سياسة

ما تدي قفاك للعسكر …!

نضال عبد الوهاب

أثار قتل شهيدين في الليلة الأخيرة لرمضان الحالي ما قبل العيد وفي ذكري (مجزرة القيادة العامة) وفض الاعتصام في 2019 إتبان الثورة وما قبل اكتمال التفاوض.. أثار في نفوس كُل السودانيين (عدا الكيزان) و (معدومي الضمير) حالة من الاستياء والغضب والحنق الكبير الممزوج بحُزن حقيقي جعل العيد (بلا طعم) للسودانيين في الداخل والخارج..

عملية القتل هذه تمت وللأسف داخل حرم القيادة العامة لأُناس لا يحملون سلاح وغير مُهاجمين أو مُخربين.. بل هُم مُتظاهرين سِلميين، غالبيتهم شباب في مُقتبل العُمر من الجنسين.. وثوار حقيقيون، هُم من أعطوا لهذه الثورة كُل هذا النجاح والمُكتسبات بصمودهم وعزيمتهم ورغبتهم في بذل التضحية بما فيها أرواحهم لكي يولد هذا السُودان من جديد، وينعتق ويُعاد بنائه بعد كل الخراب الذي خلفته جميع الحكومات السابقة (مُنذ الاستقلال) وحتى عهد (الكيزان) الكالح القاتم والأسوأ على مر تاريخ السُودان الحديث والقديم..

علي مُستواي الشخصي ولعل الكثيرين يُشاركونني هذا التفكير والسؤال وهو (لماذا يكره الجيش السُوداني ومُعظم العسكر هذا الشعب؟) رغم أنهم يُفترض منه.. ولدوا في أرضه وكبروا ونموا فيها..

فالجيش السُوداني (كمؤسسة) للأسف لا يقتل غير السُودانيين! .. جيش على مر تاريخه لم يُعرف عنه في ذهن السودانيين غير قتله لأبناء بلده.. سواء في الحرُوب الأهلية الداخلية والعبثية التي نتجت من سياسات مُعظم الحكُومات (العسكرية) نفسها و من صُنعهم.. كان ذلك أولاً في حرب الجنوب، ثم انتقلت الحرب وتمددت فيما بعد لمساحة واسعة من الأرض السُودانية.. فمسألة (العسكرة) و (المليشيات) لم يجني السودانيين منها غير (الخراب) و (القتل).. فالسُودان لم يدخل في حرب مُباشرة مع جميع جيرانه أو على حُدوده إلا مؤخراً، وفي عهد الحكُومة الحالية الانتقالية مع أثيوبيا على شريط حُدودي محدود نسبياً، وهي حرب رُغم أنها مُبررة يُفترض، لكن الجميع يعلم أنها حرب (بالوكالة) لخدمة أجندة خارجية إقليمية، لأن ذات المُبرر الذي يجعل قيادة الجيش الحالي تدخل في حالة حرب مع أثيوبيا كان يمكن لها أن تتعامل مع مصر بذات المفهوم والتحدي.. فالجارتين تحتلان مساحات واسعة من الأرض السُودانية العزيزة..

إذاً لم يقوم الجيش في السُودان بغير قتلنا تارة أو بالانقلاب على الديمُقراطية تارةً أُخري.. مُستخدماً في الحالتين (البندقية والدبابة) أي منطق القوة العسكرية..

فبدلاً من أن يكون لدينا جيش يحمي شعبه ويُحافظ على مواطنيه وأرواحهم وأرضهم ومُمتلكاتهم ويحمي الديمُقراطية ويُحافظ عليها حال كُل دول العالم المُتقدمة والحديثة، صار لدينا العكس، جيش يقتُل مُواطنيه ونساء وشباب وأطفال الوطن، وينقلب على الحُكم ويستولي عليه، ويُضيّق علي شعبه و يقمعه و يُعذبه و يقهرُه ويبطُش به ثم يقتله بدمٍ بارد ونفسية مريضة!

جيش يستولي على مُقدّرات البلاد الاقتصادية ويمتلك الشركات وجميع أنواع الصناعات والبيزنس ويُفسد جنرالاته وقياداته وكبار ضُباطه وعندما يقوم بقتل المتظاهرين السلميين يُقدم للمُحاكمة الرُتب الأصغر فيه وجنوده.. ويُعلن سريعاً أنه تصرف فردي! ..

جيش يستخِف بعقول الشعب السُوداني، جيش لا يُسيطر على المليشيات ويساهم قادته في تغولها عليه، ويتآمر ضد الشعب وتكذب قيادته ليل نهار لكي تبقي في السُلطة باسم الثورة المدنية!!

فالجيش كان يُمكن أن ينتهي دوره بعد إزاحة النظام السابق، أو كان يمكن أن تجّد قيادته الحالية إن كانت ليست لديها أجندة خاصة أو خارجية في تنظيفه من مُخلفات العهد السابق، وكذلك كانت لِتحرص على تسليم السُلطة للشعب، وتتعاون مع القيادة المدنية في إعادة هيكلته والقيام بجميع مُتطلبات السلام وتفكيك الجيوش الموازية والمليشيات.. فالبزة العسكرية والبندقية والدبابة ليس مكانهم كراسي السُلطة والحُكم..

نحن لسنا ضد الجيش كمؤسسة ضرورية لاي دولة مُحترمة في العالم، ولا ضد أفراده كشريحة مُهمة من شرائح المُجتمع وفئات الشعب، لكننا ضد عقلية طُغيان العسكر وتحوله لقاتل لشعبه ومُنتهك لأعراضه ومُغتصب، وسافك للدماء وباطِش به وسارق وفاسِد، ومُستولي على السُلطة وضد رغبات الشعب السُوداني في الحُكم المدني والنظام الديمُقراطي.. لسنا مع المليشيات وضد عسكرة الدولة للبقاء في السُلطة وفرض الديكتاتورية باسم القضايا العادلة والحياة الكريمة واستمراء ذلك عوضاً عن التحول للمدنية والجدّية في الانتقال للديمُقراطية..

نحتاج لجيش غير غادر بشعبه ومواطني دولتنا، نحتاج لجنود يحمون أعراض الشعب السُوداني ولا يغتصبون بناته بل ورجاله من أمثال الغوغاء الحاليون داخل مؤسسة الجيش ومن المليشيات! نحتاج لنوعية جديدة من الجنود الرجال الحقيقيون داخله، ولضباط شُرفاء بذات المُستوي من الأخلاق السُودانية والانضباط والنزاهة لكي نبني جيش حقيقي مُشرِّف يشبه هذا الشعب، يُدافع عن أراضيه وأمنه ويبقي في ثكناته لأداء مهامَه التي ليست من بينها السُلطة والبيزنس باي حال من الأحوال وتحت جميع الظروف.. فالشعب السُوداني ودّع وللأبد هذه العُهود، ولا ولن يقبل مُستقبلاً أن تحكُمه البندقية والدبابة!

نمُر بفترة انتقالية نعم.. وظرف استوجب مُشاركتهم (مؤقتاً) في السُلطة لأسباب مرحلية معلُومة للجميع، ومُرتبطة بوثيقة مُحددة تستوجب إكمال مطلوبات الثورة دونما تآمر أو التفاف، ومُلزَّمة بقيد زمّني مُحدد..

ولتفكيك المليشيات والجيوش الموازية والمُشاركة في ترتيبات السلام الأمنية، ثُمّ إعادة هيكلة الجيش وبنائه وفق مفهوم عسكري جديد، يُلزِمه بالمُحافظة على الديمُقراطية والحُكم المدني ولأداء دوره بالدستور في المُحافظة على حُدود وأرض السُودان وشعبه ومُواطنيه، وليس قتله والغدر به وفعل جميع الموبقات بإنسانه!

لا نُريد أن يتواصل هتاف الثوار والشعب السُوداني في الشوارع في وصف الجنود والضباط والعساكر السودانيين والجيش بالهتاف الشهير الذي أفرزه هذا الواقع الماثل..

ما تدي قفاك للعسكر..

العسكر ما حيصونك..

بس أدي قفاك للشارع ..

الشارع ما حيخونك..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق