سلايدرسياسة

ما بعد مؤتمر باريس والتغيير في السودان

سليمان صالح ضرار (لندن)

لقد جاء مؤتمر باريس بمفاهيم ومدخلات جديده ليست تقليدية وليست نابعة من مفاهيم التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها الدول النامية. ويرى البعض أن مؤتمر باريس جاء بتغيير حضاري وثقافي واجتماعي كبير ولكي يستطيع السودان مواكبة هذا التغيير سوف نبدأ بالرؤوس ثم الإدارة التنفيذية.

ولكن قبل هذا يجب أن نعرف ما هو الدافع لقيام هذا المؤتمر هل هو في حقيقته لمصلحة السودان أم لمصلحة أمريكا والدول الأوربية. إن فرنسا التي تكفلت بقيام هذا المؤتمر (لأجندة تخفيها) تجر وراءها تاريخاً طويلاً من الإجرام في حق غيرها من الشعوب ويكفي أنها قتلت في الجزائر وحدها مليون شهيد واستعمارها أسوأ استعمار حيث أنه يغير الثقافة أيضاً في البلاد التي يستعمرها، أما بالنسبة للفساد الفرنسي، فلقد كان، قمة السلطة في فرنسا، الرئيس الفرنسي ديستان يتلقى رشوة من قطع الماس من الدكتاتور بوكاسا ليسكت عن جرائمه، أما في السودان فلقد استغلت فرنسا مناجم الذهب في منطقة أرياب بشرق السودان واستخدمت مواد سامه في التنقيب يحرم استعمالها في كل العالم مما نتج عنه القضاء على الزرع والضرع وحتى البشر الذين أصيبوا بأمراض سمية قاتلة، وبعد كل هذا فإن نصيب محلية أرياب من الذهب أقل من كيلوغرام واحد بينما الإنتاج يبلغ ستة عشر طناً من الذهب في العام، يذهب نصيب السودان منها إلى جيوب أركان الإنقاذ عن طريق مندوبهم (م) في فرنسا وخازن (د. إ. م) أموالهم المقيم في سويسرا حيث تحفظ الأموال في حسابات سرية، ويجب استردادها.

لقد كتب كثيرون منتقدين مؤتمر باريس وهو شكل جديد للاستعمار يذكرنا بما حدث من تكالب أوربي نحو أفريقيا لجلب المواد الخام للثورة الصناعية في أوربا. والشيء الثاني هو رغبة أمريكا وأوربا لإبعاد الصين عن الاستثمار في أفريقيا والسودان خاصة. وأمريكا التي اكتشفت البترول في السودان لم تستخرجه وقفلت الآبار حتى تحتفظ بهذا البترول للأجيال الأمريكية القادمة، ولكن قد نجحت الصين في استخراج البترول في السودان وفي تنفيذ مشاريع أخرى في أفريقيا، ولهذا تسعى أمريكا وأوربا لإبعاد الصين من الاستثمار في السودان.

وما قيل عن إلغاء الديون ما هو إلا ترجمة خاطئة لما حصل فقد قررت بعض الدول تخفيف أعباء الديون ومعناها تخفيف فوائد الديون ويبقى الأصل كما هو لأن معظم الديون هي لشركات وبنوك وليست للحكومات.

وعن هذا الموضوع ننقل ما كتبه الأستاذ أمل الكردفاني، حيث ذكر:

سأنقل لكم الخبر من رويترز مباشرة، عبر الرابط، وفيه تفاصيل، (تخفيف) اعباء الديون، وليس كما ورد من إعلام الجداد القحطي لسواقة الناس بالخلا..

وما دفعني لذلك، رغم انني لم أرد ذلك هو شعوري بالغيظ من خداع البشرية، تماما كما كان يفعل الكيزان..

الخبر من رويتر يؤكد ان ماكرون لم يلغي ديون فرنسا على السودان بل يؤيد إلغاءها (لأنو نحن كأغبياء لا نعرف أن مسألة الديون لا يمكن أن يقضي فيها ماكرون لوحده، فهذه الديون حق للشعب الفرنسي دافع الضرائب) اما تأييد ماكرون فهو شعور طيب ولكنه زيرو معنى، مثل زيرو فساد بتاعة نادر العبيد.

حديث ماكرون تحدث عن (تخفيف) (أعباء) الديون، وليس الديون نفسها، بمعنى الفوائد تصبح أقل، او يتم إعادة هيكلة الفوائد (نظام زيادة التقسيط بالدارجي).

الديون على صندوق النقد سيتم مرحلة تسديدها، (وليس إلغاءها)، وذلك بقرض تجسيري فرنسي يبلغ مليار ونص دولار..

المليار ونص سيسدد طبعا (بفوائده العالية) من خلال استقطاعه من قروض جديدة للسودان. انتهى.

وبما لدينا من تجربة في هذا بما حدث في مؤتمر ألمانيا لنفس أهداف مؤتمر باريس فإنه لم يتم دفع غير قرابة الثلاثمائة مليون دولار من مليارات تكفلت الدول الأوربية بدفعها قبل نهاية العام 2020م، لذا فيجب ألا يؤمل السودان استلام أي دولار أن يورو من المنح التي تم التصريح بها في المؤتمر، فالمؤتمر ما هو إلا مؤتمر للعلاقات العامة لتحسين صورة فرنسا أمام العالم لتمسح تاريخها الأسود والماس الأفريقي المروي بدماء البسطاء في أفريقيا الوسطى وأرواح سكان شرق السودان الذين قتلتهم فرنسا بالمواد السامه عند تنقيبها عن الذهب في أرياب في شرق السودان. أما السبب الثاني فإن الدول المانحة تشترط لتنفيذ المشاريع أن تقوم بها شركات من نفس الدول المانحة بالإضافة للعمالة الأجنبية وهكذا تعود أموال المنح للدول المانحة ولمواطنيها الذين يعملون في هذه المشروعات، كأنما كُتب على نقودهم (خروج وعودة فقط). وهذا مكافأة للشركات والأشخاص الذين استوعبوا في هذه المشاريع من مواطني الدول المانحة، الذين ساندوا رؤساء تلك الدول في حملاتها الانتخابية، وباختصار فإن من أهداف المؤتمر هو إرضاء الناخبين الأمريكان والأوربيين.

أما الهدف الثاني فهو إبعاد الصين من الاستثمار في أفريقيا برغم من نجاح مشروعاتها التي أغرقت السودان في الديون ورهنت أراضيه للصين وبنوكها.

وإذا كان السودان يؤمل أن يجذب المستثمرين بما لديه من موارد طبيعية، فإنه معروف أن رأس المال جبان، ولا يمكن أن يستثمر في دولة بحكومة مؤقتة ستذهب قريبا (إن شاء الله)، وهي الآن ينقصها الاستقرار والأمن حيث يستمر القتل خارج القانون ليس في الهامش مثل الجنينة بل حتى في الخرطوم نفسها حيث أصبح حملة السلاح من كل التنظيمات يسرحون ويمرحون في البلد ويهددون أمن المدنيين. والأدهي هو أن الحكومة الحالية مؤقتة وغير مخولة لتقرير أشياء كثيرة قد لا توافق عليها الحكومة المنتخبة القادمة هذا لو حدث هذا، بالرغم من أنه أصبح بعيداً عن المنال حيث أن السلطة في يد من يحمل السلاح، والوضع الآن في السودان الذي كان يطالب فيه الثورا بحكومة مدنية قد تبخر حلم المدنية وأصبح من في يده السلاح هو من يقرر للسودان.

إن الشركات التي تقوم بتنفيذ المشاريع المطلوبة تقدم أسعاراً رخيصة حتى تحصل على المناقصات ولكن هذا على حساب عدم حفاظهم على البيئة وانتهاكهم لحقوق العمال بعطائهم أجورًا زهيده وساعات عمل طويل. وكل هذا يخالف مبدأ أن تكون هناك تنمية إجتماعية وبشرية.

إذا عرفنا أن مستلزمات التنمية الأساسية هي التعليم والصحة والمواصلات حيث تشكل القاعدة لتشييد مشاريع الاستثمار عليها وبها. فهل توجد هذه المستلزمات في السودان؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق