سياسة

هذا الموقف المصري … تحوُّل استراتيجي أم تكتيكي؟

ضحى عبد الجواد

شهدت الحرب على قطاع غزة، أخيرا، تحولًا إيجابيًا ملحوظًا في الموقف المصري من سلاح المقاومة الفلسطينية والاعتداءات الإسرائيلية علي القدس، فقد كانت حكومة عبد الفتاح السيسي، قد عمدت، منذ اللحظة الأولى، إلى تبنّي سياسة متشدّدة تجاه حركة حماس بالتوافق مع خطاب إعلامي يدين المقاومة، ويعتبرها إحدى أذرع جماعة الإخوان المسلمين الساعية إلى تهديد الأمن والاستقرار المصري والعربي. ظهر ذلك في مشاهداتٍ عدة، منها الموقف المصري المهادن من حرب “الرصاص المصبوب” التي شنّتها إسرائيل على القطاع في عام 2014؛ حيث تم تحميل “حماس” مسؤولية استفزاز الإسرائيليين، وتعريض حياة المدنيين للخطر، كذلك تضييق الخناق الاقتصادي والسياسي على الحركة، وإدانتها بصورة متكرّرة. ويمكن فهم ذلك الموقف في إطار رؤية استراتيجية أكبر، تسعى إلى التطبيع الكامل مع إسرائيل وتسوية الصراع السياسي مقابل امتيازات اقتصادية متوقعة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزّة. ويسير هذا التوجه جنبًا إلى جنب مع الرؤية الخليجية التي تهدف إلى إعادة توازنات المنطقة، من خلال تحالف عربي إسرائيلي في مقابل النفوذ الإيراني وحركات الإسلام السياسي، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين.

أظهرت الإدارة المصرية لحرب الأحد عشر يوما التي انتهت الأسبوع الماضي تباينًا واضحًا بين تلك الرؤية الاستراتيجية والمواقف الفعلية التي تبناها النظام. تمثل ذلك في تبني لغةٍ دبلوماسيةٍ حازمة منذ اللحظة الأولى تجاه الاعتداءات الإسرائيلية في حي الشيخ جرّاح في القدس وفي قطاع غزّة، والسماح بفتح معبر رفح، وتبنّي وسائل الإعلام والصحف المصرية لغة داعمة وإيجابية تجاه المقاومة الفلسطينية، وهو ما كان محل استغراب من المصريين أنفسهم. كذلك عمدت مصر إلى دعوة إسرائيل إلى فرض الهدنة، ووقف استهداف القيادات في غزة والاعتداءات في القدس، وصولًا إلى الإعلان عن تقديم مصر 500 مليون دولار لإعادة إعمار قطاع غزة. وقد دفع هذا الموقف الإيجابي رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، إلى تقديم شكر خاص لمصر. كما رفعت الأعلام المصرية بجانب الفلسطينية في أثناء الاحتفالات بوقف الحرب.

نحن إزاء موقف جديد يدفع إلى التساؤل عما إذا كان يعبر عن تحول استراتيجي أم تكتيكي؟ يصعب القول الآن إن هناك تحولا عميقا في الاستراتيجية المصرية، أو إعادة نظر في التحالفات المركزية للنظام، فالعلاقات المصرية الإسرائيلية مستقرّة بدرجة كبيرة منذ الثمانينات، ومدعومة جدا من الولايات المتحدة، وأي خروج عنها يعني حدوث تحوّلات كبرى في توجهات كل الدول العربية وتحالفاتها مع الولايات المتحدة، وهو أمر غير متحقق أو متصوّر في المدى المنظور. ومن ثم، نحن أمام تحولٍ تكتيكيٍ مهم، يرجع إلى أسباب مختلفة.

أحد أهم تلك الأسباب تجاهل الإدارة الأميركية بقيادة الرئيس بايدن الإدارة المصرية، وتبنّيها مواقف أكثر حزمًا تجاه ملف حقوق الإنسان في مصر، فكانت هناك حاجة لإيصال رسالة مفادها بأن مصر ما تزال دولة إقليمية مهمة، قادرة على صنع تغيير في المنطقة من شأنه الإضرار بالمصالح الأميركية والإسرائيلية، وإنه لا يمكن استبدال الدور المصري بدول أخرى، وفي مقدمتها الامارات. وسبب آخر شعور مصر بالتهميش السياسي في المنطقة، بعد توقيع إسرائيل واليونان وقبرص اتفاقية لمد خطوط الغاز إلى أوروبا، واستثناء مصر منها، الأمر الذي دفع مصر، في المقابل، إلى تحسين علاقاتها بتركيا، والاعتراف بترسيم الحدود التركية في منطقة شرق المتوسط. ومن ثم كانت هناك رغبة مصرية في إعادة الاعتبار للدور المصري الإقليمي.

ومثّلت أزمة سد النهضة مدخلا مهما لفهم الموقف المصري، لسببين: رغبة النظام في الحصول على الدعم الأميركي والدولي في ما يخص الأزمة. وعمدت الحكومة إلى دعم المقاومة، وتبني الموقف الفلسطيني، في محاولة منها لامتصاص غضب الشارع المصري الموجه ضد الفشل في إدارة ملف السد. السبب الأخير توطيد الدور المصري من خلال الدعم الاقتصادي والمشاركة في عملية إعادة الإعمار في غزّة، ما يسمح لمصر بوجود مخابراتي وسياسي واقتصادي أقوى داخل القطاع بصورة غير مباشرة، ومن ثم تصبح مصر طرفًا أصيلًا ومهما في الصراع، لا يمكن تجاوزه.

يمكن للأيام المقبلة أن تكشف عن مدى عمق هذه التحولات في السياسة المصرية، وهل يمكن لمصر فعلًا أن تغرّد خارج سرب التحالف الخليجي الأميركي، بحيث تقوم بمناورات تكتيكية تحقق لها دورًا إقليميًا أكبر وأكثر تأثيرًا، وتضمن لها بعض المكاسب السياسية في ملفات أخرى، في مقدمتها الأمن المائي في أفريقيا.

(٭ عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق