ثقافة وفن

الشيخ جراح … الحكاية العمرانية للحيّ الذي شغل العالم

آية شبار

يقع حي الشيخ جراح الفلسطيني شمال مدينة القدس القديمة، ويبلغ عدد سكانه قرابة 2800 نسمة؛ ضامًّا عددًا من البعثات الدبلوماسية والمباني المهمة كالمسرح الوطني الفلسطيني وفندق الكولونية الأمريكية وبيت الشرق (1). فكيف بدأ هذا الحي؟ وما أبرز مميزاته التخطيطية والتصميمية؟ 

يُعَد حي “الشيخ جراح” أول حي ذي أغلبية عربية-مسلمة خارج أسوار المدينة القديمة للقدس، الذي بدأ تشييده في عام 1865م مع بناء السيد (رباح الحسيني) -أحد وجهاء المدينة آنذاك- منزلًا كبيرًا لعائلته وسط أراضي الزيتون خارج باب دمشق (باب العامود) بالقرب من مسجد “الشيخ جراح”، مشجعًا عددًا كبيرًا من نُخب العائلات المسلمة في القدس القديمة على أن يحذوا حذوه (2)، وبخاصة مع التطور الذي شهدته الإمبراطورية العثمانية في ذلك الوقت وتحسُّن مستوى الأمان وحماية الملكيات خارج أسوار المدينة القديمة (3)، ليغدو الحي -الذي بدأ بوصفه مصيفًا لأغنياء المدينة- حيًّا سكنيًّا مزدحمًا. وازدادت أهميته بعد بناء مدرسة “سان جورج الإنجيلية” للتعليم الثانوي عام 1898 لتصبح مقصدًا لأبناء العائلات الميسورة (2).

تخطيطيًّا؛ توضعت البيوت بدايةً على مقاسم (قطع أراضي) كبيرة، لكل منها سور عالٍ يصل إلى مترين ومدخل مؤمَّن، ليقسَّم بعضها لاحقًا إلى قطع أصغر مع الحاجة لبناء مزيد من المنازل عند زيادة عدد أفراد الأسرة. ومن أهم العوامل التي حكمت تخطيط الحي كان تأمين مصدر للمياه، فحُفِرَ خزان لتجميع المياه بالقرب من جدران المنزل (بدلًا من الفناء كما درجت العادة في منازل داخل السور) قبل قرابة سنة من بدء بناء المنزل لتستخدم المياه المجمعة في الفترة الفاصلة في أعمال البناء (3).

أمَّا من الناحية التصميمية فيمكننا ملاحظة عدد من أنماط البناء التي تتبع المكانة الاجتماعية والحالة الاقتصادية لصاحب المنزل، والتطورَ في أساليب البناء والموادَّ المتوافرة، إلا أنّ معظمها يتشارك بالهيكل الإنشائي المستعمَل وعناصر التزيين الداخلية. وتشير الأدلة إلى أن معظم المنازل المبنية شُيدت وفق مخطط معد مسبقًا (بعضها صممه معماريون أوروبيون) فأُعطِي اهتمامًا واضحًا بأصغر التفاصيل (داخلية وخارجية)، لكنه لم يكن هناك تخطيط مسبق على مستوى الحي بأكمله (3). 

بُنيت المنازل على طابق أو طابقين من الحجر المنحوت والمُنتقى من صاحب المنزل مع درج خارجي، مع اعتناء واضح بالحجارة المحيطة بالنوافذ والأبواب، وتنوعت الأسقف فكان بعضها تقليديًّا بأسقف مستوية أو مقببة في حين كان بعضها الآخر بسطوح مائلة ليمتزج النمط الغربي مع التقليدي (3). 

وهكذا يبقى حي “الشيخ جراح” من الأحياء التي تشهد على فترة تاريخية مهمة في مدينة القدس مؤرشِفةً قسمًا من تحولاتها الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والمعمارية.

المصادر:

1. The Case of Sheikh Jarrah [Internet]. 2010 [cited 11 May 2021]. Available from:

2. Bussow J. Hamidian Palestine: The Ottoman Empire and its Heritage Politics, Society and Economy. Leiden: Brill; 2011.

3. Kark R, Landman S. The Establishment of Muslim Neighbourhoods in Jerusalem, Outside the Old City, During the Late Ottoman Period. Palestine Exploration Quarterly. 1980;112(2):113-135.

(٭ عن الباحثون السوريون)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق