سياسة

خارج المتاهة

شركاء الانتقال ... شركاء القتل

محمد عتيق

  يبدو أن الأقدار تخبئ لبلادنا وأهلها خيراً كثيراً خلف هذه الابتلاءات .. هذا هو التفسير النفسي/الغيبي الملازم لحالنا طوال التاريخ الوطني المعاصر خاصةً بعد الاستقلال .. هو التفسير الذي ظللنا نركن إليه كلما أتانا من يخطف ثمار التضحيات الجسيمة التي يقدمها الشعب عشية كل ثورة من ثوراته العظيمة، فيعود منتشياً ومكتفياً بما أنجزه إلى جلسات الجدل والتحليل، ثم التحسر حيث/ وحين لا يجدي ..

رغم أن ثورتي اكتوبر ١٩٦٤ وأبريل ١٩٨٥ كانتا فتحاً جديداً في إسقاط الانظمة العسكرية الدكتاتورية بالانتفاضات الشعبية السلمية ، الممهورة بالدماء والأرواح ، إلا أنهما انتهيا إلى لا شيء ، إلى انقلابات عسكرية جديدة بعد فترات قصيرة (٥ سنوات بعد الأولى و ٤ بعد الثانية) ، أما الثورة الشعبية الثالثة في ديسمبر ٢٠١٨ والممتدة حتى الآن ، وستمتد ، فإن مصائرها مختلفة باختلاف زمانها الذي شهد ويشهد الانفجار العلمي الأكبر في التاريخ ، عصر التجول في الفضاء والكواكب وهندسة الجينات ، ثورة الاتصالات التي جمعت الخلق في غرفة واحدة وجعلت المعلومات – كل المعلومات – متفجرةً متاحةً على الشاشات ب “كبسة زر” على الأجهزة الرقمية ، فأصبحت العناوين الباهرة له هي صيانة الحريات والحقوق ألإنسانية والتحول الديمقراطي ، صيانة الحياة في كل جوانبها لكل الكائنات .. وبنفس القدر فإن المعضلات المحيطة بها ضخمة ومتنوعة ، متشابكة ومتقاطعة في نفس الوقت ، منها الذاتي ومنها الموضوعي ، أخطرها ما تمثله “اللجنة الأمنية للنظام الساقط” (المكون العسكري في التحالف الحاكم) : عندما انفجرت الثورة أدرك بعض الأطراف العسكرية والأمنية بدنو أجل النظام فسعى كل طرف منها لحسم الأمر لمصلحته : إزاحة البشير ورموز الحكم والفساد الصارخة ثم إعادة إنتاج النظام بأسماء ورموز جديدة لصيانة نفس المصالح والامتيازات ، هذا هو الهدف الذي أجمعت عليه “اللجنة الأمنية للنظام الساقط” وذهبت تسعى له بتنصيب نفسها مجلساً عسكرياً انتقالياً يحكم لمدة عام وتجري انتخابات عامة في مجتمع يعلمون تماماً أن النظام الساقط لا زال يحكمه بالدجل ومظاهر التدين السطحي وثقافة الفساد والإفساد التي بثها في كل مفاصل الدولة والمجتمع .. وهذا المسعى هو الذي دفعها لارتكاب مجزرة فض الاعتصام في يونيو / رمضان ٢٠١٩ ..

الطرف الآخر في الصراع؛ القوى السياسية بأقسامها الحزبية والنقابية والمدنية، ورغم قدراتها النظرية الجيدة إلا أنها تعاني أيضاً من الضمور والتكلس الذي أصاب كل مناحي الحياة في عهد الاسلامويين، أدركت الثورة متقطعة الأنفاس ولكنها قادتها باقتدار مدفوعةً بعزم الشعب وأجياله الجديدة من الشابات والشباب فكان لا بد من تأسيس شراكة بين الطرفين المدني والعسكري فكانت الوثيقة الدستورية التي نتجت عن الحوار بين الطرفين .. ورغم التقارير التي أكدت على أن تلاعباً قد حدث في النسخة السارية من الوثيقة إلا أن المكون العسكري اخترقها ولا زال يخترقها في مختلف الشئون الداخلية والخارجية، يساعدها في ذلك الضعف الواضح في الحياة السياسية المدنية وقواها الحزبية التي تماهت بشكل معيب ومخيب للتوقعات مع المكون العسكري في أخطر المسائل. وعندما نقول المكون العسكري (أي اللجنة الأمنية للنظام الساقط) إنما نشير إلى جبل الجليد الذي تختبئ خلفه دولة النظام الساقط الموازية (بقواتها وشركاتها ومصارفها وموظفيها…) التي تعمل على العودة إلى الحكم عبر التنسيق بين عناصرها الأكثر عدداً في القوات النظامية والأمنية وبين مليشياتها السرية والخاصة (كتائب الظل والأمن الشعبي والطلابي…الخ) ، مع هذا المكون العسكري الذي لن يتنازل عن السلطة ليس وفاءً للنظام الساقط فحسب وإنما أيضاً حمايةً لنفسه وأفراده من المساءلات المنتظرة في جرائم عديدة في دارفور ومناطق أخرى ثم في فض الاعتصام بالقتل والاغتصاب والحرق والإغراق للمئات من الشباب ..

وكانت عبارات الدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء الانتقالي في وصف العلاقة بين المكونين المدني والعسكري بأنها نموذجية وفي أعلى درجات الانسجام والتنسيق ، إذا كانت  مثل هذه العبارات محل استهجان عند البعض فإن الأحداث وتطوراتها قد أثبتت تماماً أنه كان صادقاً، لأنه هو وبعض الوزراء (الذين أتى بهم هو) متعاونون كل التعاون مع “اللجنة الأمنية” داخلياً وخارجياً ، من التطبيع مع “الكيان الاسرائيلي” إلى الارتهان التام للمؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية وسياساتها ، ورهن البلاد ومقدراتها للأجنبي ، ومن إدارة شئون السلام إلى الهيمنة على الأجهزة العدلية والقضائية والقوات المسلحة والأمنية المختلفة ..

هذه اللجنة الأمنية، وفي سبيل إنقاذ نفسها وأعضائها من المساءلات المحلية والدولية، ارتكب وسيرتكب كل جرم يساعده على ذلك .. فإذا كانت قد اعترفت علناً بارتكاب جريمة فض الاعتصام في رمضان/يونيو ٢٠١٩ (قولاً على لسان الكباشي ، وعملياً بقرارات البرهان صبيحة الفض) فإن إطلاق النار في الذكرى الثانية لذلك الفض (رمضان/مايو ٢٠٢١) واصطياد شابين وجرح أعداد كبيرة هو مسئولية نفس اللجنة الأمنية (المكون العسكري) على الأقل لأن القوات المسلحة التي تحت إمرتهم لم تعمل على حماية المتظاهرين السلميين بل رفضت مجرد وجودهم في أماكن غير محظورة عليهم بالقانون وأغلقت المنافذ المؤدية إليها !! ، والمسئولية هنا لا تنتهي عند المكون العسكري فقط وإنما تمتد للسيد عبد الله حمدوك وأعضاء حكومته (المكون المدني) لارتباطهم الواضح -كما أسلفت/بالمكون العسكري وموافقتهم الضمنية على هيمنته وعلى سياساته وارتباطاته .. إنها مسئوليتهم أجمعين، فالأفراد المحددين أو المحدودين الذين اصطادوا أولئك الشباب مع أحلامهم وأحلام ذويهم ووطنهم كانوا نتيجة هذا الحلف القائم بين أركان الحكم الانتقالي، عسكريين ومدنيين ..

فهل – وبناءاً على هذه المخاطر الجسيمة، الذاتية والموضوعية، المحدقة بالوطن والشعب والثورة – هل، يمكننا القول أن الأقدار تخبئ لبلادنا وأهلنا خيراً كثيراً خلف (هذه الابتلاءات)؟

– نعم ..

– ولكن كيف ؟

أساساً، كان التفاوض مع “اللجنة الأمنية” والشراكة معها على قيادة جماعية للفترة الانتقالية، كان، وعياً بالمخاطر وحقناً للدماء وثقةً في أن الأمور ستمضي وفق الاتفاق بصدق وشفافية، وذلك يعني إنجاز مهام الفترة الانتقالية وصولاً إلى استكمال التحول الديمقراطي بإجراء الانتخابات العامة، ولكن، جاءت الرياح والاحداث بما لم تشتهيه سفن الشعب والوطن:

* المكون العسكري بدأ في خرق الوثيقة الدستورية بنداً بنداً منصباً نفسه رئيساً مطلقاً للجمهورية امتداداً أو بديلاً لرئيسهم الجاهل الرخيص ..

* الدكتور حمدوك ومن جاء بهم ، وكما أنه قد تكرر منهم تضليل الشعب والكذب على قواه السياسية ، ثبت أنهم مرتبطون بمطالب أمريكية بما فيها التطبيع مع “اسرائيل” ، ومع صندوق النقد والبنك الدوليين وغيرهما من المؤسسات المالية ، خاضعين لمطالبها وشروطها وما ينتج عنها من إفقار وضنك ومسغبة للشعب ..

* ودولة الإسلامويين الموازية لا زالت تسيطر على الأجهزة العسكرية والأمنية وعلى مرافق الخدمة المدنية والحياة الاقتصادية بشركاتها ومصارفها ، وتذيق الشعب حرماناً و “بهدلةً” بأكثر مما كان في عهد حكمهم الأسود المباشر ..

-هذا باختصار وضع أو صورة الحكم الانتقالي ..

– والثورة – كما قالت مختلف القراءات – هي ثورة انعتاق ووعي تستهدف اللحاق بالعصر معتمدةً على ثروات الوطن وإنسانه ، أي على النقيض تماماً لما هو جارٍ منذ عامين .. وليس أكثر من هذا سيتكفل بتبصرة القوى الأربعة (التي تتصرف باسم قوى الحرية والتغيير) ومعها الجبهة الثورية وبقية الحركات المسلحة بأن الثورة ثورتهم وثورة شعب السودان وكل طلائعه، وأنها فرصة عظيمة للنهوض بهذا الوطن، بتغيير كثير من أسسه ومفاهيمه عبر مؤتمر دستوري يؤمه الجميع، والتذكير بأن هذا وطنهم وليس وطناً للغرباء مهما كانت العلاقة مع هؤلاء الغرباء، تذكير الجميع بسجل التاريخ وفلسفة الآجال والأكفان ..

ولا زال “ميثاق العودة” ساري المفعول اقترحاً جاداً ووجيهاً للعودة إلى منصة البداية ليتطهر الجميع على أعتابها ومعاودة الصعود، وأن المزايا في طي البلايا ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق