ثقافة وفن

نحو ثورة ناعمة

عن مسرحية "عبيد في الجحيم"

جواد كوفي (المغرب)

يعتبر المسرح من أول الفنون التي عبر بها الإنسان عن ذاته وعن وعيه بوجوده ككائن متفرد بموهبة العقل و الوجذان و كذات يرهقها سؤال الوجود و سؤال المعنى من الحياة، ذات تواقة إلى الحرية و الانطلاق نحو بناء واقع خاص طبيعته السكينة و الأمن والاشتراك و شرطه الكرامة و العدالة و يسكنها هاجس المعرفة و الوضوح، ذات يؤرقها الغموض فتعيش لأجل كشف كل مجهول و مبهم.

إن إدراك الانسان لقدراته الفائقة على التعلم و المحاكاة جعلته يبدع أشكالا مختلفة من أنماط التفكير و التعبير عن هواجسه و آماله بطرق تغالب الخوف و تتوسل بالتمويه حينا و بالمواجهة أحيانا اخرى دون تحفظ، ولا تعلن الهزيمة إلا أمام يقين الموت الذي ينقلب أثره بطرق جلية و خفية على المعيش إيجابا و سلبا و بالتالي يمنح السعادة أو الشقاء للروح و الجسد. و هو كذلك ما يجعلنا نحن البشر نأمل في كل جميل وممتع و نصنع الخير و نبدع الفن و القيم المشتركة التي تشكل الخيط الناظم بين المختلف و المشترك الإنساني رغبة في غد مشرق.

كل سؤال نطرحه اليوم نجد له جذورا أصيلة في إرادة الانفلات من الدهشة التي تلاحقنا منذ الوعي الأول بالعالم و تجربة الموت الأولى و كذا الانتظار الأول للعودة من هذا النوم الأبدي. هكذا بدأت مأساة البشر وبدا معها المعنى و الذوق و كل شيء جميل (الأسطورة و الدين و الفن و الفلسفة و العلم).

فهم هذا الرحيل الأخير عن الجسد و فتح إمكانات أخرى للاستمرارية والخلود، جعلتنا نتوسل بالمسرح و الخيال الشاسع الذي يمدنا به هذا الفن. على الركح المقدس و في كل مكان نوجد فيه نحن البشر. إننا على خشبة المسرح الكبير نسكن، نموت و نحيا. هكذا بدأ هذا الفن و لن ينتهي إلا بأفول شمس آخر إنسان.

إذا كان المسرح قديما هو الوسيلة الافتراضية و الوحيدة التي تمكننا من الاتصال بالآلهة من خلال طقوس دينية مقدسة على الركح المقدس فقد اعتبر الفرد المؤمن بالقوى الخارقة التي تسير الكون أول مسرحي يقوم بحركات و سكنات يحاكي فيها تجلي (الاله) أمامه فتنتقل هذه الحركات و الرقصات من متعبد لمتعبد. فقد أصبح مع اليونان و على مضض يعالج قضايا الإنسان (الاجتماعية الأخلاقية و السياسية…) متوسلا بثلاثة أنواع من الدراما وهي: التراجيديا والكوميديا والمسرحية الهجائية. وقد كانت بداية ثورة ناعمة على الخوف ونافذة خفية نحو الحرية.

‘‘ عبيد في الجحيم، مسرحية تبعث طائر الرخ من الرماد و تعلن بقوة عن مبدع مغمور يمكن أن يصنف من بين عظماء المسرح لو كان في زمان ومكان غير الزمان و المكان الحالي…المتتبع للرجل مولاي الحسين الهندي و لمسرحيته الأخيرة عبيد في الجحيم سيأسره عمق المعنى و بساطة الحوار الهادف الذي يجمع بين المأساة والملهاة في قالب متناغم يسافر بك الى ما وراء الفرحة و الحزن، إلى ذلك الإحساس بالكينونة و المسؤولية اتجاه العالم و الإنسان كوحدة تأبى إلا أن تعيش الحرية و الكرامة كشرط إنساني أصيل لا عرض. المسرحية إذن تحمل نزعة وجودية واضحة في ذلك النزق الثوري المعلن الخفي و ذلك السعي الملح نحو التحرر وصناعة المستقبل بإرادة لا تنازعها الظروف ولا يهزمها خيانة أو هوان الرجال.

‘‘ عبيد في الجحيم‘‘ مسرحية باللغة الأمازيغية تحكي عن ذلك الصراع الأزلي الذي لا ينتهي بين الخير والشر الكرامة والهوان، العبودية والسيادة. ضمن سلسلة من الأحداث يكتمل معناها بالتوظيف الذكي للمؤلف مولاي الحسين آيت الهندي لحيوانات سياسية (النمل) الغير قادر على العيش كالإنسان خارج أسوار المجموعة يحميها مثلهم قانون و سلطة طبيعتها القوة والسيطرة و الاستبداد وغايتها النظام رغم اختلاف الوسائل و طرق التدبير و التسيير

و الخطاب الموجه بين الأول الطبيعي (النمل)و الثاني التعاقدي (البشر).

يرفع الستار عن صورة سريالية تعبر عن مستعمرة للنمل، على الخشبة أربعة من ذكور النمل الأسود يجسدون دور العبيد و الملكة الأم ثم ذكر النمل الأحمر، الحارس الذي يجسد دور السلطة و السيادة. من خلال هذه الشخصيات ينطلق العرض الذي يقول الكثير و يحمل رسائل ثقيلة في فصلين على امتداد ساعة ونصف من الزمن تقريبا. أشرنا الى ان المسرحية تحمل نزعة وجودية باعتبارها تقوم على ثلاثة مرتكزات أساسية وهى الحرية والمسؤولية والالتزام. ويعني هذا أن المسرحية تحمل فلسفة إنسانية تدعو إلى الحق و العدالة وممارسة حرية القول والفعل من خلال حرية الحدث وحرية الزمن وحرية المكان. فرهان المسرحية هو الخروج من أسر الماضي و الحس المشترك الذي يكرسه المعيش و يطبع معه الكائن، بل يعطيه مشروعية بحجة العادة أو الوراثة. (هنا يلقي النمل الأسود في المسرحية مسؤولية عبوديته وانهزامه رغم كثرته وقوته على الأم التي تزرع بكلماتها اليأس و المسكنة و الإذعان و تذكر بمصير كل من أراد الخروج عن المألوف و المطالبة بتغيير الواقع. ثم الأخ الأكبر الذي أصبح بعد أن أصابه الكبر ومسه الضعف عين ولسان الحارس على إخوته دون أن يحتج أو أن يطالب بأبسط الحقوق إلا المساهمة في تخويفهم و تدجينهم …) واقع سيزيفي يستحيل من العرض الاستثنائي إلى القدر الحتمي، فتتنازع الذات رغبتين متطابقتين تجعلهما السلطة الحاكمة وكأنهما على طرفي النقيض يستحيل الجمع بينهما (الحرية و الكرامة من جهة و الأمن والاستقرار من جهة أخرى).

‘‘ عبيد في الجحيم ‘‘عنوان يذكرنا بقولة أحد كبار الوجوديين جون بول سارتر ‘‘الآخر هو الجنة و الجحيم معا ‘‘ في مسرحية الجلسة المغلقة. عنوان يجعل الآخر هو العقدة و الحل في نفس الوقت فمن خلال الوحدة و التكامل يمكن نزع الغطاء عن الكينونة و العالم يمكن أن ننتقل من الجحيم و القلق والخوف الدائم من الآخر خيانته و مكره:

و تسلطه إلى النضال الجمعي لأجل عالم فسيح يضمن الحرية و الكرامة للجميع، فمولاي الحسين آيت الهندي يدعونا من خلال رمزية العنوان إلى التخلص من كل المكبوتات والتقاليد الموروثة التي تكرس الخنوع و الخوف (الجحيم) ليحث(النمل/الإنسان) على الخروج من الجحر وبناء وعي جديد يؤسس له جيل لا يرضى الاستعباد بل في المقابل يضحي بنفسه لأجل أفكار كأشعة الشمس لا يحجبها حاجب أو قدر… يتجسد هذا الموقف في اختيار الموت لأحد إخوة النمل الأسود في مواجهته البطولية للحارس على أن تهان كرامته…ولسان حاله يقول مع عظيم المسرح العالمي شكسبير ‘‘ يموت الجبناء مرّاتٍ عديدة قبل أن يأتي أجلهم، أمّا الشجعان فيذوقون الموت مرّةً واحدة‘‘

عبر مولاي الحسين آيت الهندي عن هذه الفلسفة و عن هذا الفكر في هذا العمل المسرحي الاستثنائي و نجح في وضع الجمهور أمام لوحة فنية متكاملة…الديكور و الصوت و الإضاءة و الموسيقى التي نقلت المشاهد إلى عالم النمل عالم القهر المنظم. إنها جرأة الرجل التي تحسب لجيل من أبناء الأطلس الشامخ التي أوصلت صوتهم

و آمالهم من خلال هذا المبدع الصامت. إلا ان المستمتع بهذه الحمولة والدلالات العميقة التي أراد ان يقولها المؤلف صراحة أو تلك المضمرة بين كلمات وحركات الشخصيات أو حتى المعاني البعيدة الغير واعية والتي مرت بقوة وتركت بصمتها في دهن المتفرج، تجعلنا نتساءل عن مصير هذا النص المسرحي الرائع المكبل باللغة الأمازيغية. أليس من حق الناطقين باللغة العربية بل كل انسان تواق للحرية والكرامة أن يستمتع و يشرب من كأس هذا الإبداع الهادف ؟ وجب التفكير إذن بجدية ترجمة هذا النص إلى اللغات الحية وتشخيص المسرحية باللغة العربية الفصحى على الأقل لكي نمنح للإبداع مجالا أوسع لتأثير و إيصال رسالته المقدسة ‘‘أنسنه البشر‘‘ ولنتعلم من خلاله أن الحرية ليست فوضى بل هي مسؤولية اجتماعية وسياسية تروم التحرر الحقيقي من كل القيود البالية وكل أنواع الاستعمار والأنظمة التي تحارب الإنسان وتقف دون تحرره. كما أن هذه الحرية التزام ذاتي واختيار وجود مصيري معين والتزام بموقف أخلاقي واجتماعي محدد و أرقى ما عبر عنها في التاريخ البشري هو المسرح والفن بصفة عامة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق