـ الإسبانية.

 ومن جهة أخرى يُعدّ المغرب بلدًا مهما جدا لإسبانيا، ولها مصالح تجارية مع المغرب في سواحل المناطق الصحراوية للمغرب، لذلك تحاول مدريد مسك العصا من الوسط، وسبق للخارجية الإسبانية أن اتهمت الزعيم السابق لحزب بوديموس المنهزم انتخابيا وشعبيا بأنه “يضع العصا في الدولاب” ردًا على مطالبه بخصوص الاستفتاء.

احتجاج المغرب مؤخرًا على إسبانيا يعود لدخول زعيم البوليساريو إلى التراب الإسباني باسم جزائري مستعار، حسب ما كشفته المملكة المغربية في ضربة مخابراتية نوعية، أحرجت كلاًّ من الجارين الشمالي (إسبانيا) والشرقي (الجزائر)، و هو ما أكدته العديد من التقارير الرسمية والإعلامية، ما غذى شكوكًا بمحاولة التستر على وجوده في البلد نظراً لوجود استدعاء بحقه من لدن محكمة إسبانية عام 2016 غداة تخطيطه زيارة إسبانيا.

ويواجه زعيم البوليساريو اتهامات وجهتها له منظمة حقوقية صحراوية بـ”الإبادة والقتل والاغتصاب والتعذيب والاختفاء القسري” ما ين 1976 و1987 ضد سكان في مخيمات اللاجئين الصحراويين في تندوف على التراب الجزائري.

وتثير وسائل الإعلام المغربية هذا الملف بقوة وتتساءل هل ستحرص إسبانيا على احترام استقلالية قضائها وبالتالي ضرورة دفع إبراهيم غالي نحو المثول أمام القضاء، لكن في الوقت ذاته لم يتم إعلان وجود استدعاء قضائي لغالي بعد دخوله إسبانيا، ومن المرتقب أن يشهد الملف المزيد من التطورات في الأيام القادمة، خاصة مع ارتفاع حدة التوتر بين المغرب وإسبانيا وإلى جانبها الاتحاد الأوروبي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق